كتب ميللر تقديماً لهذه القصة، نورده فيما يلي: أتذكر كتابة هذه القصة كأنشودة، لا الحر ولا الذباب ولا المقاطعات المستمرة أمكنها ان تحطم مزاجي، ودون شك فإن هذا التذييل كان رد فعل احتجاجي على كتب الأطفال البغيضة، واسطواناتهم، تلك التي كان على احتمالها في ذلك الوقت، لا أدري كم استمعت مئات المرات إلى أسطونات احمقاء صنعها بلهاء لامتاع الأطفال، كذلك الكتب الشنيعة التي قرأتها بصوت عال لأطفالي، ويائساً كان لابد ان آخذ طفلتي للغابة، واجعلها تعد لي افطاراً يوثق به، أعلمها انشودة، اخترع لها حكاية، أي شيء عدا الاستماع لتلك التسجيلات المنسوبة لأولئك الحمير، لو عرف القارئ عما أتكلم فربما يأخذ لمحة ويخترع هو روايته الخاصة لطفل بأعوامه الخمسة، لن يفعل شيئا أسوأ من هذه الرفسات التي نؤديها. كل شيء كان يتواصل بنعومة، أحس أني بالبيت مع الصغار، ولقد ظلوا يذكرونني بوعدي أن أحكي لهم حكاية الدببة الثلاثة. قال مجريجور «أنت جاهز لها يا هنري». الحق ان أحكي، لكن ليس لدي أدنى رغبة الآن في كر حكاية وقت النوم، وقد مددت في الوجبة أطول من الممكن. أنا سكران قليلاً، ولا يمكن ان أتذكر كيف تبدأ الحكاية اللعينة. يقول تركس فجأة: لابد تحكيها الآن، هناك وقت طويل قبل نومتهم. طيب! تأوهت «هات لي فنجانا آخر من القهوة السادة وسأبدأ». يقول الولد «سوف أبدأها لك». يقول تركس «انت لا تدري شيئاً عن هذه النوعية! وهنري عازم على حكاية القصة هذه ـ من البداية للنهاية، أريدك ان تنصت بعناية، واسكت الآن!». ابتلعت قليلاً من القهوة السادة، اختنقت بها، بقبقت وتمتمت. «كان هناك دب أسود كبير». «لا تبدأ هكذا» ارتأت البنت الصغيرة. «حسن، كيف تبدأ إذن؟» «كان يا ما كان». «طبعاً طبعاً.. كيف نسيت؟ طيب، هل تنصتون؟ ها هي.. كان يا ما كان هناك ثلاثة دببة ـ دب قطبي، دب رصاصي، دب بلون التبن». (ضحك وسخرية من الولدين). «الدب القطبي له جلد من فراء أبيض طويل ـ ليجعله مستدفئا، بالطبع، والدب الرصاصي». صاحت البنت الصغيرة «ليس بهذه الطريقة تستمر، يا مومي!. قال الولد: «انه يخترعها». صرخ تركس «هدوءًا، كلاكما!». قال مجريجور «اسمع يا هنري، لاتدعهما يزعجانك، خذ وقتك، وتذكر، افعل هذا بسهولة، خذ هنا قطرة أخرى من الكونياك تشعل بها حنكك». أشعلت سيجاراً سميناً، وأخذت رشفة أخرى من الكونياك، محاولاً أن أستعيد لنفسي عادته، خطر ببالي فجأة ان هناك طريقة وحيدة فحسب لحكايتها وهي سريعة كالبرق، لو توقفت للتفكير لابد أغرق. قلت: «يا ناس، اسمعوا، سأبدها كلها مرة أخرى، لا مقاطعات أبداً، هه؟» غمزت للبنت الصغيرة، ورميت للولد عظمة لا يزال عليها قليل من اللحم. قال مجريجور «بالنسبة لرجل له مثل خيالك فإنك بالتأكيد ستمضي وقتاً عصيباً، لابد انها حكاية بمئة دولار، مع التمهيدات التي ستعبرها كلها، هل أنت متأكد انك في غير حاجة الى اسبرين؟» رددت باستحواذ كامل على كل قدراتي سأجعلها حكايبة بألف دولار، لكن لا تقاطعني». زعق مجريجور «هيا هيا، كف عن الخداع! كان يا مكان ـ هذه طريقة بدايتها، طيب.. كان يا ما كان.. ييه، ها هي، كان يا مكان هناك ثلاثة دببة: دب قطبي، دب رصاصي، ودب بلون التبن». قال الولد: لقد حكيت ذلك من قبل. اهدأ يا أنت! صرخ تركس. كان الدب القطبي أعزل تماماً، بفراء أبيض طويل قد يصل إلى الأرض، وكان الدب الرصاصي خشناً كشريحة اللحم، ولديه دهون كثيرة ما بين أصابع قدميه، أما دب التبن فكان متوائما، لا سمينا بالمرة ولا أعجف تماماً، لا خشنا أو رقيقاً لا حران ولا بردان. ضحكات من الولدين مكبوتة. «لم يكن الدب القطبي يأكل غير الثلج، ثلج بارد ثلج، طازج من منزل الثلج، وكان الدب الرصاصي ينمو على الخرشوف، لأن الخرشوف ممتلئ، بغلاف خشن وأشواك». صاحت البنت الصغيرة «ما فائدة الغلاف الخشن، يا مومي؟» قال تركس «هش» «وبالنسبة لدب التبن، لماذا كان يشرب فقط الحليب المقشود، لقد كان كبيراً، كما ترون، وبغير حاجة للفيتامينات، وذات يوم خرج الدب الرصاصي ليجمع خشباً للنار، لم يكن لديه غير جلده كدب والذباب قاده للجنون، لذا بدأ يجري ويجري، توغل في الغابة، وبعد برهة جلس جنب جدول ثم راح في النوم». قال الولد: «أنا لا تعجبني الطريقة التي يحكي بها، انه مشوش تماماً» «ان لم تسكت سأضعك بالفراش!» «فجأة دخلت جولديلوكس الصغيرة إلى الغابة معها سلة غذاء تمتلئ بكل الأصناف الجيدة، من بينها زجاجة الصلصة بالعلامة الزرقاء، كانت تفتش عن منزل صغير بنواصي خضراء، سمعت غطيطاً فجأة من واحد، وما بين الغطيط صوت طنين كبير صارخ: «حلو الجوز لي! حلوى الجوز لي! نظرت جولديلوكس أولاً إلى اليمين ومن ثم إلى اليسار، لم تر أحداً، لهذا أخرجت بوصلتها، توجهت للغرب مباشرة، وتبعت أنفها في حوالي الساعة أو ربما كانت ساعة وربعاً، وصلت لأرض بلا شجر في الغابة، وكان هناك منزل صغير بنواصي زيتونية سمراء، «نواصي خضراء!» صاح الولد. «نواصي خضراء صحيح!، وبعدها ماذا تظنون قد حدث؟ جاء أسد كبير ضخم خارجاً باندفاع من الغابة، تبعه رجل قدم بقوس وسهم، كان الأسد خجولاً ولعوبا، وماذا فعل غير القفز على السطح ولف نفسه حول المدخنة، بدأ رجل قزم بكاب غبي الزحف على أربع، حتى وصل إلى المدخل، عندما نهض راقصاً بخفة سعيداً وجرى إلى الداخل». «أنا لا أصدق ذلك» قالت البنت الصغيرة «ليس بصحيح». قلت: «بلى كذلك، وان لم تنتبهي سألكم أذنيك» ثم أخذت هنا نفسا عميقاً متعجباً، ماذا بعد ذلك، انتهى السيجار، والكاس فرغت فصممت أن أتعجل. من هنا تسرع الحكاية» قلت وأنا أوجز السرد. قال الولد: «لا تتعجل كثيراً، لا أريد ان يفوتني شيء». «طيب.. ثم الآن، بالداخل، وجدت جولديلوكس كل شيء في نظام: فطيرة التفاح، الأطباق كلها مغسولة، ومكومة، الملابس مرفوة، والصور بأطرها نظيفة، على المائدة، هناك أطلس وقاموس مفسر، في مجلدين، وكان شخص يحرك قطع الشطرنج دائرياً في غياب دب التبن سيئ جدا، كان لابد ان يميت الشاه بثماني نقلات أخر، وكانت جولديلوكس نوعا، مفتونة للغاية بكل اللعب والأدوات، خصوصاً فتاحة العلب الجديدة، لدرجة انه صعب عليها ان تقلق بخصوص مسائل الشطرنج، كانت طوال الصباح تحل حساب المثلثات وعقلها الضئيل مرهق من حل المناورات بالشطرنج، وذلك النوع من الأشياء . تموت لرن جرس البقرة المعلق فوق بالوعة المطبخ، وكي تصل إليه لابد من استعمال كراسي المرآه، الأول منخفض تمامًا، الثاني كان عاليا، لكن الكرسي الثالث مناسب للغاية، رنت الجرس عالياً حتى سقطت الأطباق من على حواملها، ارتعبت جولديلوكس في البداية، لكن بعد ذلك ظنت انه مسل، لذا رنت الجرس مرة أخرى، فك الأسد هذه المرة نفسه وانزلق على السطح، وتلولب ذيله إلى أربعين عقدة، ظنت جولديلوكس ان هذا مسل أكثر، ولذا رنت الجرس مرة ثالثة، جاء الرجل القزم بكابه الغبي يجري خارجاً من غرفة النوم، بجعبة سهام كاملة، ودون أية كلمة بدأ الشقلبة، تقلب وارتمى تماماً مثل عجلة كارو قديمة، وبعدها اختفى في الغابة. قال مجريجور «امل ألا تفقد الخيط»؟ صاح تركس «لا تقاطع»! «مومى أريد الذهاب إلى الفراش» قالت البنت الصغيرة رد الولد «هدوءا اني مهتم بالأمر». والآن استمررت ملتقطاً أنفاسي «بدأت الدنيا ترعد وتبرق، نزل المطر في الدلاء، ارتعبت جولديلوكس الصغيرة حقاً، سقطت رأسا على عقب من كرسي المرآة، دارت ركبتها والتوى معصمها، أرادت الاستخفاء بأي مكان حتى ينتهي كل ذلك، لا شيء أسهل، جاء صوت واهن ضعيف «من ركن بعيد بالحجرة، حيث يرتكن النسر المجنح» مع ذلك انفتح باب الحمام من تلقاء نفسه، فكرت جولديلوكس سأجري للداخل هناك، وقامت باندفاعة للحمام، حدث ساعتها ان كان بالحمام زجاجات وبرطمانات أكداس وأكداس ومن الزجاجات أكداس وأكداس من البرطامانات، فتحت جولديلوكس زجاجة صغيرة جداً وعالجت ركبتها بدواء الرضوض، ثم توصلت لزجاجة أخرى، وما تتصورون بها؟ مرهم سلون! قالت« اللطيف الرؤوف! ولمطابقة الكلمة بالفعل، نشرت المرهم على رسغها، ثم وجدت قليلاً من اليود، وبعدما شربته مباشرة، بدأت الغناء، كان لحناً قصيراً سعيداً عن فرير جاكي، غنت بالفرنسية لأن أمها لم تعلمها الغناء بأي لغة أخرى، بعد البيت السابع والعشرين ملت وقررت ان تستكشف الحمام، الغريب في هذا الحمام انه أكبر من المنزل نفسه، هناك سبع حجرات بالطابق الأرضي، وخمس بأعلاه تواليت وحمام في كل حجرة، ناهيك عن المدفأة وعموم الزجاج المزين بالزهر المطبوع، نسيت جلديلوكس كل شيء عن الرعد والبرق والمطر والبرد، والحلزونات والضفادع، ونسيت كل شيء عن الأسد والرجل القزم بقوسه والسهام والذي كان اسمه بالمصادفة بينوكيو، كل ما استطاعت التفكير فيه هو كم الروعة في ان تحيا بحمام مثل هذا. قالت البنت الصغيرة: «هل ستحكي عن سندريلا». رد الولد بحدة «ليس كذلك! بل عن الأقزام السبعة». «هدوءاً، كلاكما!» قال مجريجور «استمر يا هنري، لدي فضول أن أرى كيف ستخرج من هذا المأزق». «تجولت جولديلوكس من حجرة لأخرى، لم تحلم أبداً ان الدببة الثلاثة قد عادت وهي جالسة للعشاء، في فجوة بطابق الاستقبال، وجدت مكتبة مليئة بكتب غريبة، كلها عن الجنس وقيام الموتى عند البعث». سأل الولد: «ما الجنس؟» قالت البنت الصغيرة «ليس لك». «جلست جولديلوكس وبدأت القراءة في صخب من كتاب كبير للغاية، الكتاب لويلهلم ريتش، مؤلف «الزهرة الذهبية» أو «لغز الهرمونات» كان الكتاب ثقيلاً فصعب عليها ان تحتجزه بحجرها، لذا وضعته على الأرضية ثم ركعت بجواره. كل صفحة موضحة بألوان بهية. ورغم ان جولديلوكس كانت معتادة على الطبعات النادرة والمحدودة، الا انها اعترفت لنفسها لم تر مثل هذه الصور التوضيحية الرائعة من قبل. بعضها كان لرجل اسمه بيكاسو، والبعض لماتيس، والبعض لجيرالنديو، لكن كلها ودون استثناء كانت رائعة وتبهر من يشاهد. صاح الولد الصغير تلك كلمة مضحكة ـ يشاهد! قلتها! استرخ اذن للوراء لحظة، هل تفعل؟ الان ستكون الحكاية مثيرة حقاً.. كما اقول، كانت جولديلوكس تقرأ في صخب لنفسها. قرأت عن المخلص وكيف مات على الصليب ـ من اجلنا ـ كي يمحو خطايانا. جولديلوكس مجرد بنت صغيرة، على اية حال، لهذا لم تعرف معنى الخطية. ارادت بشدة لو انها تدري. ثم قرأت وقرأت حتى توجعت عيناها، ولم تكتشف ابدا ماذا تعني الخطية بالضبط. قالت لنفسها سوف اجري للطابق الاسفل، وارى ماذا تعنيه بالقاموس. انه قاموس مفسر، ولابد ان به كلمة خطية. في ذلك الوقت برئت ركبتها، ورسغها ايضاً، والكلمة سيارة جميلة. وثبت نازلة على السلالم مثل معزى بسبعة ايام، وحينما وصلت لباب الحمام، الذي مازال مفتوحاً جزئياً، قامت بشقلبة مزدوجة، مثلما فعل تماماً تابعها الصغير بكابه الغبي. صاح الولد «بينوكيو!» وماذا حدث تظنون بعدها؟ لقد هبطت في حجر الدب الرصاصي! انفجر الولدان في مرح. دمدم الدب الرصاصي الكبير وهو يتلمظ بشفتيه المطاطتين لا شيء افضل من ان التهمك!. وقال الدب القطبي الذي كان مبيضاً كله من المطر والبرد انها بالحجم المطلوب بالضبط!، ثم قذفها لأعلى نحو السقف. «هي لي!» صاح دب التبن، معانقا اياها بحضن شرخ ضلوع جولديلوكس الصغيرة. انهمك الدببة الثلاثة على الفور، عروا جولديلوكس الصغيرة ثم وضعوها على طبق كبير، مستعدين لنحتها. وبينما جولديلوكس ترجف وتنشج، كان الدب الرصاصي الكبير يسن بلطته على حجر الشحذ، كما استل الدب القطبي سكين صيده، التي كان يحملها في جراب جلدي متصل بحزامه. اما دب التبن، فقد كان يصفق بيديه فقط وهو يرقص طرباً. صرخ «مناسبة تماما؟». مناسبة، قلبوها مرة ومرة، ليروا اي جزء يسهل مضغه اولاً. بدأت جولديلوكس الصراخ عالياً مفزوعة. امرها الدب القطبي اهدئي، والا فلن تجدي ما تأكلينه. ترجته جولديلوكس سيدي الدب القطبي، رجاء، لا تأكلني! هدر الدب الرصاصي اغلقي فمك! سوف نأكل نحن اولاً، وستأكلين فيما بعد صاحت جولديلوكس لكني لا اريد ان آكل والدمع انهار نازلة على وجهها. لن تأكلي صرخ دب التبن عالياً، ثم اختطف رجلها ليضعها في فمه. آه، آه! صرخت جولديلوكس عالياً لا تأكلني بعد، ارجوك. اني لست مطهية. الولدان في هستيريا. قال الدب الرصاصي «الان تتكلمين بادراك» بالصدفة، كان للدب الرصاصي عقدة ابوية مستحكمة،. فهو لا يحب لحم البنات الصغيرات ان لم يكن مجهزاً تماماً. وبالنسبة لجولديلوكس الصغيرة، من حسن حظها، في الواقع، ان كانت للدب الرصاصي هذه الخصلة عن البنات الصغيرات، لان جوع الدبين الاخرين كان ضارياً، وبالاضافة لذلك، فليس لديهما اي نوع من العقد ايا كانت. عموماً، وبينما الدب الرصاصي يقلب النار مضيفاً جذوعاً اكثر، ركعت جولديلوكس في الطبق الكبير وهي تتلو صلواتها. بدت الان اكثر جمالاً عما سبق، ولو كانت الدببة بشراً، فلن تأكلها حية، لسوف يوقفونها بوجه مريم العذراء. لكن الدب دائماً هو الدب، وهؤلاء ليسوا استثناء للقاعدة. وحين شعت السنة اللهب بالحرارة المطلوبة، اخذ الدببة الثلاثة يقذفون جولديلوكس الى الجذوع المحترقة. شويت في خمس دقائق كالهشيم، بالشعر وكلها. ثم وضعوا ظهرها على الطبق الكبير وهم يحفرونها الى هبر كبيرة. هبرة كبيرة جداً للدب الرصاصي، وهبرة متوسطة الحجم للدب القطبي، اما دب التبن فقد نال شيئاً قليلاً جذاباً، شريحة صغيرة لطيفة من لحم الخاصرة. قطعة لي، لكن بطعم لذيذ. اكلوا كل قطعة منها ـ الاسنان، الشعر، اظافر القدمين، العظام والكلى. صار الطبق الكبير نظيفاً حتى ليمكنك ان ترى وجهك فيه. ليس هناك من نقطة مرق باقية. «والآن» قال الدب الرصاصي لسوف نرى ماذا جلبت معها في سلة الغداء تلك. اود لو انال قطعة من حلوى الجوز. فتحوا السلة، وبتأكيد كاف، وجدوا هناك ثلاث قطع من حلوى الجوز. القطعة الكبيرة كبيرة جداً، والقطعة المتوسطة تقريباً متوسطة، واما القطعة الصغيرة فكانت بالغة الصغر، وجبة خفيفة صغيرة للغاية. «يام يام!» تلهف دب التبن وهو يلحس قطعته. ودمدم الدب الرصاصي «يا حلوى الجوز! ماذا اقول لك؟» ثم حشا الدب القطبي فمه بكامله حتى انه نخر فحسب. حين اسقطوا اخر ما يملأ الفم، نظر الدب القطبي حوله مسروراً قدر ما امكنه، وهو يقول اليس رائعاً الان لو وجدنا زجاجة نبيذ بتلك السلة! وعلى الفور بدأ ثلاثتهم نبش السلة باحثين عن زجاجة النبيذ تلك اللذيذة. صاحت البنت الصغيرة هل عندنا اي نبيذ، يا مومي؟ هتف الولد انه ينهش بطريقة منعشة، تعاطيته مرة! «حسن، كانت في قاع السلة، ملفوفة بمنديل مائدة مرطب، وجدوا اخيراً زجاجة النبيذ. نوعها تريخت، هولندا، من سنة 1926. وعلى اية حال، فقد كانت بالنسبة للدببة الثلاثة مجرد زجاجة نبيذ. والدببة، كما تعرفون الان، لا تستخدم فتاحة زجاجات، ولهذا كانت عملية نزع الفلينة مشكلة. قال مجريجور لقد تهت قلت هذا ما تظنه. امسك عليك حصانك اذن رد ثانية حاول ان تنهيها قبل انتصاف الليل بسرعة اكثر مما تظن، لا تقلق. لو قاطعتني مرة اخرى، سافقد الخيط فعلاً ثم استأنفت «نعود الان لهذه الزجاجة، كانت زجاجة نبيذ غير عادية بالمرة. ولها خواص سحرية. حين تناول كل دب بدوره جرعة كبيرة طيبة، بدأت رؤوسهم تدور. وبعد، كلما شربوا اكثر، كان هناك المزيد لكي يشربوه. صاروا مشوشين اكثر واكثر، ترنحوا اكثر واكثر، عطاشى اكثر واكثر. في النهاية قال الدب القطبي: لسوف اشربها كلها لاخر نقطة، وامسك الزجاجة ما بين مخلبيه، صبها في حنجرته. شرب وشرب، ثم اتى اخيراً لآخر نقطة. كان راقداً على الارض، سكران مثل البابا، والزجاجة مقلوبة على عقبها، نصف رقبتها في حلقه، وكما اقول، ابتلع على التو اخر نقطة تماماً. لو انزل الزجاجة، فسوف تعيد ملء نفسها. لكنه لم يفعلها. ظل ممسكاً بها وهي مقلوبة على عقبها، ليجعل النقطة الاخيرة تخرج من تلك النقطة الاخيرة. بعدها حدث شيء معجز. فجأة، عادت جولديلوكس الصغيرة للحياة، ملابسها وكلها، بالضبط كما كانت دائماً. قامت ترقص بخفة على معدة الدب القطبي. وحينما بدأت غناءها، ارتعب الدببة الثلاثة حتى شحبوا فعلياً، الدب الرصاصي اولاً، ثم الدب القطبي، وبعده دب التبن. صفقت البنت الصغيرة بيديها وهي مبتهجة. «نأتي الآن لنهاية الحكاية. المطر توقف، والسماء مشرقة وصافية، والطيور تغرد، كما هو الحال دائماً. تذكرت جولديلوكس الصغيرة فجأة انها وعدت بالرجوع على العشاء. فجمعت سلتها، نظرت حولها لتتأكد من انها لم تنس شيئاً، ثم وثبت الى الباب. فكرت بغتة في جرس البقرة. قالت لنفسها سيكون مسلياً لو ارنه مرة اخرى. وتسلقت كرسي المرآة، المناسب لهذا، ورنت بكل قوتها. رنته مرة، مرتين، ثلاث مرات ـ وبعدها فرت مستعجلة قدر ما حملتها ساقاها الواهنتان. في الخارج، كان تابعها القزم بكابه الغبي ينتظرها. امرها «اسرعي، واركبي ظهري سوف نضاعف الزمن بهذه الطريقة». نطت عليه جولديلوكس، وبعيداً ركضا، واد يشيل وواد يحط، عبر المروج الذهبية، خلال الجداول المفضضة. بعدما ركضا بهذه الطريقة حوالي ثلاث ساعات، قال الرجل القزم: «ارهقني الوضع، سأنزلك» ثم وضعها هناك فوراً، لدى حافة الغابة. قال «تحملي الباقي، ولن تتوهي» انعطف مرة اخرى، ملغزاً تماماً كما جاء. «وهل هذه النهاية؟» هكذا ارتأى الولد، وشيء خيب ظنه. قلت «لا، ليس بالضبط. انصت الآن..» كانت جولديلوكس تفعل ما تؤمر، وتتحمل دائماً ما تبقى. وفي دقائق معدودات وقفت امام باب بيتها نفسه. قالت امها «لماذا، يا جولديلوكس؟ ما لعينيك صارتا كبيرتين!» قالت جولديلوكس «لا شيء افضل من ان التهمك!» صاح ابوها «لماذا، يا جولديلوكس؟ في اي جحيم وضعت زجاجة نبيذي؟» قالت جولديلوكس وهي تذعن «منحتها للدببة الثلاثة» «جولديلوكس، انت تكذبين علي» وهدد ابوها. ردت جولديلوكس «لا ابداً. حقيقي والله وتذكرت فجأة ما قرأته في ذلك الكتاب الضخم، عن الخطية ويسوع الذي جاء ليمحو كل الخطايا. قالت «ابي» وهي تركع امامه بتبجيل «اؤمن بأني ارتكبت خطية». قال ابوها «أسوأ من ذلك» وتناول السوط «ارتكبت السرقة». ودون اية كلمة اخرى، بدأ يجلدها ويخمشها. قال «لا تعنيني زيارتك الدببة الثلاثة في الغابة» بينما كان يثني سوطه «لا تعنيني كذبة صغيرة بعض الاحيان. لكن ما يعنيني الا انال قطرة صغيرة من النبيذ حينما يحتقن حلقي ويظمأ». وصار يجلدها ويخمشها حتى صارت جولديلوكس كتلة من اللكمات والكدمات. قال «والآن»، ثم بجلدة اضافية في النهاية لسوف امتعك. اني اقص عليك حكاية الدببة الثلاثة ـ او ما حدث لزجاجة نبيذي. وتلك، يا اطفالي الاعزاء، كانت النهاية. ـ كانت ولادة هنري ميللر عام 1891، في بوركفيل بمدينة نيويورك، من ابوين امريكيين. ويعتبر ميللر من كتاب العالم المصادرين، نظرا لدعوى الادب المكشوف التي التصقت به، خاصة بعد نشره ثلاثية «الصلب الوردي» بأجزائها الثلاثة (جنسيات ـ صغيرة العصب ـ السلسول). وفي خطاب لميللر الى محكمة اوسلو بالنرويج التي صادرت الجزء الاول من ثلاثيته هذه عام 1954، كتب يقول: «لا اتلمس منكم رجاء، كي تمتنعوا عن الحكم علي او على عملي. فلست انا او عملي بذي اهمية. واحد يأتي وآخر يروح. ما يعنيني هو الضرر الذي تلحقونه بأنفسكم لتخليد هذا الكلام عن الذنب والعقاب، عن الحجب والنفي، عن التمويه والمقاطعة، عن غلق عينيك عند اللزوم، عن شطب مسئولية الاخرين عند انسداد طريق الخروج. اني اسألكم عن قرب ـ هل متابعة دوركم المحدود سوف تمكنكم من الحصول على اقصى الحياة؟ عند حذفكم كتبي، اقول، هل تستسيغون طعامكم ونبيذكم بعد؟ هل ستنامون اعمق، تصبحون بشراً اكثر، ازواجاً افضل، آباء اعدل عما قبل؟ هذه هي الاشياء التي تهم ـ ما سوف يحدث لكم، لا ما سوف تلحقونه بي.. ان كتابي هذا مفعم بخصال الحياة. وقد اعيد اصدار كتبه بعد ذلك عشرات المرات، ومنها: «ربيع اسود، مدار الجدي، مدار السرطان، هاملت، عالم الجنس، العين الكونية، عملاق ماروسي، حكمة القلب، ماكس والملتهمون البيض، احد ما بعد الحرب، ليالي الضحك والحب، شيطان في الجنة، النوتة الحمراء، ميللر الحميم» وغيرها. توفي عام 1980 عن عمر يناهز التسعين.