مع شروق شمس الاثنين الماضي لاحظ الناس في امارة دبي غياب منظر يومي ألفوه طوال السنوات الماضية، وهو بائع الصحف المتجول بين السيارات عند اشارات المرور والتقاطعات الرئيسية في المدينة، وذلك تطبيقاً والتزاماً بالقرار الذي أصدرته بلدية دبي. الذي لا نختلف عليه جميعاً ان هذا القرار حضاري بالفعل، وفيه قدر كبير من المحافظة على المظهر العام للمدينة، وفي الوقت نفسه المحافظة على أرواح هؤلاء الباعة الذين «يترزقون» من بيع الصحف بشكل خطر بين السيارات، وذهب عدد منهم ضحية فعلية نتيجة لذلك.. كما ان مظهرهم والحاحهم في بيع الصحف لأصحاب السيارات بطريقة تقترب كثيراً من «الشحاتة» وتبتعد عن البيع، يسبب حرجاً كبيراً للناس والموظفين المتجهين الى أعمالهم. طبعاً لا يمكن توجيه اللوم للمؤسسات الصحفية الموجودة، فالوضع السابق وجد ليتناسب مع عقلية القاريء العربي بشكل عام الذي لا يفضل الاشتراك في صحيفة واحدة لعدة اسباب اهمها انه لا يريد دفع مبلغ ضخم دفعة واحدة من وجهة نظره، ويفضل دفع درهمين يومياً مع ان الاشتراك يوفر عليه المبلغ اليومي لو قام بجمعه طوال العام!! والأهم من ذلك ان هذا الوضع جاء نتيجة انتقال اعداد كبيرة من الاخوة العرب الى العمل بالدولة جالبين معهم بعض الثقافات والعادات، وعادة شراء الجريدة عند الاشارات احدى العادات التي استوردناها من الدول العربية لذا فان المؤسسات الصحفية لا ضير عليها من مخاطبة الشريحة التي تتعامل معها بالطريقة التي تناسبها، وهنا يجب ان نقف عند خطأ من يقارن بين مدينة عربية وبعض المدن الاوروبية الكبرى التي لا توجد بها ظاهرة بيع الصحف، فالموضوع لا يتعلق بحضارة وتخلف، انما الموضوع مرتبط بثقافات وفكر وعقليات مختلفة، فالاوروبي يتجه لمصلحته اولا التي تكمن في الاشتراك والتوفير، اما العربي فهو غارق في أقساطه الشهرية، وبالتالي يفضل دفع مبلغ بسيط بشكل يومي على دفع مبلغ أقل دفعة واحدة حتى لو كان سنوياً!! باعة الصحف عند التقاطعات والاشارات ظاهرة مؤذية للعين حسب تعبير البعض.. لا خلاف على ذلك، ومنعهم من البيع قرار صحيح لا خلاف عليه ايضا ولكن يجب ان تكون هذه الخطوة اولى الخطوات نحو تصحيح الكثير من الامور المؤذية للعين وغير الحضارية.. اهمها ظاهرة الباعة المتجولين الذين بدأوا يتكاثرون بشكل كبير في الآونة الأخيرة بأساليب مختلفة وأشكال متعددة.. تجدهم عند التقاطعات وفي محطات البترول، وفي الشوارع السياحية المهمة وفي الأحياء السكنية.. أحدهم يمسك «متوة» صغيرة في يده وآخر «غرشة عسل» وثالث يبيع «دوربين ليلي» والبعض أخذ يبسط عند الشوارع الرئيسية لبيع «الخضار والطماطم والخيار» وفي وسط الأحياء السكنية.. اما الصينيات فحدث ولا حرج عن انتشارهن ببضائع رخيصة تافهة في شوارع مهمة مليئة بالسياح مثل شارعي الرقة والضيافة وفي أهم المراكز التجارية.. وأذكر تماما في احدى المرات جاءني آسيوي عند الاشارة يحمل في يده زجاجة مليئة بالعسل ـ على حد زعمه ـ ومن باب الفضول سألته: بكم تبيعها؟ قال: مئتي درهم فقلت له ممازحاً: لا يوجد لدي في المحفظة سوى عشرة دراهم.. والمفاجأة انه صمت قليلا يفكر ببطء ثم قال: تفضل خذها بعشرة!! ظاهرة اخرى تؤرق المجتمع منذ فترة طويلة ولاشك انها ستبرز بشكل واضح مع أفول شهر شعبان وقدوم رمضان.. ظاهرة قديمة متجددة لم تستطع البلدية ولا الشرطة ولا الجنسية والاقامة ولا وزارة العمل ايجاد حل لها وهي انتشار المتسولين من مختلف الاجناس والأشكال في جميع مساجد الدولة والمراكز التجارية والشوارع التجارية المهمة.. أما اساليبهم فإنها بحاجة الى كتاب ضخم، ممكن ان اتبرع لمن يعتزم ان يكتبه بعنوان فقط وهو: «فن التحول الى تاجر متسول»!! اذن الظواهر السلبية كثيرة والمطلوب خطوات مستقبلية جادة للقضاء عليها، وليكن قرار منع باعة الصحف هو الانطلاقة نحو مستقبل افضل!.