مئات الآلاف من الطلاب الجامعيين، وما دون المرحلة الجامعية، عادوا إلى جامعاتهم ومدارسهم في عام دراسي جديد يغصّ عنوانه بالمتاعب والضغوط. هذه المرة بدأ الصيف والشتاء على سطح تعليمي واحد، فمن جهة اندفاع إلى طلب العلم، خاصة باتجاه المؤسسات الرسمية ذات الكلفة الرمزية، وعلى حساب الخاصة منها بكلفتها الباهظة والمرهقة، ومن جهة اخرى لا امكنة تتسع في المدارس لكل المنتسبين. وهذه المفارقة بين الايجابية والسلبية على كافة مستويات التعليم «المباني، المناهج، الهيئة التعليمية وما شابه»، لا تدع مضجعاً الا وتقضه بدءاً بالمسئولين، وعلى رأسهم وزير التربية عبدالرحيم مراد، والهيئات النيابية والسياسية من وزراء ونواب، ومروراً بالطلاب، وصولا إلى الاهالى. لكن المعالجات لا تتوقف في حقيقة الأمر، وان كانت وفق اولويات، كما تقول النائبة غنونة جلول: «على الدولة ان تستملك فوراً 90 عقاراً في بيروت لبناء مدارس نموذجية عليها، تبلغ كلفتها 200 مليون دولار، والا فان المصيبة ذاهبة بالجميع إلى ما هو اسوأ». وتتمنى جلول على ادارات المدارس الحالية: «ان تتحلى بالصبر، وتعمل على استيعاب اكبر عدد ممكن من التلامذة، حتى لا يبقى اكثر من نصف الطلاب في الصف والحصة واقفين لا يجدون مقاعد يجلسون عليها». تساؤلات وزير الإعلام ويلفت وزير الإعلام غازي العريضي إلى نقاط عدة تتوزع آثارها بين السلبيات والايجابيات في قطاع التعليم، أولها ان العلم ضمانة، ويجب درس الاستفادة منه إلى اقصى ما يمكن. وثانيها: ان تخمة الخريجين وتزايد العاطلين عن العمل منهم، يجب ان لا يقللان من قيمة تلك الضمانة وأهتمام، وثالثها بروز ظاهرة «محيرة» هذا العام نتيجة الارتفاع المفاجيء في الامتحانات الرسمية، ولعل النقطة الرابعة واكثر بروزا ما يتعلق بالجامعة اللبنانية الرسمية الوحيدة في لبنان. ويختصر الأهمية الوطنية التي يعلقها على العلم والتعليم، وذلك باشارته إلى: «ان العلم لا يزال السلاح الامضى والضمانة الاكبر، فصحيح ان ثمة عدداً كبيراً من الخريجين والخريجات، وان الغالبية تقف على أبواب السفارات وان ثمة طوابير من العاطلين عن العمل، لكن حذاري من اليأس مهما بلغت الحالة من ترد او صعوبات، ولابد من زرع الامل بأية طريقة ومستوى لكي نضمن الاستمرار والاستقرار وامكانات النجاح في تأمين المستقبل الأفضل». ويتابع قائلاً: «العلم لا يزال ضمانة ولكن لابد من تنظيمه، وليس فقط في دعم المدرسة الرسمية وكذلك الجامعة الوطنية من حيث التجهيزات والاساتذة والبرامج، انما التوجيه نحو الاختصاص، ولدينا في لبنان تخمة من الاطباء والمهندسين والمحامين إلى جانب الاختصاصات العامة، وبالتالى ليس ثمة امكانية للاستيعاب، فلابد من توجيه سليم في هذا المجال. عمداء وتسريبات في الجامعة ويضيف وزير الإعلام بقوله: «هناك مسألة الجامعة الوطنية التي يجب ان تستوعب اوسع الشرائح الاجتماعية في لبنان تعيش حالات صعبة، ومنها عدم استقلالية مجلس الجامعة، وبالتالى عدم الوقوف على المعيار الاكاديمي، فلا يمكن ان نبني جامعة وطنية، ولا يمكن ان ننتج دراسة أو بحثاً نلتزم بمعاييره المعتمدة في التعاطي مع الاساتذة ومع العمداء معايير مذهبية أو طائفية. ومن حق الجميع السؤال عن تأخير اصدار مراسيم عمداء الجامعة اللبنانية، وكذلك لماذا سربت «الاسماء» علما ان التسريب بات اختصاصا، والذين يسربون لا يقومون أيضاً بعملهم كما يجب لانه لا يأتي في الحقيقة مطابقاً للواقع. وهذا يسيء إلى الجامعة والاساتذة ولأصحاب الخبرة والكفايات في الجامعة، وبالتالى ينعكس الأمر على المستويين الاكاديمي والتعليمي في الجامعة وبالتالى ينعكس على الطلاب. ويوجد في الجامعة اعداد كبيرة من الطلاب وربما عشرات الآلاف ولكن في الواقع لا يتقدم إلى الامتحانات هذا العدد، لان ثمة من يذهب إلى الجامعة اليوم لامرين، للاستفادة من الضمان الاجتماعي من جهة وبالتالى لا يأتي إلى الجامعة، أو للدخول في اللعبة السياسية، انتخابات وغيرها، وهذه مسألة تقليدية كنا نعيشها دائماً، وهذا يرتب اعباء كثيرة على الجامعة. ترحيب بالعرب والأجانب ويبدو رئيس الحكومة رفيق الحريري في مقدمة المستائين من ذلك الواقع في الجامعة الوطنية، لانه يصب من قبيل تحصيل الحاصل في مصلحة الجامعات الخاصة التي يصل عددها في لبنان، مع فروعها الرئيسية إلى حدود الأربعين. يقول الحريري: لا شك ان الجامعة اللبنانية تتقدم، لكن ببطء شديد. نأمل ان يكون تقدمها اسرع. وقد كان يهمنا جداً ان تستفيد من تدفق الطلاب العرب والاجانب للدراسة في لبنان نتيجة الاضطرابات الحاصلة في مختلف انحاء العالم، لكن جميعهم آثروا الالتحاق بالجامعات الخاصة. وهذا يسعدنا أيضاً، وقد اجتمعت برئيس الجامعة الأمريكية جون واتربوري والجامعة اللبنانية ـ الأمريكية «كلية بيروت الجامعية سابقاً»، وطلبت اعطاء التسهيلات اللازمة للجامعيين الوافدين». المتابعات بكل المستويات من جهته تولى الوزير مراد المتابعة أيضاً، سواء على الصعيد الوزاري خلال لقاءاته بمسئولي الوزارة، والخلوات التي عقدها معهم، وتفقده الميداني لمراكز امتحانات التسجيل وما شابه، وحتى اجراء التحضيرات اللازمة على المستوى الدبلوماسي، فالتقى مجموعة من أعضاء السلك الدبلوماسي العربي والاجنبي المعتمد في لبنان، منه على سبيل المثال لا الحصر: سفير الجزائر احمد بو دهري، والسفير الروسي بوريس بولوتين وغيرهما». وبالنسبة للجامعة الوطنية افاد مراد إلى امكانية استيعاب طلاب في الكليات المفتوحة كالآداب والحقوق فقط «لان الكليات المقفلة وبمعظمها تطبيقية كالطب والهندسة وإدارة الاعمال انتهت فيها امتحانات الدخول. واعتبر ان هذا الاقبال دليل عافية وثقة بلبنان وبالمستوى التربوي المتقدم فيه وبالاستقرار الامني الذي ينعم به. وقالت في هذا السياق ليلى صليي داغر مديرة مكتب القبول والتسجيل في الجامعة اللبنانية الأمريكية «ان الجامعة فتحت باب استقبال الطلاب العرب قبل ان تتحدث الحكومة بهذا الموضوع». وأعلنت ان «30 طالباً انتقلوا إلى الجامعة مقابل عدد كبير جداً من الاستفسارات والمراجعات اليومية». وأضافت «ان هناك تلامذة كانوا قد تقدموا بطلبات لاكمال الدراسات في الولايات المتحدة وتم قبولهم ولكنهم بعد 11 سبتمبر عدلوا عن الذهاب إلى هناك». وأكدت ان «طلابا عربا ولبنانيين خصوصاً سعوديين كانوا قد تقدموا بطلبات انتساب إلى الجامعة اللبنانية والأمريكية وجامعات في الخارج ولكنهم بعد الاحداث عادوا للتسجيل في لبنان». وذكر مدير مكتب القبول والتسجيل في جامعة البلمند الدكتور وليد مبيض عن تلقيه اتصالات عديدة من طلاب لبنانيين وعرب يسألون عن امكانية الالتحاق بالجامعة بعد تعذر انتقالهم إلى الولايات المتحدة. وأوضح ان الجامعة تجري في 29 الجاري امتحانات دخول للفصل الاول من العام الدراسي 2001/ 2002، «اما الذين يودون التحول إلى الجامعة هنا فلا يخضعون لامتحانات دخول الا باللغة الانجليزية وتتم معادلة المواد المشتركة، والطلاب الذين يأتون متأخرين، ففي الجامعة برنامج خاص يؤهلهم لامتحانات الدخول للفصل الثاني في يناير المقبل. وافاد مكتب التسجيل في الجامعة الامريكية في بيروت عن استعداده لدراسة أي طلبات جدية من طلاب يودون التحول إليها. واشار المكتب إلى عدم حيازته معلومات محددة حول نسبة الانتقال المرتقبة، ولكنه اوضح في الجامعة «نسبة كبيرة جداً من الطلاب العرب». اقبال متزايد على التعليم المهني يلاحظ الوزير مراد اقبالاً متزايداً على قطاع التعليم المهني والتقني. ويتوقع: «ان التركيز في التعليم سيتوجه في اتجاه التعليم المهني». وقضية تطوير المناهج وخصوصاً في التعليم المهني يجب ان لا تتوقف ابداً، وعلينا ان نسعى للافادة من تجارب الاخرين، ولدينا من الخريجين في كل الدول ومن المفيد ان يأتوا بتجاربهم الينا وبخبراتهم لنستفيد منها. وقد شاهدنا مؤخراً في ألمانيا الامكانات الهائلة للتعليم المهني امام الطلاب، وعلينا ان نسعى لنصل تدريجياً إلى تحسين الاداء والامكانات. اعتراف بالأزمة لكن هناك أزمات تعيق التعليم المهني في لبنان، منها كثرة الخريجين وقلة العمل، كثرة عدد الطلاب وقلة الامكنة لاستيعابهم، اضافة إلى مشاكل تتعلق بالبرامج والمناهج. وان نرفع مستوى التعليم المهني ونؤمن له المقاعد والأجهزة الجديدة لكي يأتي الطالب بارادة تامة إلى هذا التعليم. وعلينا أيضاً ايجاد التشريعات الكافية للاعتراف بالشهادة المهنية، لان عدم الاعتراف بها يعتبر محاربة فعلية للتعليم المهني، اذا اردنا ان نشد الناس في اتجاه التعليم المهني علينا ان نستكمل تشريعاتنا وقد بدأناها. ويجب اعطاؤهم الاولوية في التوظيف خصوصاً التي تتطلب خبرة مهنية. وعلينا القيام بورشة عمل وطنية في الرسمي والخاص للسعي إلى تحسين اداء التعليم المهني من خلال المناهج وتدريب الاساتذة عليها ونقل هذه الخبرات إلى طلابنا وهم امانة بين ايدينا. بيروت ـ «البيان»: