ربما كان صديقي المحامي هو أغرب من أتعامل معهم يوميا، فلا يكاد يمر يوم إلا ويتصل بي فيه، وربما عدة مرات، وذلك ليس لأنني صاحب قضايا، بل لأسباب عديدة، أما اذا كان لي قضية فالأمر يتحول الى كارثة، وبالطبع لاحظت أن صديقي المحامي يشجعني على أن أقاضي الآخرين، هذا طبيعي فهي مهنته. ولكن صديقي المحامي لا يتقاضى مني أجرا، ويعتبر أن ذلك يسئ الى صداقتنا التي تبدأ منذ أن كنا في المدرسة الابتدائية، واستمرت حتى الآن، وفي بعض الأوقات كنت أغريه أن يأخذ أجره أو بعض أجره لما ألاحظه من أزمات مالية، فكان يقول: والله إني محتاج وأريد، ولكن كيف أواجه الأولاد عندما أقول لهم أنني أخذت أجرا من صديق العمر؟! وصديقي هذا يعود الى منزله، ليجلس بين زوجته وأولاده، فيحكي لهم كل ما مر عليه في يومه قلت له: لا تحك لهم أنك أخذت أجرا مني، لكنه اعتذر بأنه لا يستطيع أن يخفي شيئا عنهم، وفي صديقي المحامي عيوب كثيرة مثلنا جميعا، ولكن العيب الذي أعاني منه أن يتخيلني شخصا مشهورا وأن ذلك يفيده في قضاياه، ولقد أجبرني على أن أذهب الى مكتبه، وكان قد استحضر مصورا، التقط لنا صورا كثيرة وصديقي خلف مكتبه وأنا أتحدث معه، ثم ونحن جالسان متجاوران، وأنا أدخل من الباب وهو يستقبلني، واختار صورة من هذه الصور وعلقها في صدر المكتب، وتوهم أنها قد تفيده وتوقعت أن تصيبه خيبة الأمل، ولكنه ما زال يشير الى الصورة ويقول لزبائنه أنني صديق له. ويتبع ذلك تعثر القضايا التي أرفعها أو يرفعها لي وهذا يعني ارتباطه بالشخص المشهور الذي هو أنا «تخيلوا» وكلما أكدت له أن لا أحد في المحكمة يعرفني خبط كفا بكف مثنيا على هذا التواضع. ويشجعني صديقي المحامي على أية قضية، ويطلب ويلح أن أذهب معه ولو مرة واحدة وعندما أوافق يتصل ويؤكد على الموعد كما لو كان على موعد غرامي. وذات مرة سألني عن لون البدلة التي سألبسها، فلما ثرت في وجهه قال لي أنه يفضل أن أرتدي بدلة من نفس لون بدلته حتى يحس الجميع أن هناك رابطة تجمعنا. وعندما أحاول التخلص من مشوار المحكمة يقول لي: أريد أن أظهر معك أمام الناس! وفي ذات مرة قلت له: لو كنت أنور وجدي ما فعلت معي أكثر مما تفعل! ولذلك كله توقعت أنني عندما أقول لصديقي المحامي أنه لي قضية وأريد أن يتولاها، سيجري الي، ويهتم اهتماما شديدا، وأنه لن تمضي ايام حتى تكون القضية أمام القضاء، وتكون صورتنا، المحامي، وأنا معلقة في مكتبه. أشعل صديقي المحامي سيجارة، وصرخت فيه، فلقد منعه الطبيب من التدخين، ومنعني من مجالسة المدخنين، ولكنه قال في هدوء انه مضطر للعودة الى التدخين ولو مؤقتا ليسمع الى قضيتي في تركيز. قلت له: الموضوع يا عزيزي يعود الى عام 1875 أو نحو ذلك. ولمعت عينا صديقي، ولم تعد السيجارة كافية للتركيز، فقطب وجهه، وتقدم قليلا ليسمع أكثر. في ذلك الوقت ـ قلت له ـ كان يحكم مصر الخديوي اسماعيل، ولم يكن بينه وبين فرديناند ديلسبس مودة، أو لنقل أن الخديوي اسماعيل كان يكرهه كراهية دفينة، فالمسيو ديلسبس بعد أن أنجز قناة السويس أخذ يتصرف على أنها ملك خاص له. وكان ديلسبس يفكر في اقامة تمثال له عند مدخل قناة السويس، وهو ما حدث فعلا بعد ذلك، ولكن اسماعيل أراد أن يفسد عليه خطته فأراد صنع تمثال آخر، وشرح فكرته للمثال الفرنسي أنه يريد تمثالا لامرأة تقف عند مدخل القناة تتجه الى الشرق وتحمل مشعلا بيد وكتابا بيد لتمثل الحضارة، ودفع للمثال مقدما ماليا، وأنجز المثال المراحل الأولى، وأتى بها الى الخديوي، ولكن الخديوي اعترض على بعض الأشياء، وطلب منه أن تكون ملامح صاحبة التمثال ملامح امرأة مصرية. وأخذ المثال يعمل دون أن ينتبه الى أن مصر تحدث فيها أمور أخرى انتهت في يونيو 1879 بنفي الخديوي اسماعيل وتولية ابنه توفيق، وهكذا انتهى أمر التمثال فصاحب الفكرة رحل معزولا الى ايطاليا، وبعدها بسنوات رحل الى اسطنبول، حيث عاش سنوات، ثم عاد جثة ليدفن في جامع الرفاعي. أما توفيق فكان مشغولا بأموره السياسية التي انتهت بالثورة العرابية في عام 1881 ثم باحتلال مصر في العام التالي، ولم يعرف عنه ولعه بالفنون مثل أبيه، ولا كرمه مع الفنانين. وهكذا خلا الجو لديلسبس ليضع تمثاله، ويضعه على مدخل القناة. ويستمر الأمر هكذا حتى يؤمم جمال عبدالناصر قناة السويس، ويحدث العدوان الثلاثي، وتسقط الجماهير الغاضبة تمثال ديلسبس، وتلقي به، وهو الآن موجود بأحد المخازن، ويعتبر أهل بورسعيد اسقاط التمثال من بطولاتهم. ويقفون بشدة ضد محاولات فرنسا اعادة التمثال الى مكانه تحت دعاوى نسيان الماضي أو الصداقة أو تجميل مدخل القناة. وعندما كنا نصور فيم ناصر 56 أردنا اعادة تمثال ديلسبس مكانه لمدة ساعات لنصور ما حدث قبل التأميم. وثار الناس وهاجوا فهم لا يطيقون اعادة التمثال ولو كان ذلك لمجرد التصوير. وما زال مكان التمثال خاليا وما زال أهل بورسعيد يحرسون المكان، ولقد قال لي أحد محافظي بورسعيد: اعادة التمثال الى مكانه تشعل ثورة لا يعلم إلا الله مداها. ولكن هذا موضوع آخر لا يخص قضيتنا. فالمثال الفرنسي الذي كان قد مضى شوطا طويلا في عمله وقع في حيص بيص، فصاحب التمثال يعاني الغربة في ميلانو ووريثه يعاني المؤامرات في القاهرة، ولذلك أتم التمثال وعرض على مواطنيه شراءه، ورغم أن باريس مليئة بالتماثيل إلا أن أهلها بخلوا في شراء التمثال. واضطر الرجل الى أن يتوجه الى العالم وهنا بدا الدور. الأمريكي دورا جديدا بلا حضارة، ولا معالم ولا تاريخ، ومن المطلوب أن يكون لها تاريخ، ووجود تمثال كبير مثل هذا وبشئ من الدعاية يثير الاهتمام. وهكذا اشترى الأمريكيون التمثال ووضعوه في نيويورك، وأسموه تمثال الحرية لا أدري لماذا. ولم يبالوا بأنه تمثال لامرأة مصرية وسوقوه أكثر تسويقا وجعلوه أشهر علامة تجارية في التاريخ. تراجع صديقي المحامي، وبدأ يدخن سيجارته الثالثة أو الرابعة وقال لي: نريد مستندات كثيرة، أولا عقد صنع التمثال بين الخديوي اسماعيل والمثال الفرنسي، وثانيا صورة من الشيك المدفوع له، وثالثا تثمين من مختص بقيمة المبلغ المدفوع بعملة الأيام الحاضرة، كانت تعرف أن مائة جنيه زمان كانت تشتري بيتا، والآن تشتري عشاء في مطعم متوسط. ولم أدر كيف أتى لصديقي المحامي بكل هذه المستندات، لكنه ألح علي من أن تكون عندي خلال يومين أو ثلاثة وهمس لي: طبعا قضية مثل هذه لابد أن يتابعها الاعلام .. صحف .. مجلات .. إذاعة .. تلفزيون .. أنا سآتي بمصور. ومنذ تلك اللحظة لم يكف التليفون، أصدقاؤنا المشتركون يتصلون. ما حكايتك مع تمثال الحرية! يا جماعة .. أولا هو ليس تمثال الحرية، إنما هو تمثال الحضارة. لقاء الشرق والغرب عند مدينة بورسعيد، لقاء القارات الثلاث: آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، أما كيف بدأ تفكيري في استعادة التمثال فكان عند تفجير برجي التجارة العالمية. فربما فكر الارهابيون ـ وهم بالطبع ليسوا ابن لادن ـ في تفجير تمثال الحرية، وحتى اذا كان الأمريكيون قد اشتروه. ونصبوه في بلادهم قرنا من الزمان أو يزيد، إلا أنه في النهاية ملكنا، ولابد أن نستعيد ما نملك. قال لي صديق مشاكس: لنفرض أنك كسبت القضية، كيف تنقل التمثال من نيويورك الى حيث تريد؟! وأسقط في يدي ولكني صرخت فيه إنه يعطل المسيرة بآرائه الانهزامية، ولكن أعجبتني جملته: لنفرض أنك كسبت القضية. لنفرض فعلا أنني كسبت القضية!