بيان الكتب: الروائي الاسترالي بيتر كاري الذي أعلن عن فوزه بجائزة «بوكر» البريطانية للابداع الروائي 2001 هو الاسم الثاني الذي يأتي ضمن قائمة الحاصلين على جائزة بوكر مرتين بعد الروائي الجنوب افريقي جي.ام كويتزي، وكان كاري قد حصل على نفس الجائزة التي تمنح لمؤلفي الاعمال الروائية المكتوبة باللغة الانجليزية في كل من «بريطانيا ودول الكومنولث» في سنة 1988 عن روايته التي تم تحويلها الى فيلم سينمائي «أوسكار ولوسنيدا» اضافة الى ترشيحه في سنة 1985 للقائمة النهائية لبوكر عن رواية «الى ووكر» قبل حصوله عليها قبل أسابيع عن رواية «التاريخ الحقيقي لعصابة كيلي» الفائزة في وقت سابق من هذا العام على جائزة «كتاب دول الكومنولث». ورواية «التاريخ الحقيقي لعصابة كيلي» التي يقارنها النقاد بأعمال عدد من كبار الكتاب الغربيين المعاصرين منهم جابرييل جارسيا ماركيز وجورج بورخيس وكيرت فونجت ووليام فوكنر وفرانز كافكا، تراجيديا تاريخية سيكولوجية تستند في تقنيتها السردية الى التداعيات والاعترافات الشخصية لبطلها ند كيلي المجرم لص الادغال الذي يروي بنفسه قصة حياته آملا في ان تقوم ابنته التي يعرف مسبقا انه لن يراها بقراءتها ولكنه وعلى الرغم من ذلك يدير بنكتها اللذيذة رأس القاريء. بعيني بطل القصة يشاهد القاريء استراليا القرن التاسع عشر، الحياة التي يختزلها المؤلف في مناظر من الطبيعة الريفية حيث تنبت أشجار الصمغ القزمة وتقوم البيوت الآيلة للسقوط بالقوة وحيث التركيز على الجانب الاخلاقي يبدو واضحا لديه في رسمه للذاكرة التاريخية لما يسميه بالشعور بـ «الظلم» الموروث أباً عن جد وان كانت روايته «التاريخ الحقيقي لعصابة كيلي» تبدو في ظاهرها عملا بالغ التهذيب يهدف الى توفير نظرة موضوعية للأمور. فحين يخلع كيلي قناعه الحديدي في هذه الرواية لا يمكن لذلك الا ان يفسر على انه اشارة للتعريف بهوية ابناء الأمة الاسترالية ولكن ليس كما يتحدث ويكتب عنها الانجليز في كتب التاريخ. من الاشياء المهمة التي يؤكد عليها كيلي اهتمامه بموضوع الهوية ان كل ما كتبه يتعلق بموضوع «الهوية» الوطنية المشكلة التي تعودنا على التعامل معها باعتبارها مشروعا بطل استعماله، الا انها وعلى الرغم من ذلك تبدو بالنسبة لي قضية حداثية ملحة. وهذا ما يقوله ايضا في نهاية رواية «التاريخ الحقيقي لعصابة كيلي» منتقدا الآراء المتناقضة تجاه ند كيلي «شخصية البطل القومي» على لسان معلم المدرسة «ألا يوجد لدينا ما يشبه (جفرسون)؟ هلا فتشنا عن شخصية أفضل من شخصية لص الجياد المجرم القاتل لتنال اعجابنا؟». تدور أحداث رواية «التاريخ الحقيقي لعصابة كيلي» حول قصة حياة كيلي التي يكتبها لابنته التي يبدو متأكدا من انه لن يراها مستخدما لغته الريفية بشيء من الذوق متنقلا زمنيا الى الامام والى الخلف، ففي الثانية عشرة عندما يموت والده يسعى كيلي الى السيطرة على زمام الأمور وفرض نفسه على عائلته الكبيرة كرب أسرة يكرس حياته لتربية الخيول ورعاية أفرادها، لكنه يصطدم في تلك الاثناء بوالدته المتسلطة ذات النزعة العملية الى حد كبير فيحمله ذلك الى مغادرة منزل أسرته والالتحاق برجال العصابات وقطاع الطرق. ورغم انها التجربة القاسية الأولى في حياته، الا انها كانت قد أوجدت لديه نوعا متميزا من الوعي بهويته كواحد من أفراد الشعب الايرلندي المطرود من جنة التاج البريطاني الى شواطيء تلك القارة البعيدة، ورغم محاولاته البقاء الا ان شيئا لا ينجح في الدفاع عنه كانسان مظلوم في الأساس حتى يلقى حتفه مقتولا كالوحش في سنة 1880 وهو في الخامسة والعشرين. والصور التي يقدمها كاري تضج بالحيوية ولقطات الدراماتيكية المثيرة على الرغم من بساطة هذا العالم الذي يتحدث عنه فهناك العديد من الصور التي يظهر فيها ند كيلي الصبي وهو يساعد الآخرين أو يزاول رياضة المصارعة أو يقابل المرأة تصبح زوجته فيما بعد وما الى ذلك من الصور القديمة التي ينقلها بلغة الحياة اليومية في القرن التاسع عشر وينجح في تحويلها الى واقع حقيقي محكي بصيغة المتكلم (ند كيلي) وبمزيد من الوعي بحاجة القاريء في القرن الحادي والعشرين وكأن بيتر كاري يمنحه فرصة اخرى للدفاع عن نفسه أمام هذا القاريء فيما يشبه قوله برمزية شديدة: «أنا مجرد انسان لا أكثر، لقد فقدت والدي عندما كنت في الثانية عشرة وتعلمت ما يعنيه ان تشب على الأكاذيب والصمت يا ابنتي العزيزة، انك الآن صغيرة جدا على فهم هذه الكلمات التي اكتبها ولكنني أكتب هذا التاريخ لك وهو لن يشتمل اطلاقا على كذبة واحدة، ويشهد الله انني أقول الحق». ولد بيتر كاري في باكتس مارش بولاية فيكتوريا الاسترالية في سنة 1943 لأبوين يعملان في مجال الأعمال. أكمل تعليمه الأساسي في مدرسة «جيلونج جرامار سكول» ثم التحق بجامعة «موناش» لدراسة الكيمياء ولم يكمل تعليمه فيها. وبين عامي 1962 و1967 عمل لدى عدد من وكالات الاعلانات في «ملبورن» وفي أواخر الستينيات قام بزيارة عدد من الدول الأوروبية وبعض دول الشرق الأوسط، ثم أقام في لندن لبضع سنوات. بعد عودته الى استراليا في سنة 1970 تنقل للعمل في عدد من مؤسسات الاعلان في ملبورن وسيدني، وكتب معظم أعماله القصصية في تلك الفترة ومنها «الرجل البدين في التاريخ» 1974 و«جرائم الحرب» و«الفرصة»، وتتميز هذه المجموعات القصصية بوجه عام بأنها الأعمال التي يظهر من خلالها بوضوح تأثير المدرسة السريالية في الكتابة الابداعية والأثر الذي تركته في أعماله كتابات عدد من كبار الروائيين من أمثال كافكا وبيكيت وبورخيس. ويمكن القول بأن مرحلة نهاية السبعينيات كانت الأهم في حياة كاري الابداعية حيث شهدت تلك المرحلة كتابة أول أعماله الروائية «السكينة » الصادرة في سنة 1981 و«السكينة» عبارة عن عمل روائي ذهني يجمع بين الجد والهزل وتدور أحداثه حول تجربة رجل يدعى «هاري جوي» يعمل في مجال الاعلانات وتتلخص التجربة في عودته الى الحياة بعد الموت. ولدى عودته يصبح لديه اقتناع غريب بأنه يعيش في جهنم ثم يكتشف القاريء المفارقة التي تحمله على هذا الشعور، حيث ترمز تلك الحياة الى حياته السابقة وسط جو عائلي مفكك مهزوز يعاني فيه من مشكلات زوجته الخائنة وولديه الفاسدين. أما روايته «أوسكار ولوسيندا» في 1997 فهي احدى روايات كيلي الرومانسية ويتلخص موضوعها الأساسي في قصة حب تربط بين شاب وفتاة من القرن التاسع عشر على نحو مخالف لأخلاقيات العصر وتقاليد المجتمع الفيكتوري المعروفة في استراليا في ذلك الوقت. أما رواية «مفتش الضرائب» سنة 1991 فهي كوميديا سوداء يدور موضوعها الرئيسي حول مأساة عائلة «كاتشبريس» الثرية ذائعة الصيت التي تتكشف أسرارها على يد مفتش الضرائب وهو يقرأ الوثائق والسجلات التي خلفها أفراد العائلة البائسة بعد رحيلهم والتي يجد فيها الكثير من الادعاء. أما نشر هذه الرواية فقد تزامن مع انتقال كيلي للاقامة في نيويورك حيث مازال يعيش هناك في حين تنظر الاوساط النقدية بتقدير شديد الى روايته الأكثر شهرة «جاك ماجز» سنة 1997 الحاصلة على جائزة الكومنولث والمبنية على نحو مثير للجدل على رواية «آمال كبار» للروائي البريطاني تشارلز ديكنز