الوقت ثروة قومية وأسلوب استخدامه وتنظيمه في مجال الإنتاج والعمل هو معيار التقدم في المجتمع لذلك دأب المأثور الشعبي المصري على توضيح مدى أهميته مؤكدا أن الوقت كالذهب وكالسيف، وقد أبرزت أول دراسة استطلاعية حول ميزان الوقت لدى المصريين وكيفية تنظيمه وقضاء أوقات الفراغ أن الإناث أكثر قلقا على وقتهن عن الذكور وأن وسائل الاعلام هي التي تهيمن على وقت فراغ المصريين بصفة عامة وأن الرجال يعملون ساعات عمل فعلية أكثر من النساء وأن معظم العاملين رفضوا إنقاص وقت العمل مع نقصان المرتب ففي ظل المتغيرات الاقتصادية الصعبة يصعب قبول أي اختيار فيه مساس بدخل الفرد. وتأتي أهمية الدراسة التي تعد الأولى من نوعها في مصر من كونها تقدم صورة متكاملة لكيفية قيام المصريين بتوزيع الوقت على الأنشطة المختلفة على مدار اليوم والأسبوع والشهر والسنة مما يؤثر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع وذلك بهدف محاولة اعادة الانظار في توزيعنا للوقت وتخصيصه للأنشطة المختلفة. ميزانية الوقت د. ليلي عبد الجواد خبير أول بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية وأحد المشاركين في اعداد تلك الدراسة الاستطلاعية تقول : إن دراسة ما يسمى بميزانية الوقت أو تخصيص الوقت والذي يقصد به كيفية توزيع الوقت على الأنشطة المختلفة التي يمارسها الأفراد هي وسيلة جيدة للتعرف على نمط الحياة السائد في المجتمع وقد اهتم بها دول العالم المتقدم حيث هناك قيمة للحفاظ على الوقت وتنظيمه بين العمل والترفيه والاحساس بالزمن وحسابات الوقت ترتبط بتقدم المجتمعات وتطورها فكلما تقدم المجتمع زاد الاحساس بالزمن وحسابات الوقت والعكس صحيح. والإنسان يملك أربعا وعشرين ساعة في اليوم ، يؤثر تصرفه فيها وتوزيعه لوقته على حياته ، وحياة ومصلحة ورفاهية من حوله بل ومجتمعه كله. ومن هذا المنطلق جاءت محاولتنا لدراسة ميزانية الوقت لدى المصريين للتعرف على أسلوبهم في توزيع الوقت على أنشطة الحياة اليومية والفروق في تخصيص الوقت بين الفئات الاجتماعية المختلفة وكيفية توزيع الوقت على فترات العمل والراحة. وميزانية الوقت كما تناولتها الدراسة تنقسم إلى أربعة عناصر هي وقت الدراسة ووقت العمل ووقت الأكل والنوم ووقت الفراغ الذي يعرف «بالوقت الحر» ويقسم الباحثون الوقت الحر إلى قسمين: وقت حر سلبي وهو ما يطلق عليه وقت الفراغ ووقت حر إيجابي هو وقت الترويح أو الترفيه الذي يشمل أنشطة مختلفة من ممارسة إحدى الهوايات أو مشاهدة التليفزيون أو السينما وقد أجريت الدراسة على عينة مكونة من 200 شخص تضم الشباب والكبار تتراوح أعمارهم بين «20 ـ70 عاما» وبينهم العاملون والعاملات وربات البيوت المتفرغات من مستويات تعليمية واجتماعية متباينة. وقد كشفت البيانات المتاحة أن ما يقرب من نصف العاملين يبدأون عملهم في الفترة من 8-9 صباحا كما يوجد ما يزيد على ربع العاملين وتبلغ نسبتهم 26% يبدأون عملهم في الساعة العاشرة صباحا في حين أن نسبة 13.99% من العاملين يبدأون عملهم في الفترة من 4-7 صباحا. وعن متوسط ساعات العمل الفعلية لكل من الذكور والإناث وفقا للفئات المهنية تشير البيانات إلى أن الذكور يعملون ساعات عمل فعلية أكثر من الإناث في جميع المهن ماعدا فئة عمال الخدمات حيث فاقت ساعات عمل الإناث مثيلاتها لدى الذكور ويتطابق هذا مع نتائج الدراسة الدولية فجملة ما تنفقه المرأة العاملة في العمل من وقت يقل عن الذي ينفقه الرجل العامل في الوقت الرسمي. أما عن الالتزام بمواعيد العمل وهو إنعكاس لقيمة العمل عند الفرد فالناس لا يعملون لإشباع الدوافع المادية وحدها فالعمل هو أحد المجالات الهامة في حياة الإنسان وقد أوضحت الإحصاءات أن أغلبية العاملين من الذكور والإناث يلتزمون بمواعيدهم. وقد أكدت النسب زيادة كثافة أيام العمل في الأسبوع لنسبة 14% من العاملين فهم يعملون كل أيام الأسبوع ويشكل هذا الوضع الخاص بالعمل وعدم وجود أجازات خرقا للقانون الذي أوجب أن يحصل كل عامل على راحة أسبوعية مدفوعة الأجر بعد ستة أيام متصلة على الأكثر وهو ذات الأجر الذي يتقاضاه عن أيام العمل كما أجاز القانون لأصحاب بعض المنشآت العمل طوال الأسبوع على أن يقوم صاحب العمل بتنظيم العمل وتوزيعه على العاملين بحيث لا يعمل العامل إلا ستة أيام متصلة يحصل بعدها على الراحة لمدة 24 ساعة. أما عن عدد أيام العمل في الأسبوع للعاملات فقد بينت الدراسة أن حوالي 88.2% منهن يعملن ما بين خمسة وستة أيام بل ومن بينهن من يعملن سبعة أيام أسبوعيا أي لا يحصلن على يوم راحة أسبوعية «7.8%» وهو ما يطرح التساؤل حول إمكانية قيام العاملة بدورها كأم وزوجة وعاملة في ظل كثافة ساعات العمل وكيف يمكن الحفاظ على الوقت الاجتماعي للاسرة مع العلم بأن معظم المواثيق الدولية والدساتير القومية تنادي بتوفير ظروف عادلة للعمل ومراعاة توفير أوقات للراحة مع تحديد ساعات العمل وتدل النتائج أن نسبة 19.6% من جملة النساء العاملات يؤدين مهام خاصة بأعمالهن في المنزل مقابل 16.2% من جملة العاملين من الذكور وهذه النتائج تثير قضية العمل في المنزل والذي يتميز بقدر من المرونة فالفرد هو صاحب القرار فيما يتعلق بوقت البدء في العمل كما انه يتيح للعاملة إمكانية التوفيق بين أوقات عملها ومتطلبات حياتها اليومية. أما فيما يتعلق بفترات الراحة التي تتخلل يوم العمل فقد أوجبت المادة 133 من قانون العمل المصري رقم 137 لسنة 1981 أن تتخلل ساعات العمل فترة راحة أو أكثر لتناول الطعام والراحة لا تقل في مجموعها عن ساعة وبينت الدراسة أن حوالي 32.67% من العاملين لا يحصلون على فترات راحة على الاطلاق أثناء يوم العمل وهؤلاء في الغالب من يعملون في القطاع غير الرسمي وكما هو متعارف عليه فإن العبء الذي تخلقه ساعات العمل الطويلة قد يكون محتملا لو ساعد على تحسين مستوى معيشة الفرد والأسرة إلا أن الاحصاءات كشفت عن تدني مستوى الدخول سواء من الأجر الأساسي أو الإضافي. أوقات العمل الإضافي في ضوء الظروف الإقتصادية العامة التي يمر بها المجتمع ككل مثل التضخم وتدنى المرتبات والأجور وإرتفاع الأسعار فإن البحث عن عمل إضافي لسد العجز وإيجاد التوازن بين الاستهلاك المتزايد من ناحية وقصور الدخل من ناحية أخرى بات أمرا حيويا للكثير وبصفة عامة فإن العمل الإضافي قد يساهم في إشباع حاجات الأفراد الأساسية والترفيهية إلا أنه له أثاره السلبية فقد يعوق هذا العمل الفرد عن متابعة حياته الاجتماعية سواء داخل الأسرة أو خارجها أو قد تقل إنتاجية الفرد في عمله الأساسى نتيجة الاجهاد في العمل الإضافي وتدل البيانات أن حجم العمل الإضافي قليل جدا فلا يزيد عدد الذين يعملون عملا إضافيا إلى جانب عملهم الأصلي في الوظيفة على نسبة 3.33% من أفراد العينة وتنوع ما بين المهن الفنية والإدارية التي تحتاج إلى تأهيل خاص والأعمال اليدوية والحرفية التي لا تحتاج مهارة أو خبره أو تدريب ومع هذا تؤكد الدراسة انخفاض الدخل من العمل الإضافي والذي لايزيد في بعض الأحيان عن 100 جنيه في الشهر. وقد أوضحت البيانات أن نسبة 51.97% ممن يحصلون على عطلة في نهاية الأسبوع يوافقون على التضحية بيوم الراحة الأسبوعية وذلك استجابة للضغوط الاقتصادية المتزايدة. ولهذا فإن النتائج توضح أن أغلبية العاملين من الجنسين «79.33%» يرفضون تقلص وقت العمل في مقابل مزيد من الوقت للترفيه وما يصاحب ذلك من نقص في المرتب فالعمل قد يحقق بالنسبة لهم دخلا هم في حاجة إليه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة حتى وإن كانوا في أشد الحاجة إلى وقت للترفيه أو الراحة. الإلتزامات المنزلية ومن جانب آخر اهتمت الدراسة بقياس الوقت الذي يقضيه الفرد في أداء الإلتزامات الأسرية والتي تأخذ المرأة منه نصيب الأسد سواء كانت عامله أو ربة منزل متفرغة وتشمل الإلتزامات الأسرية الأعمال المنزلية واطعام الأطفال والتسوق والاهتمام بالأولاد ومذاكرة الأبناء وتوصيلهم للمدارس بالإضافة إلى الإلتزامات الاجتماعية من مجاملات ضرورية. وتواجه المرأة عادة مهمة تدبير الوقت للإنتهاء من المهام المكلفة بها في المنزل وتشمل الأعمال المنزلية الطهي ومستلزماته وتنظيف المنزل والكي وغسيل الملابس وقد تبين أن 89.5% من النساء يقضين وقتا يتراوح بين ساعة وخمس ساعات يوميا لأداء تلك الأعمال كما أوضحت الدراسة أن المرأة العاملة تنفق وقتا أقل في الأعمال المنزلية. وتبين أن نسبة 56.9% من العاملات المتزوجات يعتمدن على الأقارب لمساعدتهن في الأعمال المنزلية مقابل 43.1% من ربات البيوت المتفرغات وتعتمد حوالي 12% من ربات البيوت المتفرغات على الخدم في مساعدتهن في المهام الأسرية ولا توجد بين العاملات المتزوجات من يعتمدن على خدم للمعاونة في الأعمال المنزلية. وفي مجال رعاية الأطفال فإن مشاركة الرجال تقل بشكل ملحوظ عن النساء رغم ظهور اتجاه تتبناه وسائل الاعلام في الدول المتقدمة حاليا وهو ما يسمى بالرجل الجديد الذي يساهم بالتساوي في رعاية الأطفال والواجبات المنزلية فإن الكثير مازالوا ينظرون إلى هذه المسئولية على أنها من اختصاص المرأة دون مشاركة الرجل ولكن تنخفض نسبة مشاركة الرجل والمرأة في المذاكرة للأبناء ويرجع ذلك لعدة اسباب منها أمية بعض الأمهات والآباء وإنشغال الآباء في العمل خارج المنزل. وبصفة عامة فإن النتائج تبين أن العمل يستحوذ على الجزء الأكبر من الوقت المنفق في النشاطات المرتبطة بحياة الإنسان وأن الذكور يعملون ساعات عمل أكثر من النساء إلا أن مساهمة الرجال في الأعمال المنزلية والأنشطة المرتبطة بها أقل من النساء وتبذل المرأة العاملة جهودا للتوفيق بين الأعمال الأسرية والتزاماتها ومسئولياتها في العمل ولكنها لا تجد وقتا مناسبا للراحة وتكشف نتائج الدراسة أيضا عن وجود نسبة من العاملين تعمل أثناء نهاية العطلة الأسبوعية مما قد يؤدي إلى عزلهم اجتماعيا. واثبتت النتائج أن الحاجات الفسيولوجية تشغل حيزا كبيرا من الوقت الذي ينفقه أفراد مجتمع الدراسة لإشباع هذه الحاجات التي يأتي على رأسها النوم والطعام والعناية الشخصية وتستحوذ ساعات النوم الذي يعرف بأنه سارق الوقت على جزء كبير من ساعات اليوم ، وقد بلغ متوسط ساعات النوم حوالي 8 ساعات يوميا ومتوسط الوقت المنفق على الطعام 67 دقيقة يوميا مع عدم احتساب الأوقات المنفقة في أعداد الطعام والتجهيزات له. أما العناية الشخصية فقد بلغ متوسط الوقت المخصص لها حوالي نصف ساعة يوميا. وبشكل عام فإن الأنشطة الثلاثة النوم والطعام والعناية الشخصية تستغرق نحو 39% من اليوم. وكانت أهم الأنشطة الثانوية المصاحبة لتناول وجبة الإفطار هي سماع الراديو أو الكاسيت أو مشاهدة التليفزيون وقراءة الجريدة في حين كان الحديث مع الأسرة ومناقشة مشاكلها الحياتية هو الشاغل الأساسي أثناء تناول وجبة الغذاء. أوقات الفراغ د. علا مصطفى أنور الخبير بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية وأحد المشاركين في اعداد الدراسة تقول: لقد اهتمت الدراسة بمعرفة كيفية قضاء المصريين لأوقات الفراغ باعتباره ليس ترفا أو شيئا كماليا فالاعلان العالمي لحقوق الإنسان ينادي بأن لكل شخص الحق في الراحة وأوقات الفراغ وفي أجازات دورية مأخوذه والوقت الحر ليس إهدارا للوقت ، بل إن قضاءه في الأنشطة الترويجية أو في مجرد الاسترخاء والراحة من أجل استعادة النشاط يجعلنا قادرين على العودة من جديد إلى العمل بشكل أفضل ويسعى الأفراد في كل مكان وبالذات في الدول المتقدمة إلى مزيد من الوقت الحر بهدف تحسين نوعية الحياة ولكننا اكتشفنا من خلال دراستنا أن 23% من العاملين يفتقدون العطلة الأسبوعية وتبين أن الاسترخاء هو أهم ما يحرص عليه بالنسبة للإناث وبخاصة ربات البيوت واختفى هذا النشاط لدى أصحاب الأعمال ومتوسطي التجار والصناع والباعة الجائلين نظرا لإنشغالهم بيوم العمل العادي والمرأة المصرية تقبل على الزيارات العائلية في حين يرغب الرجل أكثر على مقابلة الأصدقاء وفي يوم العطلة الاسبوعية يستحوذ التليفزيون على انتباه الأسرة المصرية خاصة بين الموظفين وربات البيوت كما تقبل نسبة على مشاهدة أفلام الفيديو وفي الواقع فإن الاقبال الكبير على مشاهدة التليفزيون يرجع إلى كونه يقدم العالم بأحداثه والدراما بأشكالها ويعد الاستماع إلى الراديو والتسجيل من أوجه الترفيه المحببة يوم العطلة الأسبوعية مما يمثل دليلا على هيمنة وسائل الاعلام على وقت الترفيه لدي أفراد المجتمع. أما خلال الإجازة السنوية فيأتي السفر على رأس القائمة خاصة من جانب الوظائف الأعلى والأكثر تعليما ويأتي بعده التليفزيون مباشرة وتتراجع للأسف أنشطة أخرى هامة كان من المنتظر أن تحوز اقبالا أكبر مثل القراءة والإطلاع والذهاب إلى النادي مع الأصدقاء وممارسة الرياضة وذلك لأن الإيقاع السريع للحياة في الحضر خاصة في عواصم المدن يجعل الإطلاع والقراءة من الأنشطة التي يقل الإقبال عليها فهي إلى جانب إرتباطها بمستوى التعليم تحتاج إلى مناخ مادي وفكري تتحقق فيه كما أن التعود على ممارسة القراءة في وقت الفراغ عادة لابد من غرزها في الصغر وتحض عليه الأسرة والمدرسة ومن جانب آخر فإن هيمنة التليفزيون على تلك الأنشطة لا يعني أنه قادر أن يحل محلها فالخروج إلى أماكن ترفيهية هامة مثل السينما والمسرح يتضمن أبعادا لا يقدر التليفزيون على تغطيتها وإنخفاض التردد على هذين الجهازين من أجهزة الترفيه العامة يجعلنا نثير قضية ثقافية بالدرجة الأولى وهي إنخفاض مستوى العروض السينمائية والمسرحية وإرتفاع تكلفة مشاهدتها ، وتشير ندرة الإقبال على ممارسة الرياضة إلى افتقاد الاهتمام بهذا النشاط وعدم الوعي بأهميته كما يرجع إلى تكلفته حيث يستلزم الإشتراك في ناد رياضي وهنا يظهر دور المجلس الأعلى للشباب والرياضة ووزارتي التعليم والتعليم العالي لإيلاء هذا النشاط مزيدا من الاهتمام ورفع الوعي بأهميته لدى الأطفال والشباب وتيسيره لهم. وتؤكد د. علا مصطفى أن الوقت مورد هام على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ووعي الأفراد بقيمة الوقت وحرصهم عليه والتزامهم بالتوقيت الخاص بالعمل والإنجاز والتزامهم بالمواعيد الشخصية في لقاء الآخرين كل هذا يعكس ثقافة المجتمع كما يعكس اختيارا ذاتيا يرتبط بظروف الشخص الخاصة ومن أهمها تعليمه ويمكن القول أن الوقت ثروة قومية. القاهرة ـ فيصل حماد: