لم أتأثر لاحوال شعب افغانستان البائسة.. وظروفهم المعيشية القاسية.. وصور الفقر والمجاعة التي أوردتها وكالات الانباء على شاشات التلفزيون، بقدر ما تأثرت لخبر ذلك الممثل العربي (الشاب) الذي انخفض أجره عن الافلام التي سيقوم ببطولتها مستقبلا من خمسة ملايين جنيه الى مليونين أو ثلاثة فقط عن الفيلم الواحد!! تصورت والأسى يملؤني.. ذلك الممثل المسكين بعد ذلك القرار الذي اتخذه المنتجون بسبب انخفاض ايرادات فيلمه الاخير الذي لم يحقق النجاح الجماهيري الذي توقعوه بعد ارتفاع أسهم ذلك الممثل عقب نجاح غير مفهوم لأفلام سابقة له، ليفاجأ المسكين ـ ولم يكد يفرح طويلا بالملايين الخمسة التي توقع لها الزيادة والارتفاع مستقبلا ـ بذلك الانهيار المفاجيء في دخله عن الفيلم، وهو الانهيار الذي فاق كل انهيارات البورصات واسعار البترول، عقب أحداث نيويورك وواشنطن الاخيرة، واذا كان منتجو البترول وأباطرة البورصات قادرين بحكم تجارب وأحداث سابقة على تخطي المحنة وتعويض الخسائر، فماذا يصنع ذلك الممثل المسكين وهو يضع يده في جيبه فلا تخرج الا بمليونين (عُمْي) من الجنيهات قد لا تكفي قوت يومه وقوت من يعولهم!! ظاهرة الممثل ياردير والمطرب ياردير التي برزت مؤخرا، والتي فاقت ظاهرة «اللاعب ياردير» التي سبقتها، والتي اقتحم فيها بعض الممثلين وبعض المطربين.. وقبلهم بعض اللاعبين ـ عالم المليونيرات والمليارديرات، تاركين وراءهم طابورا طويلا من رجال الاعمال واصحاب المهن الأخرى طال بهم الوقت والانتظار.. وفقدوا الأمل في دخول ذلك العالم السحري الذي يرفعهم الى مصاف الخمس نجوم.. والذي يمنحهم تلقائيا شرف الانتساب الى دنيا الناس «اللي فوق الفوق».. ويضيف الى أسمائهم لقب «مليونير» أو «ملياردير»..! الى ذلك العالم السحري دخل شبان و(شابات) كل مؤهلات الواحد منهم «فيديو كليب» أو «ألبوم غنائي».. أو فيلم هابط من عينة الـ «هز يا وز» أو «الكلام الروِشْ» كما يطلقون عليه في قواميسهم الشبابية العجيبة، أو «كام جون» في مباريات كروية محلية ينتصر فيها الفريق الخايب على الفريق الأخيب منه، ليصبح فيها هذا اللاعب أو ذاك صورة غلاف لمعظم الملاحق الرياضية.. والناقد الرياضي الفذ في برامج الفضائيات وصاحب السعر الأعلى في سوق اللاعبين المركزي.. هذا بالنسبة للشبان.. أما بالنسبة للشابات فدخول عالم الشهرة والمال والملايين هذا لا يحتاج الى كل وجع الدماغ هذا، والأمر بالنسبة لهن أسهل وأيسر وأسرع من كل ذلك! هؤلاء الذين ظهروا فجأة كمخلوقات فضائية عجيبة، والذين حققوا في قفزة واحدة أو أكثر ما لم يحققه ممثل قدير كيوسف وهبي أو فريد شوقي.. ولم يحلم به كوميديان خطير كنجيب الريحاني أو اسماعيل ياسين «الذي مات مفلساً» ولم يحظ به مطربون عظام كأم كلثوم أو فيروز أو عبدالوهاب أو عبدالحليم، وكلهم ضيّع حياته قفزا وزحفا ولم يصل الى الخمسة ملايين التي حققها ذلك الممثل (المسكين) في قفزة واحدة.. وغير موفقة، هؤلاء الذين استطاعوا بنكتة سخيفة أو حركة هايفة.. أو صوت مشروخ يصلح لكل شيء الا للطرب.. أو بهزة وسط غنائية.. أو بـ «لحم» ابيض يلمع تحت اضواء الليزر، ان يضيفوا لقب «ياردير» الى اسمائهم، وان يحققوا ـ ولو الى حين ـ شهرة ومالا بلا حدود! حاول ان استطعت ان تجد لكلام أية أغنية شبابية أي معنى، فالمطرب يردد كلاما لا يفهمه ـ ولا يريد ان يفهمه ـ والجمهور الراقص في الحفلات يهز وسطه وعقله لكلام لا يفهمه ـ ولا يريد ان يفهمه ـ والملحن الذي لحن الاغنية وضع لحنا لا علاقة له اطلاقا بكلام الاغنية.. ولا بمعناها ـ إن كان لها معنى ـ المهم ان يكون «الرتم» راقصا.. وان تكون (الصاجات) سيدة الموقف.. لا يهم ان يكون المطرب يشكو هجر الحبيب وظلمه أو ينعي حظه الاسود في حب من لا يقدّر وسامته ولا يستجيب لتوسلاته، الأهم ان يرقص الجميع وان «يتنطط» الجميع.. وفي آخر الأمر ان «يقبض» السيد المطرب عشرات الآلاف من الدولارات تقديرا وتعظيما لما بذله على المسرح من جهد وعرق وهز وسط! وتصور معي ان يصل سعر دقيقة الغناء ـ اذا سميناه غناء ـ لبعض المطربين اياهم الى ألف دولار عداً ونقداً، ليقبض السيد «المطرب» ستين ألف دولار ثمنا لساعة مما يسميه غناء.. هذا اذا لم يطلب زيادة!! وحاول ان استطعت ان تغتصب ابتسامة ـ ولا أقول ضحكة ـ لمشهد كوميدي ـ أو يفترض انه كوميدي ـ لممثل من نجوم الكوميديا الجدد، في الوقت الذي مازلت فيه تضحك وتضحك لفيلم شاهدته عشرات المرات لاسماعيل ياسين أو لمسرحية من مسرحيات فؤاد المهندس أو مجموعة مدرسة المشاغبين القديمة، ولكن لا تحاول ان تقارن بين مجموعه ما تقاضاه هؤلاء النجوم الكبار طوال حياتهم وبين ما يتقاضاه «هلفوت» من «هلافيت» الكوميديا الجدد! في ظل هذا السباق «المليارديري» المحموم بين شراذم الطرب الشبابي.. وملاحيس الفيديو كليب ومحترفي الاضحاك بـ «الزغزغة» اللفظية قليلة الأدب، لم نسمع ـ ولا أظن اننا سوف نسمع عن «المدرس ياردير» أو «الرسام ياردير» أو «المثقف ياردير» أو «الطبيب ياردير» أو «العالم ياردير» مثلا، والعبرة ليست بالوصول الى الموضع «الملياري».. ولكن الوصول المشروع يكون بالأسلوب المشروع وبالجهد المشروع وبالعرق المشروع، وليس بالقفز بين غمضة عين وانتباهتها الى «المليرة» بمأمأة مطرب أو بهزة وسط فنانة أو بـ «كلبنة» فيديو، نسبة الى «الكليب» وليس الى «الكلاب» كما سوف يتبادر تلقائيا الى أذهان المبتلين ليلا ونهارا بهذا «الكليب»!!