يطغى الحديث عن المضايقات التي يتعرض لها اللبنانيون المغتربون في الخارج، خاصة خلال التطورات الدولية في اعقاب التفجيرات بأمريكا الشهر الماضي، على الكثير من الشئون الداخلية والمحلية. وتتلاحق المضايقات في وقت عادت إلى الواجهة فيه صور الكثير من السلبيات التي تطل برأسها بين فترة وأخرى، ومنها الخلافات بين المغتربين انفسهم، وانقساماتهم، واهمال الدولة لقضاياهم، حتى باتوا لا يدخلون في حساباتهم الا من قبيل التغني والمباهاة والقصائد الوطنية، وما شابه من عواطف لا تسمن المقيمين، ولا تغني المغتربين من جوع، كما يقول المثل. وتشكل هذه «الكليشه» العنوان العريض لمؤتمرات اغترابية عدة عقدت سابقاً في بيروت، وبعض المناطق اللبنانية، وشارك في احداها عدد كبير من المغتربين في مختلف انحاء العالم. مؤسسة تجتمع سنوياً ـ ماذا تفيد مثل تلك المؤتمرات؟ ـ يجيب مدير عام المغتربين في وزارة الخارجية في بيروت المحامي هيثم جمعة عن هذا السؤال، فيقول: تحقق المؤتمرات الكثير من الانجازات، ويمكن ان احدد أبرزها على النحو التالي، وان كان بعضها يتخذ صفة المطالب: تفعيل عملية الاصلاح الإداري وانجازه بصورة علمية لتحديث المعاملات وتبسيطها، وتفعيل ادارات الدولة لإزالة الحواجز التي تعيق عمل المستثمرين، وضرورة اصدار قانون خاص بالاستثمار لتكتمل خطوة تكليف المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات وتسهيل معاملات المستثمرين. ـ تفعيل دور البعثات الدبلوماسية في الخارج، وايفاد ملحقين تجاريين، والعمل على انشاء شبكة معلومات بين لبنان والسفارات اللبنانية في الخارج لتزويد المغتربين بمعلومات اقتصادية واجتماعية وسياحية وثقافية عن لبنان، والاستعداد للمساهمة في عملية تمويل هذه الشبكة. ـ اصدار سندات خزينة من الدولة اللبنانية مخصصة للمغتربين بفوائد رمزية او بدونها ولفترات متفاوتة على ان يخصص ربع هذه السندات للمساهمة في ايفاء الدين العام وقيام مشروعات انمائية في المناطق اللبنانية كافة. ـ الاهتمام بتصدير الانتاج اللبناني إلى دول الاغتراب، واعتبار المغتربين ركيزة اساسية في عملية التسويق وتنظيم المعارض للتعريف بهذا الانتاج وترويجه. ـ انشاء شركة مختلطة بين القطاع العام والقطاع الخاص، يشارك فيها المغتربون على نحو فاعل، وتساهم في مشروعات حيوية للبنان. التمني على الحكومة، عند توقيعها اتفاقات تجارية او تبادل ضريبي مع الدول التي يوجد فيها جاليات لبنانية، الاخذ في الاعتبار مصالح المغتربين كي لا ينعكس الأمر سلبا عليهم. ابلاغ المغتربين بالمناقصات التي تصدر عن الوزارات والمؤسسات الرسمية عبر البعثات الدبلوماسية ومن خلال نشرها في وسائل الإعلام الاغترابية ليتمكن المغتربون من الاطلاع والمشاركة فيها. ـ تبنى دعوة رئيس الوزراء المؤتمر مؤسسة تجتمع سنويا في لبنان، بالتنسيق ما بين وزارة المغتربين والهيئات الاقتصادية والاغترابية، وتأليف لجنة من المؤتمرين للمساعدة في تنظيم التوصيات. خطوات للتلاحم والتكامل ويضيف مدير عام المغتربين: يجب تطبيق ما يمكن تسميته بالسياحة الاغترابية فنعطي المغترب، مثلا، بطاقة اغترابية توفر لحاملها امكانية الحصول على تخفيضات في اسعار تذاكر السفر، وحسومات مدروسة للدخول إلى الاماكن السياحية والتسوق وما شابه. كما يمكن تنظيم رحلات جماعية «شارتر» للمغتربين إلى لبنان، ودفعهم على الاستثمار السياحي فيه، وتحسين صورته في الخارج، وانشاء شبكة معلومات في لبنان والسفارات اللبنانية لتزويد المغتربين بالمعلومات اللازمة، وما إلى ذلك. صور مشرقة ـ اثناء التحضيرات الشاقة للقمة الفرنكوفونية التي كانت مقررة في بيروت اواخر الشهر الجاري، وارجئت إلى ما بعد حوالي العام، صار الحديث في منتديات عن صور عدة مشرقة للاغتراب اللبناني في العالم، وعلى الاخص في اوروبا. ما أبرز هذه الصور التي تستوقفك؟ يقول المحامي جمعة: ان الهجرة اللبنانية تشكل موضوعاً آنيا مهما لانها قوية وواسعة وهي في نفس الوقت مزدهرة وشابة «ومن الناحية الاقتصادية، فان المهاجرين اللبنانيين احتلوا مراكز مهمة خصوصاً في مجالات التجارة والصناعة والمال وعلى الصعيد الاجتماعي ان المهاجر اللبناني يقدره ويحترمه الجميع في كافة انحاء العالم. وعلى الصعيد الثقافي برع المهاجرون اللبنانيون وعرفوا نهضة ادبية عربية مهمة ومن كتاب وشعراء وفلاسفة وفنانين واساتذة وعلماء واطباء ومهندسين ومحامين ومن هنا فانهم قد توزعوا في قارات العالم الخمس ولكننا سنركز على الهجرة الى اوروبا فاللبنانيون في أوروبا يعملون في كافة المجالات. التجارة، الصناعة، الطب. وحالياً يبلغ عدد المهاجرين اللبنانيين في اوروبا 350الفاً. من هنا يتوجب على الدولة اللبنانية ان تسجلهم في السفارات وتسجل وثائق زواجهم والولادات وتحاول اشراكهم في الحياة السياسية اللبنانية فيمثلون في البرلمان، كما عليها ان تشجع الاستثمارات في المشاريع الاقتصادية والصناعية وتوحد الصفوف بين اللبناني المقيم واللبناني المغترب». في مقابل ذلك فان من أبرز حالات العداء ضد الاغتراب اللبناني ما حصل في استراليا، وتحديدا في سيدني، وبعض المقاطعات في البلاد. فقد شكلت زيارة بعض المسئولين الاستراليين إلى لبنان هذا العام، نقلة نوعية على مستوى العلاقات انعكست ايجابا على اوضاع الجالية اللبنانية في استراليا والتي تزيد على الـ 450 الف نسمة، رغم الحملات الاعلامية التي تستهدفها من الصحف المحلية. تضم ولاية نيو ساوث ويلز ما بين 300 و350 الف لبناني يمثلون مختلف الطوائف والشرائح السياسية اللبنانية ومن اقصى اليمين إلى اقصى اليسار، ويرعى شئونهم واوضاعهم القنصلية قنصل لبنان العام في سيدني. محمد حركة. انتخبت ماري بشير اللبنانية الاصل حاكمة لهذه الولاية، وجاء اختيارها بمثابة دليل قاطع على النفوذ الواسع الذي يتمتع به اللبنانيون في هذه المقاطعة رغم تبايناتهم السياسية الحادة. وكانت الخارجية اللبنانية قد اخذت علما بأن الجالية اللبنانية في سيدني قد تبرعت بـ 60 الف دولار خصصت لتجديد الاثاث لدار السكن التابع للقنصلية، كما تبرعت الجالية في استراليا بـ 70 الف دولار لدعم مستشفى «وست ميد» الاسترالية التي تعنى بشئون صحة الاطفال. وقد تعرضت الجالية في استراليا في الآونة الأخيرة. لحملات عنيفة من الصحافة المحلية، واتهمت بعض افرادها بأنهم «عصابات آتية من الشرق الأوسط».. وتبين بنتيجة الاهتمام والمتابعة ان مجموعة «فار فاكس» الصحفية التي تناصب العداء لحزب العمال الحاكم هي التي تقود هذه الحملة ضد الجالية اللبنانية التي يناصر العديد من افرادها هذا الحزب. ماذا يقول وزير الهجرة؟ كان وزير الهجرة الاسترالي فيليب رادوك يحاول ان يعطي صوراً أفضل عن وضع اللبنانيين في بلاده، وهو المعروف هناك اساساً بعلاقاته الطيبة بهم خاصة، وبالجاليات العربية الاخرى عامة. فاثناء زيارته إلى بيروت مؤخراً اجاب عن التساؤلات التي تدور في ذلك الفلك. ـ كيف تصف اوضاع الجالية اللبنانية في استراليا؟ ـ يجيب رادوك قائلاً:اعتقد انه يجب النظر إلى بعض القيم المهمة التي تتمتع بها الجالية، فمن خلال تجربتي مع الجالية اللبنانية، رأيت انها جالية ممتازة وافرادها متعاونون ويعطون أهمية لتماسك الاسرة والصداقة هذه القيم التي يمكن لكثير من الاستراليين ان يتخذوها مثالاً لهم، وتعلم ان هنالك قيماً جديدة لدى كل منها، وهي فرصة سانحة لتبادل هذه القيم. وتعلم ان المجتمع الاسترالي يتحلى بمباديء وقيم مثل الايمان بالحرية والديمقراطية وحكم القانون، وهناك الكثير من الصفات لدى القادمين من الشرق الأوسط يستفيد منها الاستراليون كثيراً مثل ترابط الأسرة والوفاء للصداقة وهذه من النقاط التي اركز عليها باعتبارها ايجابيات ملموسة للجالية العربية في استراليا. ـ اية صورة يمكن اعطاؤها لعلاقاتك باللبنانيين في بلدك، وتحديداً مع الجالية اللبنانية ككل؟ ـ مثلها مثل بقية الجاليات. فهناك الجيد بين أفرادها وهناك السييء. وهناك من يركزون غالباً على الجوانب السلبية، اما انا فأحب ان اركز على الجوانب الايجابية. احياناً انظر إلى الناس الذين اعرفهم في مواقع القيادة في المجتمع الاسترالي، واعجب بأدائهم في مختلف المجالات القانونية والتعليمية والسياسية والاقتصادية وغيرها، واذا نظرنا إلى أي مجال نرى فيه لبنانيين متقدمين، ففي هذه الولاية «نيو ساوث ويلز» الحاكم العام فيها تدعى ماري بشير وهي لبنانية الاصل، وهناك قيادات لبنانية في المجالات الرياضية والصناعية والتربوية وغيرها. وهناك أيضاً ستيف براكس رئيس حكومة فيكتوريا وهو لبناني، وانا احبه جد بالرغم من انه عمالي، وكذلك رئيس برلمان ولاية فيكتوريا لبناني الاصل وانا فخور جداً باللبنانيين الذين اظهروا التزاماً عالياً بمجتمعهم الاسترالي في المجالات والتخصصات كافة. والحقيقة التي يجب الاقرار بها، هي ان افراد الجالية اللبنانية الذين استقروا في استراليا جعلوها وطنهم واخلصوا لها. ـ لكن يقال انكم تفرقون في النظرة للاستراليين من اصل لبناني. فالبارع منهم تقولون انه استرالي، والسلبي «تعيبون» عليه انه لبناني. هل هذا صحيح؟ ـ كما ذكرت سابقا وعددت النماذج وقلت انهم ينحدرون من اصول لبنانية، بمعنى انه حتى في تركيزي على الجوانب الايجابية لم انكر انهم لبنانيو الاصل، ولم اخف جذورهم، وانا كما قلت لك يهمني التركيز على الجوانب الايجابية لكل الجاليات، ولكن الشيء المهم هو التركيز على مسئولية الفرد عما يأتي منه من سلوك، فاذا ما اتى فعلا سيئاً يجب ان يعاقب وفقاً للقانون كفرد وليس كمجتمع أو جالية. نموذج لبناني في بريطانيا هذا ينطبق على الجالية اللبنانية في بريطانيا والتي يصفها السفير ريتشارد كنشن باشارته إلى انها: مندمجة تماماً وفي شكل ممتاز في المجتمع البريطاني. وقال ان من الصعب تقدير عدد افرادها، انما «التقديرات الاخيرة تحددها بزهاء 40 الفاً». ولفت إلى ان عددا من ابناء الجالية اللبنانية في لندن يحمل الجنسية البريطانية أيضاً. ويصف احوال الجالية بالناجحة والمزدهرة، وليس لديها اية مشكلة لجهة اندماجها ضمن المجتمع اللندني «الكوزموبوليتاني» المتميز بمجموعات متنوعة من مختلف الانحاء. وقال كنشن ان هجرة الشباب الاخيرة إلى بريطانيا لم تغير نوعية الجالية اللبنانية، فلغالبية هؤلاء الشباب اقرباء أو معارف هناك، وفي كل الاحوال لا تشكل بريطانيا محط انظار المهاجرين فهي ليست موطن هجرة بالمعنى الكامل للكلمة. ـ ماذا عن نظرة البريطانيين إلى اللبنانيين هناك؟ ـ يجيب كنشن: ربما يصح ذكر الحالة المعاكسة بالالتفات إلى نظرة الفرنسيين أو حتى اللبنانيين إلى الشعب البريطاني، وكأنه بأسره يملك قصوراً ويشرب الشاي. وأضاف: في بريطانيا هناك دائماً ما هو اكثر من الماضي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى لبنان، اذ لديه اكثر مما حصل اثناء الحرب. العائق الوحيد امام هؤلاء هو صورة الاجتياح الإسرائيلي والحرب، لكن لابد من تذكير الناس «البريطانيين» ان لبنان يعاد بناؤه ويستحق الزيارة فضلاً عن انه مركز مهم للأعمال. وخير دليل على ذلك هو الاستثمار البريطاني المتمثل بأحد أكبر مؤسستين بريطانيتين هما: «البنك البريطاني في الشرق الأوسط» وبنك «ستاندرد تشاردترد» مما يؤكد ثقة بريطانيا بالوضع اللبناني. بيروت ـ رانيا يونس: