بيان الكتب: لماذا يفتتن الناس بالابنية القديمة؟ سؤال طرحناه في عنوان الصفحة 12 من «بيان الكتب» لهذا الاسبوع ثم اخترنا صورة الغلاف لتكون على الصفحة الاولى. الكتاب الذي نشير اليه عنوانه «بين الاطلال» لمؤلفه كريستوفر وودوارد احد المؤرخين الانجليز في حقل دراسة «الخرائب». ان كلمة الخرائب في المدلول الشعبي لها بعد سلبي ولا يمكن توظيفها الا ضمن ما هو متروك ومهمل في الذاكرة والبصر لذلك لا يمكن ان تكون مجالاً للبحث الفني او الجمالي، لكن الناس تفتنهم اطلال الابنية القديمة، رغم كل ما تحمله من انكسار للزمن والإنسان والعمران. الغرب اجرى تصالحاً منذ مدة بعيدة مع الخرائب فعرف تاريخها وحفظ نماذجها واعاد انتاجها عبر كل الوسائل الفنية والجمالية حيث صورها ودوّنها وتعامل معها موسيقيا واستوحى من خلالها الاساطير والقصص، وحين استنفد جغرافية خرائبه توجه شرقاً ليستكشف امزجة خرائب الشرق المليئة بالاساطير الفاتنة والقصص الاسرة، فعمل على كتابتها وتدوينها وتحليل اعمارها وبذلك نشأ علم دراسة الآثار الذي تحول الى أحد ابرز الدراسات في دنيا العلوم الحديثة، وهذا الجانب في كل ما تقدم لم تنعكس ايجابيته على شعوب الشرق خيراً وفيراً او علماً كبيراً بل كان وبالاً سيئاً حيث سرقت معظم خرائب الشرق ووضعت في متاحف الغرب وحفظت جميع وثائق الشرق فيها، ونشأت بعد ذلك حركة نهب منظمة لآثار «خرائب» الشرق الى العالم الاستعماري وصار هناك مهنة اسمها تجارة الاثار التي لم تفلح فيها انظمة او قوانين لضبطها او للحد من خطورتها، واستفاد الغرب منها استفادة عظيمة طيلة سنوات استعماره للمنطقة العربية وها هي اثار خرائبنا شاهدة على ما جرى خلال عهود الاستعمار. وحتى لا يبدو الحديث عن الاطلال شبيهاً بالبكاء على اللبن المسكوب فان الشرق كان مطبخ الحضارات وفيه نشأت الابجديات وعاش الانسان الاول وعلى بعد أمتار منا توجد شواهد تدل كم كان في هذا المكان من حياة وكم مرت عليه من أمم، الا ان التعامل مع الاطلال ليس فناً شرقياً ربما لان الانسان الشرقي لا يجد نفسه بعيدا عن عمارة اجداده لذلك لا يجري معها اتفاقاً تنقيبياً ولا يشغل نفسه بما هو له... ان هذا الاقرار حق طبيعي لابن المنطقة لكنه لا يعرف فعلاً ماذا كانت تضم خرائبه وكم هو عمرها، بل لا يذهب مع ابنائه الى تلك الامكنة كزيارة سياحية تعريفية، وفي كل الاحوال يكتفي بمشاهدة اثاره من الخارج كما لو انه يرى صورة في مجلة او كتاب. ولان الغرب اجرى ذلك التصالح مع الخرائب فانه ادرك ان الشرق هو المكان الرائع لتلك الاثار فجاء الى هنا غازياً مرة بسلاحه كاستعمار، ومرة بنقوده كسائح، وثالثة بتفوقه التقني كعالم! «بين الاطلال» يفتح الكثير من الاسئلة تستحق منا وقفة اطول ليس مع كتاب جديد نعرضه بل مع زمن يموت ولا نستطيع استعادته رغم انه حولنا.. او اننا نعيش فيه. حسين درويش