يبدو ان ملايين السنين من التطور ليست كافية فالعبقرية الانسانية يمكنها ادخال تحسينات على الآلية الجزيئية التي تدير اجسامنا وفقا لمجموعة متزايدة من مهندسي التقنية النانوية (الدقيقة جدا) الذين يعملون على تقديم الادوات لاثبات ذلك. ويمكن لآلات بحجم الخلايا الحية ان تحدث ترميما لنا من الداخل الى الخارج، بينما تقوم اجهزة دقيقة مزروعة في الجسم بتشخيص المرض ومكافحته، واذا صح ذلك، فاننا نكون قد دخلنا الى عالم الطب النانوي. كارلو مونتيماجنو يخطط لغزو جسم الانسان ويقول بهذا الخصوص: نريد تصنيع آلات يمكننا ادخالها الى داخل الخلايا، وحالما تصبح هذه الآلات في الداخل، يطمح مونتيماجنو الى جعلها تقوم باشياء يعجز الجسم في الطبيعة عن القيام بها مثل صنع العقاقير وتوليد الكهرباء. وهذا ليس مجرد تخمين او حلم سخيف، وانما هو عمل جاري تنفيذه في جامعة كورنيل. وقد قام مونتيماجنو بالفعل ببناء محرك جزئي حيوي فاعل يبلع حجمه اقل من خمس حجم خلية دم حمراء، والمكونات الاساسية هي بروتين من البكتيريا المعروفة باسم «اسكريتشياكولي» موصول بمحور دوران من النيكل وداسر بعرض بضعة نانوميترات. اما طاقته، فتأتي من «ايه تي بي» وهو الوقود البيولوجي الموجود في كل خلية حية، وهذا المحرك ماهو الا خطوة واحدة على طريق تحقيق رؤية طموح طويلة الاجل. والتالي بالدور هو محرك يستطيع تجميع نفسه داخل خلية حية معينة. ويقول مونتيماجنو في هذا الصدد نريد ان نحصل على اندماج تام بين الآلات والاجهزة الحية». وتعد تطورات كهذه بتغيير طريقة تفاعل الطب مع المادة البيولوجية الحية. وتوشك الاجهزة الذكية التي تزرع في الجسم لاعطاء الادوية بدقة لدى الحاجة اليها، ان تنزل الى الاسواق، وفي الطريق الى الاسواق ايضا اجهزة الكترونية تأمر الخلايا بافراز هرمونات محدودة عندما يحتاجها جسم الانسان، ومولدات للكهرباء تجمع نفسها داخل الخلية، وتبحث داخل مصدر الطاقة الخاصة بالخلية عن طاقة لتشغيلها ولا شك في ان الآلات بدأت تتسلل الى مظاهر الحياة البيولوجية ويقول جاري سايلر، وهو عالم احياء دقيقة في جامعة تنيسي في نوكسفيل: ان الامور تسير بوتيرة سريعة على نحو لا يصدق في الوقت الراهن، انني اعرف بعض الباحثين الذين يتحدثون بجدية عن اساليب جراحية روبوتية دقيقة. وفي ظل وتيرة تطور الامور الحالية، يمكن الانتقال من الخيال الى الواقع في غضون عشر سنوات. ومن المرجح ان تبدو الآلات المصنوعة على المقياس النانوي ـ باستخدام اجزاء بحجم الجزيئات الصغيرة ـ بمظهر مختلف تماما عن الاجهزة المألوفة لدينا، ويقول مورو فيراري، مدير الهندسة الطبية البيولوجية في جامعة اوهايو ستيت: لن تكون هذه الآلات نسخا مصغرة لما نصنعه في عالم الامور الصغيرة ـ فلن نرى رافعات وملاقط صغيرة وصمامات، وسيكون هناك افكار متشابهة، ولكن فيزياء مختلفة تماما لان الميكانيكا لا تعمل بنفس الطريقة عند ذلك المقياس، ومهما يكن الشيء الذي سينتهي به الحال الى التجوال في جسم الانسان، فلن يكون شيئا شبيها بالغواصة المصغرة في الفيلم السينمائي «رحلة رائعة». ان اول استخدام طبي للتقنية النانوية القابلة للزراعة في الجسم يثبت جدارته حاليا في التجارب. فقد نجحت تيجال ديساي من جامعة إلينوي في تطوير جهاز مهندس بالتقنية النانوية يزرع في الجسم، بحيث يغني الاشخاص المصابين بالسكري عن استخدام حقن الانسولين، وقد مضت اسابيع على الفئران المصابة بالسكري ولديها هذا الجهاز مزروعا في اجسادها من دون ان تحتاج الى حقن الانسولين، او تبدي اي مظاهر تدل على رفض الجهاز المزروع. والشيء الاكثر تعقيدا هو الجزيئات المشجرة او ما يسمى بـ «دندرايمرز» والتي جرى تصميمها على يد جيمس بيكر، مدير مركز التقنية النانوية البيولوجية في جامعة ميتشيجان في آن آربور وهذه عبارة عن جزيئات كروية، تم تشكيلها بعناء طبقة تلو الاخرى من جزء مركزي، وتعمل هذه الجزيئات كأدوات متعددة الاغراض للتعامل مع الاصابة والتلف اللذين يحصلان داخل الجسم ويمكنها ان تعلم النسيج المريض بصبغة معززة للصورة وتعطي الخلية المؤذية جرعة قاتلة من عقار معين، ويمكن للاطباء بعد ذلك ان يتأكدوا من نجاح هذه العملية عن طريق استخدام «دندرايمز» يصبح فلورسنتيا في غياب الانزيمات التي تطلقها خلية مصابة اصابة قاتلة. وبتسليط ضوء ليزري ذي اشعة فوق بنفسجية على المنطقة المصابة وتسجيل الضوء المنبعث يكشف مدى نجاح العلاج. ويقول ميلان ماركسيتش وهو كيميائي في جامعة شيكاغو انه حالما نستطيع ان نتفاعل مع خلال مفردة، فسنكون قادرين على استغلال قدراتها الاستثنائية ويضيف اننا قد نكون قادرين على استخدامها كمصانع للأدوية على سبيل المثال. هذه هي بعض الاستخدامات الحالية للتقنية النانوية في مجال الطب، لكن المستقبل يعتبر واعدا بالنسبة لهذه التقنية التي باتت الدول الصناعية في اوروبا واليابان والولايات المتحدة تضخ اليها ملايين الدولارات من اجل تطويرها. والولايات المتحدة وحدها التزمت هذا العام بتخصيص اكثر من 497 مليون دولار للتقنية النانوية واستخداماتها، كما ان شركات البحث العلمي الكبرى، مثل هيوليد باكارد وآي بي ام وثري ام تقوم بتخصيص ما يصل الى ثلث المبالغ المخصصة للبحوث العلمية على التقنية النانوية. ضرار عمير