السماء تبدو مظلمة عندما تنطلق الفتاة عبر الحقل قبيل بزوغ الفجر. ثمة موقد مشتعل في البعيد والنسائم تحمل معها رائحة البطاطا واللحوم المشوية والتورتيا المحمصة على النار. جدة الفتاة تهتف اليها: «صلي قبل ان تبدأي!». اسم الفتاة كلوديا جريجز ولكن الجميع ينادونها «انجيل» وعمرها 15 سنة مع ان امارات الجدية ترتسم على وجهها في هذا اليوم الذي ستتحول فيه من فتاة الى امرأة بالغة. انها ترتدي الرداء الاحتفالي التقليدي لقبيلة الاباتشي التي تتحدر منها وهو «دثار» من جلد الغزال بلون الشمس والغيوم، قلادة من الخرز مزينة بفراشات، قوقعة صدفة تمثل الطهارة على جبينها، ريشة نسر ترمز الى الصحة وطول العمر مربوطة الى شعرها الاسود. وتمسك الفتاة بقصبة ثبتت عليها اجراس وريش ستحتفظ بها لشيخوختها. في الساعة الخامسة والنصف فجرا في يوم سبت، تتخذ أنجيل موقعها في وسط حقل الذرة ويقف والدها وأمها الى جانبيها وهي تحني رأسها فيما يقدم المطبب صلواته. أنجيل على وشك ان تبدأ أهم يوم في حياتها كشابة. وخلال الساعات الخمس التالية سترقص بشكل متواصل تقريبا كجزء من طقوس البلوغ التقليدية التي تدعى «رقصة طلوع الشمس». تمثل الرقصة التي تسمى «نائيئي» بلغة الاباتشي الانتقال من مرحلة المراهقة الى طور البلوغ كامرأة. وخلال الاحتفال تصبح الفتاة «امرأة متغيرة» لفحتها الشمس والمطر فولدت شعب الاباتشي الأول. وتبدأ الاحتفالات التي تدوم اربعة أيام ليلة يوم الجمعة عندما تلبس الفتاة البذلة التقليدية. ويجري الرقص صباح السبت ويتبعه احتفال الدهن بالالوان في اليوم التالي كرمز الى التحول النهائي الى امرأة. وفي اليوم الرابع والأخير تخلع الفتاة الرداء التقليدي. الاحتفال الذي يشكل عبئا ذهنيا وبدنيا قاسيا لأي فتاة، يتميز بصعوبة خاصة لأنجيل التي استؤصل جزء من رئتها اليمنى قبل عدة سنوات بسبب مشكلات في جهاز التنفس، وهي لاتزال تعاني من الربو المزمن وتتعاطى المضادات الحيوية. أنجيل التي تأمل ألا يجعلها الاحتفال تكبر فحسب، بل وتزداد قوة ايضا، تقول: «كنت مريضة ولم أشأ ان أكون كذلك». وتقف أنجيل في الحقل وترفع يديها عندما ينتهي المطبب من الصلاة، ويبدأ ستة رجال يحملون طبولا «قرعا» بايقاع متواصل ويرتلون بكلمات لا تفهمها انجيل نفسها. ثم تدير الفتاة وجهها نحو الشرق عندما تشتعل السماء بأول خيوط الفجر وتباشر رقصة طلوع الفجر. إن التقاليد والعادات القديمة تختفي بسرعة بين الهنود الامريكيين، فالخدمات الحديثة حلت مكان الطقوس والاحتفالات القبلية، والاكلات السريعة أزاحت الولائم الجماعية في الحدائق، والمستشفيات قضت على المطببين القبليين، والاطفال يتخاطبون بالانجليزية بدلا من لغة النافاهو أو الاباتشي. ولقد أضحت المحافظة على التراث الثقافي في العديد من المجتمعات الهندية تحديا صعبا مثل القضاء على الفقر ومكافحة الادمان على المخدرات وتوفير العناية الصحية. والمسنون عندما يحين أجلهم يأخذون معهم الى القبر العادات القديمة فيما جيل الشباب لا يكترث ولا يهتم بتعلمها. ويقول جو يواكين وهو من هنود توهونو أودهام، ورئيس جمعية «أمناء الكنوز» الوطنية التي تعنى بالمحافظة على ثقافة ولغات القبائل الهندية ان «الوصلة قد انقطعت». وينحو دعاة المحافظة على القديم بلائمة ذلك على المرسلين الذين حولوا الهنود الى المسيحية في أواخر القرن التاسع عشر، وكذلك المدارس الحكومية الداخلية حيث يمنع التلاميذ من استعمال لغتهم الاصلية وممارسة طقوسهم الدينية. ويقول يواكين: «كان يجري تعليم التلاميذ ان ليس كل ما يتعلمونه يجب ان يكون بهذه الطريقة وانه ينبغي عليهم ان يتعلموا طريقة الحياة الامريكية. إن عدد المجتمعات التي لاتزال تقليدية ولا تزال تتمسك بطرقها القديمة قليل جدا». في الوهلة الأولى لا تبدو قبيلة اباتشي وايت ماونتن في اريزونا انها واحدة من تلك القبائل القليلة التي تحاول المحافظة على التراث القديم. وأفراد القبيلة مثلهم مثل سكان أية بلدة متوسطة الحجم يديرون شركات تجارية ومنتجعا للتزلج على الثلج بل واندية القمار داخل محميتهم البالغة مساحتها مليونا و600 ألف فدان، ويقيمون في منازل عصرية ويتبضعون من السوبر ماركت، وحوالي نصف أعضاء القبيلة البالغ عددهم 12500 نسمة يترددون على الكنائس اللوثرية والمعمدانية والكاثوليكية. غير ان بينهم من لايزال يمارس التقاليد القديمة ويعلم الجيل الجديد طقوس الاجداد وخاصة «رقصة طلوع الشمس». خلال أي عطلة اسبوع من شهر مايو حتى آخر شهر اكتوبر تمتليء غابات الصنوبر وحقول المحمية بالمتفرجين الذين يهزجون ويطلقون عبارات التشجيع ويرقصون مع الفتاة اليافعة التي تؤدي رقصة طلوع الشمس. إلا ان عدد العائلات التي تشارك في مثل هذه الطقوس قليل هذه الأيام. ويعزو البعض سبب ذلك الى ضيق الوقت وارتفاع التكاليف، فالتحضيرات تستغرق سنة كاملة تقريبا فيما تصل المصاريف الى آلاف الدولارات، بما فيها رداء الفتاة والهدايا التي يتم تبادلها خلال الاحتفال وأجور المطببين والراقصين الاحتفاليين. وثمة آخرون لم يعودوا ـ ببساطة ـ يؤمنون بالطقوس. ويقول كلاين جريجز والد انجيل ان هؤلاء يعتقدون انها طقوس وثنية، في حين انها تقاليد ينبغي توريثها للأطفال والاحفاد لكي تبقى طريقة حياة الاباتشي وتنجو من الانقراض. ويقول كلاين: «إنني اريد ان يكون لهم نفس الحقوق ونفس الامتيازات التي لديّ الآن، ولهذا السبب يتوجب علينا ان نتمسك بعاداتنا وتقاليدنا». في الساعة السابعة صباحا يبرز عشرات من الناس، فتيات صغيرات ونساء متقدمات بالسن بالثياب المزركشة يرقصن في خط نصف دائري حول أنجيل التي تحرك قدميها على ايقاع الطبول يسار.. يمين.. يسار.. يمين وهي تقرع الاجراس المعلقة من قصبتها مع كل حركة. وتحدق أنجيل مركزة عينيها على قرص الشمس دون ان تبتسم. والى حين نزع ثوبها التقليدي صباح يوم الاثنين يتوجب على أنجيل ان تتقيد بطقوس معينة. فهي ممنوعة من الاستحمام لأن الماء قد ينزع عنها قوة «المرأة المتغيرة» ولا يجوز ان تشرب شيئا سوى بأنبوب أحمر والا نبت لها شاربان، كما يقال. ويجب ان تستعمل عصاة اذا احتاجات الى حك جسمها والا قد تصاب بقروح. الا ان الرقص هو الاختبار الحقيقي لقوتها وارادتها وفيما يتم ترتيل 32 أغنية على ايقاع الطبول، تؤدي أنجيل تمثيلا لدور الحياة وتصبح «امرأة متغيرة». وتقول انجيل: «انه احتفال مؤثر جدا لفتاة شابة من الاباتشي لأنهم كما يقولون انك تكبرين بعده، ولا تعودين فتاة صغيرة مرة اخرى. انك تصبحين اكثر مسئولية ونضجا». وتتوقف انجيل عن الكلام قليلا وتأخذ نفسا ثم تتابع: «انه احتفال صعب اذا نظرت اليه عن كثب». امرأة من بين الجمهور تهتف: «هيا أنجيل، هيا». انها الساعة الثامنة صباحا وانجيل قد ركعت على جلد غزال وكومة من الحرامات. انها تتأرجح الى الأمام والى الوراء ويداها ممدودتان نحو السماء، شعرها يلتصق بعنقها المبتل والعرق يتصبب من جبينها فيما امارات الارهاق ترتسم على وجهها وتخشى والدتها ألا تستطيع أنجيل متابعة الرقص. لقد ارتفعت الشمس قليلا فوق الأفق وبدأت تحرق بشرتها. النساء يفككن شعرهن الطويل لتهوية أنفسهن. وتنبطح انجيل على وجهها وترفع رأسها نحو الشمس فيما تنهمك جدتها في تدليك ساقيها. وفي غضون دقائق قليلة تعود الفتاة للوقوف على قدميها. عقارب الساعة تشير الى التاسعة صباحا وقد ارتفع عدد الحضور الى اكثر من مئة شخص، نساء يحملن أطفالهن ورجال يدخنون السجائر، وفتيان يبيعون المرطبات والسندويتشات. وتضع انجيل عصاتها على الأرض وتدور حولها اربع مرات، كل دورة تمثل مرحلة من حياتها، وتحرك العصا مجددا الى الشرق ثم الجنوب، ثم الغرب والشمال. وتدور انجيل حول العصا مرة اخرى فيما يركض عدد من الاشخاص وراءها كرمز للقوة في مواجهة متاعب الحياة. وتستأنف انجيل الرقص فيما يفرغ المطبب سلة من الحلويات على رأسها، فيهجم الجمهور لالتقاط قطع الحلوى التي امتصت قوة «المرأة المتغيرة». ثم تفرغ سلة اخرى مليئة بالنقود المعدنية والورقية على رأس الفتاة فيهجم الجمهور مجددا لالتقاط ما تيسر. وتتابع انجيل الرقص ويباركها المطبب وينثر طلعا أصفر اللون على رأسها وقلبها وكتفيها. ويفعل الرجال من الحضور الشيء نفسه واحدا بعد الآخر ثم النساء. وتضع انجيل التي تعفر خداها وشعرها بالمسحوق الاصفر ويداها على ظهر امرأة وضعت طفلا مؤخرا. ويقال انها تتمتع بقوة شفائية الآن، وكثيرون يسعون الى طلب المساعدة منها. وتتعاقد ايدي الجمهور بعد انتهاء المباركة. ويهمس أحدهم انه حان وقت الاغنية الأخيرة.. أخيرا. الرجال والنساء والصبيان والفتيات يرقصون متشابكي الايدي ويقتربون من انجيل وهي لاتزال تحرك قدميها. وترتفع اصوات أغنية الختام ويعلو صوت الطبول والترانيم فيما تنحني انجيل لالتقاط جلد الغزال والحرامات والقائها نحو الحشد شرقا وجنوبا وغربا وشمالا. وينتهي الرقص وسط الاهازيج والتصفيق. ويقف الجمهور في الصف لمصافحة انجيل ومعانقتها وتهنئتها. وأخيرا تبتسم انجيل. وتعود انجيل الى الحقل فجر اليوم التالي، فيما يحتشد الجمهور مجددا يدهنها بمسحوق أصفر اللون وبالماء كرمز لتحولها النهائي من الطفولة الى البلوغ من «المرأة المتغيرة» الى انجيل المرأة الجديدة. بعد رقصتها يوم السبت تحدثت، فيما لايزال اللقاح الاصفر على وجهها، قائلة: «إنني أشعر بنفسي مختلفة والاحتفال غيرني فعلا». وبالنسبة لأولئك الذين يندبون اختفاء التقاليد بين الهنود الامريكيين ما على المرء الا ان يرى التحول الذي طرأ على انجيل جريجز ليتحقق ان التقاليد لاتزال باقية. وتقول انجيل التي تأمل بأن تنظم احتفال «رقصة طلوع الشمس» لبناتها عندما تصبح أما، انها مسرورة لتوارث الرقصة جيلا بعد جيل لأن معظم القبائل قد فقدت لغتها وثقافتها وتقاليدها في حين ان قبيلتها قد حافظت عليها. في هذه القبيلة بين الكبار وأطفالهم وأحفادهم يستمر الماضي في العيش في المستقبل، في ذلك الفتى الصغير الذي يعتمر قبعة رعاة البقر والذي يقرع طبلته بكل ما أوتي من قوة، وفي الفتيات الصغيرات اللواتي يرتدين فساتين التخييم وهن يرقصن الى جانب أمهاتهن وفي نظرات الاعجاب عند صديقات انجيل.