يكتشف العلماء يوماً بعد آخر مزيداً من الحيوانات القادرة على التفكير التجريدي، مما يكون له انعكاسات على تطور الذكاء البشري وما هو الفارق بين مستويات العقل والحكمة بين المخلوقات الاخرى. فقد وجد فريق من علماء النفس دليلاً على التفكير التجريدي عند القردة من نوع البابون، وهو اكتشاف يكتسب اهميته من ان البابون هي من اقدم انواع القردة وهي فصيلة من الفقاريات التي تستطيع السير على قدمين موجودة منذ 30 مليون عام. وقد ثبت من قبل ان القردة من نوع الشمبانزي قادرة على التفكير التجريدي، والان استطاع العلماء تدريب قردين من نوع البابون على اكتشاف ان عرضين يختلفان في التفاصيل هما صورة لنفس الفكرة الواحدة. ويتطلب اكتشاف ذلك استعمال وظيفة التفكير التجريدي لربط الاسباب ببعضها، وهو ما يعتقد كثير من العلماء اساس الذكاء والتفكير المنطقي. قام الدكتور ادوارد واسرمان والدكتور جويل فوجات وباحث ثالث بتدريب قردين من البابون احدهما ذكر والآخر انثى، على استخدام الحاسب الشخصي والتفريق بين تصاميم شبكية تحتوي على صور صغيرة مختلفة. وقام الباحثون خلال التجربة الاساسية بتعريف القردين على تصميم شبكي يحتوي على 16 صورة صغيرة مختلفة مرتبة في اربعة صفوف واربعة صفوف طويلة، او نموذج يحتوي على 16 صورة (هي نفس الصور) مرتبة في صف واحد. اي النموذج الاول به صور مختلفة والنموذج الثاني به صور متكررة. ثم عرض الباحثون على القردين مجموعة اخرى من التصاميم مزدوجة ايضاً. احدى الشبكتين عبارة عن اربعة صفوف واربعة اعمدة تحتوي على 16 صورة مختلفة وشبكة من اربعة صفوف واربعة اعمدة تحتوي على 16 صورة متماثلة، وحاول الباحثون مكافأة القردين عندما يختاران المجموعة التي توضح علاقة متماثلة بين الصور. كان الباحثون يريدون معرفة ما اذا كان القردان سيتعلمان هذا المبدأ. فهل تستطيع القردة البابون فهم وجه التماثل حتى عندما تكون الادلة مجردة ورمزية؟ واستطاعت القردة البابون بالفعل ان تفرق بين الصور المختلفة واختيار النماذج المتماثلة لعدد من المرات يلغي مبدأ الصدفة في هذا الاختيار، كما استطاع القردان التعرف على الانماط المتماثلة والمختلفة من الصور. وقد استغرق القردان آلاف المحاولات لتعلم العلاقات بين الصور والانماط، لكنهما تعلما في النهاية. ويقول الباحثون انه برغم ان ايجاد العلاقة بين العلاقات والانماط قد لا تكون قوية عند قرود البابون الا انها قادرة على ذلك. وقام الباحثون باجراء ذات الاختبار على بشر لمعرفة وجه الاختلاف بين البشر والقردة البابون، وقام الباحثون بخفض عدد الصور لمعرفة اذا كان ذلك قد اثر على اختيارات القردين. ووجد الباحثون ان البشر والقردين تعلموا الدرس الاساسي (لكن البشر كانوا اسرع في التعليم) وكان البشر ايضاً اكثر دقة عند مقارنة الانماط عندما انخفض عدد الصور. واتضح ان القردة والبشر يختلفان في المقارنة بين المتشابه والمختلف، فقد كان البشر اكثر حساسية ازاء الحدس. ويعتقد الباحثون ان مهارة اللغة لها علاقة بذلك لان التعبير عن التشابه لفظياً يجعل فكرة التشابه اكثر تركيزاً، او بمعنى اخر لابد للاشياء ان تكون متماثلة فعلاً لتعبر عن معنى التشابه. اما هذا المفهوم بالنسبة للقردة قد يكون اكثر غموضاً واكثر تضليلاً لأنها لا تعبر عنه كلاماً. ويفتح الاكتشاف الباب الى اكتشاف المواهب الاخرى لدى مخلوقات اخرى. وتقول فوجيل خوجات انه لابد من اجراء مزيد من التجارب على حيوانات اخرى حتى لا يقصر المنظرون مهارة التفكير التجريدي على انواع معينة.