للوهلة الأولى تبدو مثل أي قطعة صخرية قديمة قرنفلية اللون، ولكن اذا امعنت النظر فيها، فستجد انها تحتوي على نمط مؤلف من خطوط متوازية محفورة على سطحها. واذا ما أخبرك احدهم بأن العلامات الموجودة على هذه القطعة من الصخر الأحمر وضعها البشر قبل اكثر من 70.000 سنة، مما يجعلها اقدم عمل فني معروف في العالم، فان ذلك قد يؤثر في نفسك كثيرا. ولكن ماذا لو اخبروك بأنها احمر شفاه من العصر الحجري؟ عندئذ لابد انك ستعتقد انهم يخدعونك. في الواقع انهم جديون تماماً، فهذه التحفة الفنية وجدت في مغارة بلومبوس، الواقعة على ارتفاع 30 متراً فوق سطح البحر على ساحل جنوب افريقيا والمغارة مليئة بقطع مماثلة من هذا الخضاب. ولقد تم العثور على الكثير من القطع الأقدم غير المزينة في جميع أنحاء افريقيا، ويستخدم الباحثون هذا الاكتشاف لرسم صورة استثنائية لظهور الجنس البشري، واضعين مواد التجميل في صميم ذلك العنصر الغامض الذي يجعل الانسان مخلوقاً متميزاً. واذا ما أخذت بعين الاعتبار هذا الماكياج من العصر الحجري الى جانب دلائل المتحجرات والمكتشفات الاثرية للمساكن الدائمة ومساكن العيش الجماعي، فإنك ستبدأ برؤية المؤشرات الاولى على وجود مجتمع منظم يتواصل من خلال الاشارات الرمزية وحتى من خلال الطقوس. وهذا الامر يثير حماس الباحثين لانهم يعتقدون ان هذا قد يكون اقدم دليل يكتشف حتى الان على الثقافة الرمزية للانسان، بل انها قد تكشف لنا كيف بدأت الثقافة. لم يسبق لعلماء الانثربولوجيا ان اتفقوا تماماً على الأصول الخاصة بثقافتنا. فالأشياء التي عثر عليها الى جانب بقايا من أسلافنا توحي حتى الان بأنه كانت هناك ثورة ثقافية قبل حوالي 50.000 عام. كان ذلك عندما بدأ الانسان الاول الحديث بصناعة ادوات عظمية وحجرية معقدة على نحو متزايد وبنحت انماط فنية على الصخور وابداع فن تمثيلي وصل الى قمته في رسومات الكهوف الرائعة في لاسوكس بفرنسا ومواقع اخرى. ولكن الصخور الحمراء في مغارة بلومبوس تعيد اصول ثقافتنا الى الوراء تاريخياً لشكل ابعد مما توقع الباحثون وتقودهم الى الاشارة الى أن الثقافة الانسانية لها تاريخ اكثر اثارة للاهتمام مما كان يظن الجميع. ولفهم المرحلة التي دخلت فيها مواد التجميل الى هذه القصة، علينا ان نعود الى الوراء قليلا. فالتطور الثقافي مرتبط بشكل معقد بتطور المجتمعات. وعلماء الانثربولوجيا يشيرون الى أننا نحن البشر لدينا تركيبة اجتماعية فريدة من نوعها. فنحن الوحيدون من الرئيسيات الذين يشكل الذكور والاناث لديهم علاقات طويلة الاجل في اطار تجمعات اجتماعية كبيرة، حيث يتعاون الجنسان من أجل رعاية الأطفال، واذا استطعنا فقط ان نعي كيفية حدوث هذا التعاون، فان ذلك قد يوفر رؤوس اقلام لتطورنا الثقافي. ليزلي اييللو، استاذة الانثربولوجيا الحيوية في يونيفيرسيتي كوليج بلندن، تشير الى ان الحاجة للتعاون كانت مدفوعة، من خلال ادمغتنا المتوسعة. وخلال سنوات التطور الانساني البالغة 6 ملايين سنة، تضاعف حجم الدماغ ثلاث مرات. وتشير اييللو الى ان ذلك كان سيجعل وجود نظام غذائي اكثر غنى بالطاقة امراً ضرورياً. ولابد ان طفلاً يحمل دماغاً اكبر حجماً يستغرق سنوات عديدة كي يصل سن البلوغ ولابد ان اجدادنا اضطروا تدريجياً الى تبني استراتيجيات جديدة لايجاد الطعام وبخاصة اللحم. وحتى مع وجود تغيير في النظام الغذائي، فان الاناث لابد وأنهن قد استفدن من مساعدة الذكور في البحث عن الغذاء. وتعتقد كاثرين كي، وهي طالبة من طلاب اييللو، استخدمت النماذج الحاسوبية لاكتشاف ما يدفع الذكور الى المساعدة، ان مساعدة الرجال للنساء في تربية النسل، من خلال تأمين القوت اليومي، خضعت لشرطين اساسيين هما نفقات التناسل لدى الاناث وقدرة الاناث على معاقبة الذكور غير المتعاونين. وفيما يخص الشرط الثاني، فان الاناث كن يتبعن استراتيجية تعاون تقوم على الحرمان الجنسي للذكور، اذا لم يخرجوا للصيد. وفي بعض الأحيان كانت تعتمد على الخداع، حيث تلجأ الاناث الى ايهام الذكور بأنهن غير مستعدات للتزاوج وذلك من خلال استخدام دماء الحيوانات في الاشارة الى وجود الدورة الشهرية. وكانت هذه الاساليب تنجح في دفع الرجال الى الخروج للصيد. وقد يكون هذا هو الأساس لاستخدام الصبغ الاحمر كرمز ثقافي يوصل رسالة يفهمها الذكور جيداً. وقد أثبتت كاميلا باور من يونيفيرسيتي كوليج لندن ان بعض الطقوس الخاصة ببلوغ الفتاة المتبعة في بعض القبائل الافريقية تحمل تشابها كبيرا مع تلك الرموز الثقافية التي كانت مفهومة لدى اسلافنا القدامى. ويقول ايان واتس من الجامعة نفسها، وهو احد اعضاء الفريق الذي قام بدراسة مغارة بلومبوس ان هناك المزيد من الأدلة في سجل الاكتشافات الاثرية. وتكشف دراسته لـ 74 موقعاً في جنوبي افريقيا تعود الى ما قبل 20.000 سنة عن تفجر في استخدام الصخر الأحمر والأصباغ الحمراء الأخرى بين حوالي 100.000 و120.000 سنة مضت. ويقول أيضا ان اكتشافات جديدة في زامبيا واعادة تأريخ موقع «كهف بوردر» المهم في جنوب افريقيا تدفع تاريخ الاستخدام الاول الى الوراء، وربما الى ما قبل 170.000 سنة في زامبيا. هل من العبث القول ان مواد التجميل تعتبر جذور الثفافة الانسانية؟ تجيب باور عن هذا السؤال بالنفي، وتشير الى ان كلمة مواد تجميل في الانجليزية جاءت من كلمة يونانية تعني «نظام». وتقول بهذا الخصوص: «في الثقافات التقليدية، لا تعتبر مواد التجميل مجرد أناقة متكلفة او تبهرج» فهي تحدد من ينتمي لمجموعة معينة، ومن يستطيع لمسه من الاشخاص ومن يتزاوج مع من. ومن هنا، فان احمر الشفاه قد لا يكون مجرد مفتاح للثقافة وانما قد يكون أيضا مفتاحاً اساسياً لأصل الجنس البشري. ضرار عمير

