بيان الكتب: بالتزامن مع فوزه بجائزة «بوكر» التي تمنح سنوياً لكتاب افضل الاعمال الروائية، المكتوبة باللغة الانجليزية في كل من بريطانيا ودول الكومنولث، اجرت مجلة «بولد تايب» الالكترونية مؤخراً هذا الحوار معه ـ هل كنت تفكر دائماً بأن تصبح كاتباً؟ ومن هم الكتاب الذين تأثرت بهم؟ ـ لم افكر في هذا الا بعد طردي من السنة الدراسية الاولى حيث كنت ادرس الكيمياء فالتحقت بالعمل لدى مؤسسة فولكس فاجن للاعلان ككاتب تحت التمرين. لقد شاء القدر ان اعمل لدى هذه المؤسسة التي بدا لي للوهلة انها وكالة اعلانات مختلفة فهناك كنت التقي بالكتاب والفنانين وللمرة الاولى في حياتي. كما قرأت للكتاب الذين مازلت متأثراً باعمالهم الى اليوم وهؤلاء هم «جيمس جويس» في رائعته «عوليس» و«وليام فوكنر» في «بينما كنت ارقد ميتاً» و«صامويل بكت» في «مالون دايز مولي غير الجدير بالذكر». ـ ما هي الاشياء التي حرضتك على كتابة رواية «جاك ماجز»؟ ـ انا استرالي وآباؤنا واجدادنا، اسلافنا الاوائل لم يأتوا الى استراليا في الواقع بحثاً عن الحرية لقد اتو اليها كمساجين، ومع ان قلة من الاستراليين الان هم من اولئك الذين ينحدرون من صلبهم الا انني اعتقد بأن بصمة اولئك المدانين اصلاً لا تزال واضحة في اسلوب تفكيرنا كأمة وبالمناسبة ليس كل ابناء الشعب الامريكي من الذين ينحدرون من صلب اولئك النازحين الى امريكا، الذين كانوا يعيشون في «ميفلور» مثلاً ومع ذلك فإن هؤلاء الذين يعيشون هناك الان يبدون متأثرين جداً بطريقة تفكيرهم ونظرتهم للحياة. وبخلاف الامريكيين فإن الاستراليين يكرهون هذه اللحظة، اللحظة التي ولدت فيها الامة الاسترالية. هذا كله صار يصيبني بحالة من الهياج فبينما نحن نرث عن اسلافنا الشيء الكثير الذي لا يمكنك ايجازه في كلمات قليلة فإن هناك اشياء اخرى بداخلنا هناك كره للذات وهناك تفكير وشعور بالاسى والغضب وما الى ذلك من الانفعالات والعواطف التي لم تحسم بعد، لقد استغرق مني التفكير في هذه الامور زمناً طويلاً قبل معرفتي لكيفية الاستفادة منها في الكتابة الروائية. وذات يوم وانا اتأمل شخصية «ماجوتش» المتهم في رواية آمال كبار وجدتني اصيح فجأة «هذا الرجل هو جدي» الا انني ادركت فيما بعد انني كنت «ظالماً»! ماجوتش الذي يتحدث عنه ديكنز مجرم كريه وشرير ومخيف وديكنز يريدنا ان ننظر اليه باعتباره «الاخر» الا ان ماجوتش هو جدي وبالنسبة لي فهو لا يمكن ان يصبح الاخر. لقد قمت باعادة اختراعه لكي يكون جداً ويصبح بامكاني ان ادافع عنه. لم افكر على الاطلاق في شيء كالتقليل من الجوانب السيئة في شخصيته ولكنني اردت ان امنحه كل الحب والتعاطف الذي يمنحه الراوي في قصة ديكنز لبطله الانجليزي «بب» ومن هنا بدأت اما آليات التنفيذ الاخرى فقد كانت في حد ذاتها اكثر تعقيداً. ـ ان النقاد يشيدون باعمالك بالنظر الى ما تتميز به من دقة تاريخية. وجاك ماجز هي احدى رواياتك التي تزخر بالتفاصيل التي تجعل شخصياتك تنبض بالحياة فما مدى ما بذلته من جهد في البحث عن تلك التفاصيل؟ ـ اقل مما تتصور «ولتكن بهذا الشكل، اذا قررت ان تكتب عن لندن القرن التاسع عشر فانك ستدخل بلا شك في تلك المناطق التي كان يتواجد فيها اشخاص مثل ديكنز و«تاكري» و«ويلكي كولنز». لكنك اذا توجهت الى هذه الاماكن من اجل الحصول على المعلومات فلن تكون في ذلك الوقت اكثر من منتحل لآراء هؤلاء او سارق وبالتالي فلن يكون امامك حل سوى غزو تلك المناطق للحصول على المعلومات المتوفرة عنهم، وكيف يتحقق هذا؟ هذا يتحقق بواسطة الخرائط والرسوم البيانية. كما تحتاج كذلك الى جواسيس وعملاء يراسلونك من الماضي والاجانب هم افضل من يقوم بهذه المهمة فهم يرون اشياء ليس بوسع الانجليز انفسهم رؤيتها، فالالماني مثلاً سيشرح لك بالتفصيل طريقة تحضير نوع معين من الخبز، وبعيون اجنبية تستطيع ان ترى بلداً اجنبياً جديداً وطازجاً بامكانك ان تضعه على خارطة رواية مكتوبة في القرن العشرين. وحيث انني اقيم في نيويورك فقد ذهبت الى مكتبة نيويورك العامة التي تطفح ارففها بروايات تأتي على السنة زوارها في القرن التاسع عشر، لا من الامريكيين فقط وانما الالمان والروس ايضاً. ـ هل بحثت في تاريخ التنويم المغناطيسي؟ ـ اجل وكانت اكثر المصادر امتاعاً لي تلك التي يتحدث فيها دكنز. وكل من يراجع مذكراته سيعثر على روايات يتحدث فيها عن علاجه لامرأة اسمها مدام «دو لارو» كانت قد اصيبت بمرض التقلص اللا ارادي في عضلات الوجه لقد تأثرت بهذا. ـ ان قراءة جاك ماجز تشبه قراءة آمال كبار فشخصية ماجز هي التفسير الجديد لشخصية ماجوتش و«هنري يتسي» هي التفسير الاخر لبب. ـالا يساورك القلق بشأن اعادة الكتابة عن شخصيات ديكنز تلك القريبة الى النفس؟ ـ اعتقد بأن ماجز الذي اكتب عنه كان يسير في نفس الطريق التي سار فيها ماجوتش ولكن قل لي الا يوجد اختلاف في شخصيته؟ ـ كما ان هنري ببس لا يشبه بب الذي كتب عنه ديكنز. وعموماً فأنا مؤمن بأن تبني افكار الاخرين او التطفل على شخصيات دكنز هو نوع من الوقاحة لا اكثر. ـ الكثير من الاعمال الروائية المعاصرة تعيد احياء او تجديد موضوعات لكتاب كبار بما في ذلك «اوستن» و«هوثون» و«وارثون»، ما رأيك في هذه التوجهات الجديدة واين انت منها؟ ـ ان مشروعي الروائي يتمحور دائماً حول اختراع او اكتشاف بلدي. ولتنظر اليها بهذا الشكل، ان «آمال كبار» ليس عملاً عظيماً في الادب الانجليزي فقط وانما هي بالنسبة لأي استرالي الطريقة التي استعمرنا بها الانجليز وجعلونا ننظر الى العالم بواسطتها. انها رواية عظيمة غير انها في الوقت ذاته وبشكل اخر سجن. في حين ان جاك ماجز هو بمثابة السعي الى تحطيم هذا السجن والى التصالح على نحو خيالي مع السجان، هذا هو ماجز من منظوري انا وبالتالي فهو غير مرتبط باعادة احياء هوثون او وارثون. ـ نشرت في احدى المرات بعض المقالات المتضمنة لسيرتك الذاتية على الرغم من عدم ظهورها في اعمالك الروائية غير المتضمنة لأي اعترافات. انت ككاتب وكأستاذ ما هو رأيك في الرواية السير ذاتية؟ ـ لا اميل على الاطلاق الى شيء مثل كتابة الرواية السير ذاتية ولا احب قراءة الاعمال الاخرى التي تنطوي تحت هذا النوع الادبي والتي يكتبها الناس من واقع حياتهم الشخصية وبالنسبة لي فإن ما استمتع به هو اختراع او بناء نفسي وانعاشها والوصول الى اشياء لم اكن قد عرفتها قبل البدء في الكتابة والحقيقة انني بين الحين والاخر استمتع بكتابة السيرة الذاتية غير الروائية على الرغم من انها تبدو غير ملائمة باستمرار لكتابة الاعترافات. ـ في الوقت الذي يتزايد فيه التناغم مع قضايا التعددية الثقافية والانتماءات العرقية، يتزايد التركيز على موضوع الهوية، هوية الكاتب، فما مدى تأثرك بكونك استرالياً؟ ـ ان كل ما كتبته تقريباً يسلط الضوء على مسألة الهوية الوطنية، وهو موضوع يبدو من ظاهره انه توجه قديم لكنه بالنسبة لي يبدو موضوعاً حداثياً ملحاً. وبإمكان المرء ان يقرأ جاك ماجز (كما فعل العديد من النقاد، الذين اشادوا به) دون ان تكون لديه اي معرفة باستراليا او مشكلاتها وآمالها وتاريخها وفي نهاية المطاف ستبدو له مجرد رواية. ـ لقد وسع عرض فيلم اوسكار ولوسندا دائرة قرائك فكيف كان شعورك وانت تشاهده للمرة الاولى؟ ـ ببساطة لقد ذهلت كما زاد من تأثري مشهد هؤلاء الممثلين الرائعين الذين كرسوا جهودهم ووقتهم لعمل شيء جديد. مريم جمعة فرج