في خاطرة سابقة قبس هذا المحك النقدي من كتاب (المرايا المقعرة) للدكتور عبدالعزيز حمودة أبرز العناصر التي يمكن ان تصنع منها النظرية اللغوية العربية، وجعل ما اقتبسه تمهيداً للحديث عن نظرية أدبية عربية، تجتمع لها مقومات التنظير، وتستطيع ان تجابه ما يلجأ إليه الحداثيون من الانكاء على النظريات الأدبية الغربية، أو نقلها نقلاً تاماً لا يراعون فيه ما بين الغربيين والعرب من اختلاف. فهل تستطيع المرايا المقعرة ان تجد في تراثنا القديم أسساً راسخة تبني عليها نظرية أدبية عربية خالصة، تغنينا عن الاستجداء والاستخذاء؟ وإذا كان في استطاعتها ان تبني هذه النظرية فما الأسس التي تبني عليها أركانها، وما العناصر التي تشيد منها بنيانها؟ للإجابة عما سألنا تحسن الاشارة إلى مسألة شغلت رواد النقد العربي من طه حسين إلى محمد مندور، وهي تأثر النقد العربي في العصر العباسي بأرسطو وأفلاطون، لكن هذا التأثر لا يُعَد مطعناً، ينال من النقد والأدب العربيين، لأن الفكر العربي أنجب الجاحظ قبل ان يطغى الفكر اليوناني على الأدب العربي، ونجابة الجاحظ دليل على خصب العقل العربي في ميداني النقد والأدب. ولم يكن التأثر بأرسطو فيما بعد وبالاً على النقد العربي، ولا انتقاصاً منه، و لا عاراً على ناقليه والمتأثرين به، فالغربيون أنفسهم القدماء والمحدثون لا ينكرون تأثرهم بالنقد اليوناني، بل يعتزون به، تلكم واحدة، والثانية ان نقل أرسطو إلى النقد اليوناني، بل يعتزون به، فالغربيون أنفسهم القدماء والمحدثون لا ينكرون تأثرهم بالنقد اليوناني، بل يعتزون به، تلكم واحدة، والثانية ان نقل أرسطو إلى النقد العربي لم يكن في بداية الأمر دقيقاً ولا عميقاً، ويدلك على ضحالة الأثر الذي تركه ان عبقرية عبدالقاهر الجرجاني لم تتفجر حينما لامستها ثقافة اليونان، وإنما تفجرت حينما مسها اعجاز القرآن، فجاء نقده عربي النشأة، عربي العناصر، عربي الهدف، وإذا كان قد تأثر بأرسطو بعض التأثر فإن تأثره لم تطغ فيه المحاكاة على الابداع، ولا التقليد على التجديد، بل غلبت فيه المفارقة الموافقة، فكان الجرجاني ينتبذ من آراء أرسطو أكثر مما يقبل، وربما كان حازم القرطاجني أقرب إلى التأثر بأرسطو من سواه، غير ان تأثره لا ينفي الأصالة عنه، ولا عن غيره من نقادنا القدماء، كما ينفيها عن الحداثيين المتأثرين بالغربيين العصريين، إذ تجاوزوا في تأثرهم الاهتداء إلى الاحتذاء، واستلهام بعض الأشياء إلى نقل النظريات نقلاً كاملاً بسماتها وقسماتها ومصطلحاتها. ولما كان حازم القرطاجني من أشد النقاد العرب تأثراً بنقد أرسطو فقد تخيّرناه من بين النقاد القدماء لنقرنه بأرسطو، لعلنا نقف على الفرق بين النقد اليوناني والنقد العربي في مسألة المحاكاة والابداع والتخييل، ولعلنا كذلك نحدد على ضوء ما تفضي إليه المقارنة رأينا في الركن الأول من أركان النظرية الأدبية العربية. المحاكاة عند أرسطو تعني أن يحاكي البطل في المأساة الواقع الشريف، وأن يزيده شرفاً، وان يحاكي البطل في الملهاة الواقع الخسيس وأن يزيده خسة، ليكون بهذه المحاكاة أقدر على تمثيل الفضائل والرذائل واعمق تأثيراً في النفوس، أي: ان المحاكاة تقدم الواقع في اطار فني، يجعله أعلى أو أدنى مما هو عليه، ولهذا يضاعف متعة القارئ والمشاهد. ولما كان الشعر العربي القديم غنائياً خالصاً، لا مسرحيات فيه ولا ملاحم فإن العرب الذين ترجموا أرسطوا نقلوا ما وجدوا عنده من محاكاة إلى الشعر الذي عرفوه وألفوه، نقلوا المحاكاة في باب المأساة إلى الرثاء، وفي باب الملهاة إلى الهجاء، والتمسوا عند الشاعر المبالغة في اطراء المرثي، والغلو في الازراء بالمهجو، حتى يكون الشعر أقدر على امتاع السامع بالتخييل الفني المبدع من تصوير الواقع الملموس. أما حازم القرطاجني فالتخييل الجيد عنده هو التخييل الذي يحمل المتلقي على الانفعال بما يتلقى لا الذي يحمله على البحث عما في النص من صحة وخطأ، وصدق وكذب، وواقع ومحال، حينئذ يوغل المتلقي في الانفعال، فينقبض أو ينبسط ويُساء أو يسر، ان الأدب الجيد عنده لا يُعنى بالحقائق والأباطيل ولا يهتم بالتصديق والتكذيب، بل يهتم بالابداع والامتاع، انه ما أمتع لا ما أقنع، وما سحر وبهر لا ما وقع ونفع، وبتعبير آخر نقول: لم يكن حازم القرطاجني يشترط ارتباط التجربة الشعرية بالواقع المعيش، بل بالقدرة على التخييل، وإلى مثل هذا الموقف ذهب (إليوت) بعد سبعة قرون حينما شبه الابداع الشعري بتفاعل كيميائي بين مجموعة من العناصر، ينجم عنها مركب جديد. وهذا الموقف القديم والمتقدم الذي وقفه حازم القرطاجني من المحاكاة والابداع والتخييل لو أتيح له من يطوره ويضيف إليه لاستطاع العقل العربي الخصب ان يصنع منه ومن الأركان الأخرى التي سنضعها بين يديك نظرية نقدية أدبية، تغنينا عن الاتكاء على عكاكيز الغرباء. ومن هذه الأركان الابداع باللغة، وهو ما عُني به البنيويون الغربيون في العصر الحاضر، وفتن به أتباعهم من أهل الحداثة، ناسين أو متناسين أن نقادنا كانوا قد تمرسوا به قبل ألف سنة بوجهيه النظري والتطبيقي في وقت واحد، وحسبنا ههنا ان نشير إلى ثلاثة أبيات، تشابهت معانيها وصورها، وتميز بعضها من بعض بالصياغة اللغوية، وهي قول بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وقول أبي الطيب المتنبي: يزور الأعادي في سماء عجاجة أسننه في جانبيها الكواكب وقول عمرو بن كلثوم تبني سنابكُها من فوق أرؤسهم سقفاً كواكبه البيضُ المباتيرُ قال عبدالقاهر الجرجاني في تحليل هذه الأبيات: «كل واحد منهم يشبه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلا انك تجد لبيت بشار من الفضل، ومن كرم الموقع، ولطف التأثير في النفس مالا يقل مقداره، ولا يمكن انكاره، وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره، وهو ان جعل الكواكب تتهاوى فأتم التشبيه، وعبر عن هيئة السيوف، وهي تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، ثم ان أشكال السيوف مستطيلة، فقد نظم هذه الدقائق كلها في نفسه، ثم أحضرك صورها بلفظة واحدة، ونبه عليها أحسن تنبيه وأكمله بكلمة واحدة، وهي قوله (تهاوى)، لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركاتها، وكان لها في تهاويها تواقع وتداخل، ثم انها بالتهاوي تستطيل أشكالها...». هذا بعض ما قاله الجرجاني في تحليل الأبيات الثلاثة، وفي ابرازه ما تفرد به بيت بشار، ولو مضيت مع التحليل إلى غايته لقلت: هذا هو الركن الثاني للنظرية الأدبية، وهو الابداع باللغة، ثم أدخلت في اطاره ما ينفحك به الجرجاني، وغيره من تعدد الدلالات وتجسيد المعقول بالمحسوس، ومراوغة المدلول للدال، وتمييز الاستعارة الفنية من الاستعارة المبتذلة، وما توحي به أصناف المجاز من المعاني، وما اصطلح الغربيون المحدثون على تسميته معنى المعنى. وعند معنى المعنى يحسن بنا ان نقف وقفة متأمل متأنية، فقد قتل نقادنا الأقدمون هذه المسألة بحثاً قبل ان يقع عليها المحدثون الغربيون، إذ تحدثوا عن تفرع المعنى الأول أو عن انطوائه على معان متعددة، سموها (المعاني الثواني)، فاستحقوا بذلك ان يفوزوا بقصب السبق الذي يدعي شرفه أصحاب التلقي والتفكيك، كما أشاروا إلى دور المتلقي في استنباط المعاني الثواني من المعاني الأوائل. ان المعاني الثواني ليست من صنع الأدباء والمنشئين وحدهم، بل هي من صنعهم وصنع الذين يتلقون نصوصهم بالتذوق، فيرسلون فيها بصائرهم، ويغوصون فيها على ما خطر لأصحاب النصوص، وعلى ما لم يخطر لهم، ثم يستخرجون منها نفائسها، ويجلون عرائسها، فالمعاني الثواني على هذا النحو من المشاركة تحتاج إلى عمليات عقلية خاصة، تتخطى ما تواضع عليه أهل كل لغة من دلالات الكلمات التي يعبرون بها عن أغراضهم إلى استنباط متلاحق متعاقب، تستولد به المعاني الثواني، كاستنباط الكرم من كثرة الرماد، بعد تأويل متعدد المراحل، فكثرة الرماد دليل على كثرة الطبخ، وكثرة الطبخ تستلزم كثرة الأكلة، وكثرة الأكلة تعني كثرة الضيوف، والكثرة الأخيرة دليل على الكرم. فإذا أضفت إلى ذلك كله ما أشار إليه البلاغيون من الايحاء الذي تشع دلالاته من ضروب المجاز المرسل والعقلي والاستعارات والكنايات وصلت إلى ما تتغنى به المفاهيم الحديثة، وأدركت ان الابداع باللغة ـ وهو الركن الثاني من أركان النظرية الأدبية ـ لم يكن غائماً في أذهان القدماء، ولا غائباً عن الساحة النقدية، بل كان راسخاً شامخاً قبل ان يطلع به علينا أهل البنيوية والتفكيك وأتباعهم من أهل الهدم والتشكيك في موقفهم من تراثنا الأدبي النقدي، وتحويلهم هذا الموقف إلى نظريات نقدية، يزعمون أنها جديدة كل الجدة، وما الجديد فيها غير المصطلحات المفتريات، والأسماء المترجمة لا المخترعات التي نقلت إلينا قبل ان تتضح دلالاتها في الذهن الغربي نفسه. بقيت من أركان النظرية الأدبية العربية أركان أخرى، وسيُجمل لك المحك النقدي في خاطرة أخرى، فصل القول فيه الدكتور عبدالعزيز حمودة في مراياه المقعرة، وهذه الأركان هي: الصدق والكذب، والتناصّ (السرقات الأدبية) والموهبة والتقاليد، والشكل والمضمون، فكُنْ مع المحك، والمرايا على موعد لتشهد معهما كيف تقوم النظرية الأدبية النقدية العربية على أركانها كما قامت من قبل النظرية اللغوية العربية على أركانها.