ارهاب بيولوجي؟ هجوم بالجراثيم؟ اذا كان خطر وقوع هجمات من هذا النوع حقيقيا، فلماذا لا نشمر عن السواعد ونتلقى اللقاحات؟ يقول الخبراء ان المسألة طرحت عدة مرات منذ 11 سبتمبر ومع ان السؤال كان معقولا بالتأكيد يشك البعض ان شن حملة تطعيم واسعة للامريكيين سيشكل دفاعا عمليا على المدى القريب ضد اي اطلاق متعمد للجراثيم الفتاكة. ويقول الخبراء ان المخاطر الصحية المحتملة للتلقيح الجماهيري قد تزيد بسهولة عن منافعها، خاصة وان لا احد يعرف ما اذا كان حدوث كارثة كهذه محتملا بالفعل. اضف الى ذلك ان ثمة مشاكل فعلية على الارض فليست هناك لقاحات متوفرة للاستعمال المدني ما عدا لقاح الجدري الذي ستكون كمياته شحيحة من الآن حتى السنة المقبلة. كما ان المصدر الوحيد الذي يمون الحكومة بلقاح الجمرة الخبيثة عجز عن التقيد بالمقاييس الحكومية الفيدرالية وهو لاينتج اللقاح حاليا. ولكن حتى اذا تعذر تحصين جميع سكان الولايات المتحدة ضد الجراثيم الارهابية فان صنع لقاحات جديدة وافضل يعتبر جزءا رئيسيا في الدفاع ضد الارهاب البيولوجي. وينبغي ان لايغيب عن البال ان بعض الفيروسات التي يتمكن تحويلها الى اسلحة ارهابية، مثل فيروس ايبولا والجدري غير قابلة للعلاج. اما ميكروبات الجمرة الخبيثة والجراثيم الاخرى يمكن معالجتها بالمضادات الحيوية، ولكن بالنسبة للجمرة على الاقل ينبغي ان تبدأ المعالجة بسرعة. ولذلك فان اللقاحات التي تحمي من التقاط الامراض تماما قد تكون ذات فعالية اكبر ضد تفشي الاوبئة. ولقد كان تطوير اللقاحات ضد لائحة كبيرة من اسلحة الارهاب البيولوجية على رأس جدول الابحاث في المعهد القومي للصحة ووزارة الدفاع حتى قبل التفجيرات التي حصلت في نيويورك وواشنطن. والعمل جار لصنع طعوم ضد كل جرثومة قابلة لاستخدامها كسلاح بيولوجي. وبعضها قد يعطى سلفا للجنود والشرطة والعاملين في المستشفيات، الا انه يرجح الاحتفاظ بأكبر الكميات الممكنة لتوزيعها بعد هجوم ما لمحاولة وقف التفشي على نطاق واسع. ويسعى العلماء لصنع لقاحات يمكن انتاجها بسرعة وتستطيع بعد اعطائها ان تؤمن الحماية بصورة اسرع من الطعوم المتوفرة حاليا. ويتحدث الباحثون الذين يتشاورون مع الوكالات الحكومية عن ان ثمة شعورا بضرورة الاسراع، ويقول الدكتور مايرون ليفي، مدير مركز تطوير اللقاحات في جامعة ماريلند: بالله، لقد ايقنا فجأة انه يجب ان نعالج هذا الوضع. وقد اعلن وزير الصحة والخدمات الانسانية الامريكي تومي طومسون ان الحكومة الامريكية تأمل تجهيز 40 مليون جرعة من لقاح الجدري قبل حلول الصيف المقبل، اي قبل الموعد النهائي المحدد للعام 2004. وستحدث مؤسسة اكامبيس البريطانية البرنامج الذي تنفذه، وهو سيكلف 343 مليون دولار خلال 20 سنة لتموين المخزون الامريكي وثمة 15 مليون جرعة متبقية منذ السبعينيات. ويشار الى ان القضاء على الجدري في العام 1977 تبعه توقف التلقيح الروتيني في العام 1980، الا ان الروس انتجوا اطنانا من الجدري لترسانتهم من الاسلحة البيولوجية في الثمانينيات الماضية. ويخشى بعض الخبراء ان يكون تم تهريب بعضها الى بلدان اخرى لصنع الاسلحة البيولجية. ان حوالي نصف السكان الامريكيين ملقحون ضد الجدري، الا ان مفعول اللقاح يتراجع مع الزمن، ويقدر الدكتور، ا. د. هندرسون، مدير مركز جونز هوبكينز للمراقبة والوقاية من الامراض ان ما يتراوح بين 10 و 20 في المئة من هؤلاء لايزالون محصنين ضد الجدري. وسيربى لقاح اكامبيس الجديد في استزراعات خلوية وتكون اكثر نقاء من النسخ الاصلية المشتقة من خراج ابقار مصابة بالعدوى، ويعتزم المركز تخزين اللقاح في مخازن موضوعة تحت الحراسة في مختلف انحاء البلاد بانتظار شحنها بسرعة بعد هجوم ما لمنع الفيروس المعدي جدا وغير القابل للعلاج من التفشي والانتشار. وتقضي الخطة بفرض الحجر الصحي على المناطق التي تظهر فيها اصابات الجدري، ثم تلقيح كل فرد في المناطق المحيطة بالمواقع المذكورة، واي منطقة يظهر فيها وباء مؤلف من 100 اصابة ستحتاج الى 90 مليون لقاح لمنع امتداد الوباء. ولا ريب في ان الناحية اللوجستية لمثل هذه العمل ستكون طاغية خاصة اذا حدثت اصابات بالعدوى في عدة مدن، ففي العام 1947 استغرق تطعيم ستة ملايين شخص في نيويورك اسبوعا كاملا استجابة لظهور ثماني اصابات فقط. وعليه، لماذا لا يطعم الجميع فور ان يتوفر اللقاح؟ يقول الدكتور رونالد اطلس من جامعة لويزفيل ورئيس الجمعية الامريكي للميكروبيولوجيا: الامر يحتاج الى اعادة نظر. لقد بدأت فعلا بالتفكير في ان هذه طريقة معقولة. الا ان كثيرين من الاختصاصيين يبدون شكوكهم، ومنهم هندرسون الذي اشرف على البرنامج العالمي للقضاء على الجدري، وقبل سنتين ترأس لجنة الحكوميين والاكاديميين التي رفضت تلك الفكرة في حينها، ولا تزال متمسكة بالرفض. يقول هندرسون ان الجواب هو بالتأكيد لا فعندما كان الجدري يشكل خطرا صحيا حقيقيا كانت المخاطر صغيرة بالمقارنة، الا ان المعادلة تتغير عندما يصبح الخطر غير قابل للقياس. ويشدد الخبراء على انه حتى الوفيات او التعقيدات الخطيرة الناجمة عن التلقيح على مستوى بضع مئات فقط ستعتبر غير مقبولة. ويقدر الخبراء ان ثلاثة من كل مليون شخص يتم تطعيمهم سيصابون بالتهاب غشاء المخ الذي قد يؤدي الى الوفاة او التلف العصبي الدائم. وسيصاب 250 شخصا منهم بطفح شبيه بالجدري بسبب جرثومة غير مؤذية عادة فاكسينيا تستعمل لصنع اللقاح وقد يكون الطفح قاتلا اذا اهمل علاجه. والاشخاص الذين يعانون من وهن جهاز المناعة ـ كمرض السرطان وعمليات زرع الاعضاء ـ واؤلئك الذين يتعاطون جرعات كبيرة من الستيرويدات والمصابون بالايدز، معرضون للاصابة بشكل خاص، وحتى لو لم تلقح هؤلاء فقد يلتقطون الفاكسينيا ـ الفيروس المشلول المستعمل في صنع اللقاح ـ من الاشخاص الملقحين. وقد اعلن باحثون بريطانيون مؤخرا انهم فكوا الشيفرة الوراثية لبكتيريا الطاعون، الامر الذي يوفر بعض ملامح تصميم لقاح. ولقاح الطاعون المتوفر حاليا يحمي من الشكل الدملي للطاعون، ولكنه غير فعال ضد الشكل الذي ينتشر بالتنشق القابل لتحويله الى سلاح بيولوجي. ويمكن معالجة الطاعون والاخطار البكتيرية الاخرى، كالجمرة الخبيثة، بالمضادات الحيوية. انما ينبغي اعطاء الادوية دون ابطاء بعد التعرض للجراثيم وحتى قبل ظهور اعراض المرض لكي تكون فعالة. وبما انه يرجح ان لا يكون هناك انذار بهجوم جرثومي وبما ان الاعراض قد تفسر انها اصابات انفلونزا، فان العلاج قد يأتي متأخرا للكثيرين. ان اللقاح ضد الجمرة الخبيثة مخصص للمؤسسة العسكرية والخبراء يجمعون انه ملبك للاستعمال المدني، اذ يجب اعطاؤه ست مرات خلال 18 شهرا يليها جرعات الدعم (البوستر) اضف الى ذلك ان شركة «بيوبورت» الامريكية الصانعة الوحيدة للقاح في الولايات المتحدة توقفت عن انتاجه منذ العام 1998 اثر عدم تلبيتها لمقاييس دائرة الاغذية والادوية. وهناك عدة مختبرات تجري ابحاثا تمولها الحكومة لصنع لقاح افضل للجمرة يقضي على الحاجة الى استعمال المضادات الحيوية بسرعة، ويعمل احد تلك المختبرات ويدعى VAXIN لصنع لقاح مهندس وراثيا يعطى عن طريق لصقة توضع على الجسم. ويقول كينت فان كامين رئيس الشركة المذكورة ان اللقاح قد يكون مخصصا في البداية للجنود وعمال المستشفيات، الا انه على كل حال لن يصبح متوفرا قبل مرور فترة 3 الى 5 سنوات. واذا نجح هذا اللقاح او غيره فعلا فان التفكير الحالي باطلاق حملة تلقيح واسعة النطاق قد تتغير، الدكتور لوتشيانا بوربو من مركز جونز هوبكينز تقول: اذا توفر لنا لقاح عظيم بكميات كافية وخالية من الآثار الجانبية وشعرنا بوجود خطر كبير داهم فمن المنطقي ان نطالب ببحث اوضاع الصحة الاهلية. ومن ناحية اخرى يبدأ باحثون قريبا دراسة كبيرة تهدف الى معرفة ما اذا كان ممكنا تخفيف المخزون الصغير من لقاح الجدري بمزجه بمواد اخرى يجعله يؤمن الحماية لشريحة سكانية اوسع في حال حدوث هجوم بيولوجي. والمعروف ان الاستعداد يجري لصنع كميات جديدة من اللقاح الا ان الخبراء يأملون ان تشكل اضافة بعض السوائل الى الامدادات الموجودة حاليا حلا مؤقتا الى حين المباشرة بانزال الكميات الجديدة في الصيف المقبل. ولدى الحكومة الامريكية الآن حوالي 154 مليون جرعة من لقاح الجدري مخزونة في اماكن سرية في مختلف انحاء الولايات المتحدة. وسيختبر باحثون في اربعة معاهد ما اذا كان تخفيف اللقاح الى حوالي خمس او عشر الجرعات العادية سيؤمن الوقاية من العدوى.