فيلم «رابسودي امريكي» اول عمل سينمائي للكاتبة والمخرجة ايفاجاردوس، كان ضروريا ان يتم اختيار بطلة لتلعب دور الام مارجريت بعناية فائقة. من سيلعب دور هذه المرأة، التي عانت من الخوف، كونها ابعدت عن طفلها الصغير، عندما هربت العائلة من هنجاريا خلال الحرب الباردة، سوف تملأ جزءاً من والدة جاردوس الحقيقية في القصة الواقعية لها، والطفولة المأساوية التي عاشتها، مارجريت ليست بقديسه، حبها العنيف لابنها يقودها الى سلوك فظيع في محاولة منها لحمايته من العالم الخارجي. على كل حال من ستقوم بهذا الدور عليها ان تكون قادرة على تصوير عاطفة الامومة، ورد فعلها العنيف القريب من الجنون على روح تمرد المراهقة في داخلها على السواء. لم تجد جاردوس افضل من النجمة الكبيرة ناستازيا كينسكي لتقوم بدور مارجريت، ممثلة بحجمها فازت بالعديد من الجوائز وهي لاتزال في سن المراهقة منها الجائزة الالمانية التي حصدتها عن اول فيلم مثلته في حياتها الفنية بعنوان «الخطوة الخاطئة» للمخرج وفيلم ويندرس عام 1975 وذلك تقديرا لانجازها الفردي البارز، كما نالت جائزة جولدن جلوب كأفضل ممثلة شابة جديدة خلال عام عن فيلم «تس» لرومان بولانسكي عام 1979، اضافة الى العديد من الافلام التي برزت فيها الممثلة بأدوار قوية مثل «فندق نيوهامبشير» و «قطة الناس» و «باريس تكساس» و «الادعاء» و «المدينة والبلد» وغيرها .. وبعيدا عن الافلام تعيش كينسكي حقيقة دور مارجريت لسنوات كأم لثلاثة اولاد. وفي هذه المقابلة تحدثت النجمة المخضرمة ناستازيا كينسكي عن هذه الفرصة النادرة، لكي تلعب قصة حياتها على الشاشة، وكيف ان خبراتها الامومية الخاصة ساعدتها كثيرا على فهم دورها، والسعادة التي شعرت بها بوجود طوني جولدوين، الذي لعب دور زوجها في الفيلم، وسكارليت جوهانسون التي قامت بدور ابنتها. ـ كيف تجدين النسخة النهائية من فيلم «الرابسودي الامريكي»؟ ـ لقد احببت هذا الفيلم، رغم ان تصوير المشاهد كانت صعبة جدا، كانت تجربة رائعة حقا، ان تتمكن من تمثيل قصة حقيقية، وان يكون بطلها الحقيقي هو احد المشاركين في انتاج هذا العمل. ـ كيف حدث وان قررت القيام بهذا الفيلم؟ ـ منتجا الفيلم كولين كامب وبوني تيميرمان اتصلا بي، ومن ثم ارسلت لي المخرجة النص، ولم اكن اعلم بعد بأنها قصة واقعية، وفعلا احببت النص وشعرت بها وكأنها قصة حقيقية، اتصلت بايفا وسألتها هل هذه قصة واقعية؟ فأجابتني «نعم، انها قصتي». وعلى كل حال استغرق الامر سنتين حتى تم الانتهاء من الاعداد للعمل وتصويره قبل ان يصبح جاهزا للعرض. ـ ما الذي جذبك الى القصة؟ ـ لانها كانت قصة حقيقية، بل انها نموذج عن قصة بقاء وهذا ما حدث بالفعل لها وللآلاف من العائلات التي حاولت الهروب من الوضع المروع للحرب الباردة. العائلات شردت وتفرقت، كل ما تبقى لها هو الروح العائلية والتي تدفعها للثقة بالمستقبل والأمل بلم الشمل، رغم الواقع المرير الذي تعيشه، خصوصا وانها مولودة في المانيا ومن اصول بولندية. ومع انني لم اعش هذا الواقع فهو شيء استطيع الاحساس به وتفهمه، ذلك انه جزء من تاريخنا، والذي اصبح بدوره جزءا من حياتنا بغض النظر عن اني كنت واحدة منهم او لم اكن. وباعتباري اما «لثلاثة اولاد» استطيع ايضا ان اتخيل تلك القرارات القاسية جدا والتي كان هؤلاء الاشخاص يتخذوها، وهم يخوضون معركة البقاء. ـ أنت ام، هل بامكانك ان تتخيلي الألم والخوف حينما تجبرين على ترك احد اولادك خلفك؟ ـ كلا، اذا سألتني مثل هذا ، بالتأكيد لا استطيع، ورغم ذلك لو كنت في وضع مشابه، حيث بامكان الجميع ان يفترق، يموت، يرمى بالرصاص، او حتى يختفي، فانت تحاول فقط اخراج عائلتك من هناك، ولو كان السبيل الوحيد ان يكون لديك طفلا، الطفل يقوم باحداث ضجة، الافضل ان لايولد هذا الطفل، وان تخطط لمجيء الطفل بعد يومين، انت تضع الخطة لانك بحاجة لان تحيا، لان تنجح بذلك، انت تقوم بامور في اوضاع كهذه مع انه عادة تقول: كلا، لا يمكنني ان اقوم بذلك ابدا. وانا اعتقد بانه من المحتمل بانها لم تكن تنوي القيام بذلك .. اظن ان زوجها هو من اقنعها بفعل ذلك وان عليهم قط، ان يثقوا بالخطة ، وكل شيء سيسير على احسن وجه، وعلينا ان نضع كل ايماننا بهذه المرأة التي سوف تنقل الطفل الصغير. انها الطريقة المثلى للخروج من هذا البلد، وعلينا التصرف بسرعة. ولكني اعتقد بأن الحمل الثقيل، واعني به ذلك الاحساس الذنب، الذي رافقها بعد الرحيل، عندما تجري الامور على عكس ما تمنوا، وانا اعتقد بأن الاحساس بالذنب سيظل جزءا مهما من حياتها للتعويض عن السنوات التي لم يعيشوها معا كعائلة واحدة . وحين يريد احدنا ان يعيد الاوضاع الى نصابها الصحيح فانه يبالغ في ذلك احيانا دون ان ينتبه لنفسه، ومهما كان تقديرنا لوضعهم ارى انه كان من المهم جدا لهم الهروب، ولكن من يدري .. دائما ما نتخيل الاحتمال الاسوأ بطريقة ما، وليس ذلك لأن احدنا هو ذو ميول سيئة، بل لمجرد انه ام وأب، فان عواطفه تدفعه للخوف الشديد. داذما افكر في نفسي واقول . طيب، ماذا لوحدث هذا او ذاك؟ هذا ما يجعل احدنا مهيئا لأسوأ الاحتمالات، اعتقد ان هذا مرده الى غريزة الخوف على الاولاد من كل أب وأم، لكن في المقابل يجب على احدنا الابقاء على الامل في نفسه، بان تسير الأمور على نحو حسن، مع ذلك هذا لايعينه على التخلص من هواجسه، لو كان علي ان اتخذ مثل هذا القرار لما عرفت ما الذي سأفعله، ولا اعرف فيما اذا سأبقى لا استطيع ان اتخيل ابعاد اطفالي، وان آخذ واحدا واترك آخر خلفي، انا ليس بمقدوري تخيل ذلك، ولكن لو كان هناك خطة معينة، وان هذه هي الطريقة الوحيدة للخروج .. من يدري ماذا سنعمل عندما نكون مجبرين على ذلك؟ ـ انه اول فيلم لايفا، وهو قصتها الشخصية، كيف وجدت العمل معها؟ ـ انه رائع ان تعمل مع شخص عاش فعلا القصة، انها على قيدة الحياة وعائلتها ايضا. عانوا الامرين ولكنهم نجوا، تحدثنا مطولا باشياء كثيرة، ولكن كانت لدي مسئولية كبيرة، فانا العب دور امها، لكنني ام ايضا وبالتالي فأنني اعرف تفاصيل مهمة عن الشخصية التي العبها، وهي انها خائفة على طفلها وخائفة من كل الامور المرعبة التي يمكن ان تحدث بغض النظر عن انها حدثت ام لا، اعني ان الحياة حافلة بالاحداث ونرى يوميا امورا مخيفة تصيبنا ومن حولنا، ان الحب الذي تكنه لاولادك هو .. شيء حتى انك تعجز عن فهمه، انه ابعد من اي شيء، اتفهم تماما ذلك العبء النفسي الناجم عن ترك طفل واصطحاب اخته ثم الشعور بضرورة التعويض عن تلك السنوات، وهو الامر الذي سيصعب تحقيقه، فلا احد يستطيع العودة بالزمن الى الوراء، الى تلك السنوات الاولى في حياة طفلتها وهي الاهم في تكوين شخصية هذه الطفلة. ثم وبعد جمع الشمل من جديد تريد الام تصحيح الوضع المغلوط التي تركته سنوات البعد. ان هذه المحاولة لم تكن سوى ردة فعل من جانب الام التي تواجه بردة فعل معاكسه من جانب الطفلة، انها تريد العودة الى امها التي ربتها والاب الذي نشأت في بيته، ولايهما سواء كانا ابويها الحقيقيين ام لا، والاهم بالنسبة لها فهما الابوان اللذان اعطياها الحب والأمان وكل شيء. وهذا امر صعب جدا على الام .. لا يمكن ان اتخيل كل ذلك. ـ كيف وجدت العمل مع طوني جولدوين وسكارليت جوهانسون؟ ـ كان فعلا رائعاً ولنبدأ بسكارليت فهي مميزة وشابه عمرها 15 الى 16 سنة، هذا رائع جدا عندما ترى شبابا .. انهم يعملون كل شيء بطريقة ما رغم انهم لايزالون فتيان، مجرد ان اكون الى جانبها او اراقبها وهي تعمل هو شيء احببته، كان صعبا القيام بالمشاهد التي تتضمن عنفا وقتالا، لانني اتخيل خلالها اولادي الحقيقيين. لقد كانت علاقة جيدة ومميزة وهي بالتأكيد شخصية رائعة وذكية جدا، وانا اعتقد انه لو ان العديد من الشباب شاهد الفيلم .. اطفالي شاهدوا الفيلم ووجدوا عدداً من الامور المشتركة بينهم، لقد كانت سكارليت استثنائية واظن انها انسانة طيبة وممثلة جيدة، لقد احببتها كثيرا. وطوني بالطبع خارج العائلتين، كان هو نوع الانسان او الجزء الطيب، لقد كان شخصا متفهماً ومحبا للخير وهو كان ذلك كأنسان وممثل، كشريك، كممثل وكوالدها، حتى عندما تكون ايفا مشغولة كان يشجعها على التدريبات وعلى تعلم اللغة الهنجارية وعلى اشياء عديدة، ما اريد قوله هو انني استمتعت بالعمل مع الاثنين وهو ما كان يمثل لي تجربة رائعة. سواء كأنسانة او كممثلة، احيانا تجد من الصعب علي ان اعامل الباقين باعتباري ممثلة فقط، وليس كأنسانه بالقدر نفسه او العكس، لكن في هذا العمل كان الامران معا.