يشهد الشارع الباريسي البرجوازي قرب برج ايفل حيث عاشت المغنية العالمية ماريا كالاس آخر سنوات عمرها وهي تعيد سماع أعظم أغانيها في ساعات الليل، يشهد هذا الشارع افينو جورج مانديل موت كالاس مرة اخرى. فقد عاد الشارع هذا الصيف الى ما كان عليه عام 1977 الذي توفيت فيه كالاس ليصطف معجبوها بملابس الجينز الكلاسيكية وسيارات الرينو والستروين التي تعود لذلك الوقت في أول يوم من أيام تصوير فيلم «كالاس للأبد» حيث المخرج فرانكو زيفيريللي من على مقعده تحت شجرة جوز في الشارع يوجه الممثلين والفنيين في مشهد موت النجمة الذي سيكون آخر مشهد تظهر فيه في الفيلم. «كالاس للأبد» الذي بلغت تكاليفه 14 مليون دولار وتدور أحداثه في الشهور الأربعة الأخيرة من حياة هذه المغنية اليونانية ليس مجرد فيلم آخر يضاف الى 14 فيلما اخرجها زيفيريللي حتى الآن والذي رشحه آخرها «روميو وجولييت» للفوز بجائزة الاوسكار الى جانب افلام شهيرة مثل «ترويض النمرة» من بطولة ريتشارد بورتون واليزابيث تايلور وفيلم «كأس شاي مع موسيليني». «كالاس للأبد» هي محاولة من جانب زيفيريللي للغوص في الأيام الأخيرة لصديقة كانت تثق به جدا خصوصا خلال علاقتها العاصفة بثري الازياء الملياردير اليوناني ارسطوطل اوناسيس والتي انتهت بخيانته لها وجريه وراء السيدة الامريكية الأولى المترملة جاكلين كينيدي. كذلك كانت كالاس صديقة زيفيريللي الذي اخرج أعمالها الاوبرالية والذي حاول لاحقا اخراجها من عزلتها واكتئابها حينما لم يعد صوتها يلبي التميز الغنائي الذي اعتادت عليه وارادت ان يبقى. وقد اختار زيفيريللي ان يسرد على جمهوره مجريات تلك الايام بأسلوب قصصي روائي، مع ان الفيلم الذي سيطل على السينما العام المقبل بمناسبة مرور 25 عاما على وفاتها مليء بالاشارات الى ما قد حدث فعلا. وتدور قصة الفيلم حول منتج انجليزي هو لاري كيلي الذي يقوم بدوره جيرمي ايرونز يحاول ان يغري ماريا كالاس التي تؤدي شخصيتها فاني اروانت للخروج من عزلتها الباريسية. ويعرض المنتج على كالاس ان تلعب شخصية البطولة في فيلمين اثنين تؤدي في الأول شخصية توسكا وفي الثاني شخصية كارمن. لكن هناك نقطة واحدة صعبة وهي ان الفيلم سيستخدم تسجيلات قديمة لها تعود الى 20 عاما مضت وهي التسجيلات الأفضل في مسيرتها الغنائية. كما ان تقنيات الماكياج الساحرة ستعيد لها جمالها الذي كان حين ادائها لتلك التسجيلات. وترفض كالاس في البداية، ولكن بمساعدة صديق صحفي لها، تقتنع وتبدأ بتصوير الفيلمين. وأثناء التصوير يبدو أداؤها غير مقنع وصوتها ليس الا ظلا باهتا لمجدها التليد. وتبدأ تدريجيا تعي ان علو كعبها في عالم الفن هو الذي سيكون على المحك اذا ما أكملت المشروع فتقرر الانسحاب الى عزلتها في شقتها من جديد، لكن لصالحها هذه المرة. في موقع التصوير كانت الشيخوخة قد تركت على زيفيريللي آثارها الواضحة حتى انه ما كان يستطيع الوقوف متوازنا الا لفترات وجيزة. وكان يتحدث الى مدير التصوير اينيو جوارنيري بصوت هامس ضعيف والآخر ينحني نحوه ليسمعه قبل ان يكرر توجيهاته بصوت جهور. لكن ذهن زيفيريللي كان متقدا كما هو شأنه أبدا. وكل بضع دقائق يرفع يديه الى مستوى رأسه ليسرع اثنان من مساعديه ويمسكان بهما ليتمكن من الوقوف ويتطلع في الكاميرا ويطمئن على وضعها. ويتجمد موقع التصوير حين وصول آردانت، ويقترب المصورون منها فتشير بأصبع يدها المتشحة بقفاز من الساتان الاسود نحوهم: «لا أريد ان يصورني أحد اليوم، أنا غير مستعدة ولا أضع ماكياجا». لكن لن تكون هناك حاجة للماكياج في «كالاس للأبد» لأن كل ما سيصوره زيفيريللي منها هو ظهرها وهي تتمشى في الشارع الشهير الى ان تضيع من عدسة الكاميرا. ولم تعجب الوردة التي تحملها آردانت المخرج، فيلتفت الى باقة ورد بجانبه ويختار لها اخرى، للفنانة التي تسأله وهي تتحسس حافة قبعتها: «هل ترى إني بحاجة للقبعة في هذا المشهد فعلا؟». ويقول لها زيفيريللي: «نعم يجب ان تكوني رائعة دوما». ويتحسس المخرج العجوز حرير تنورتها وشالها وشكل عقدته تحت عقدها الذهبي بأحجار الاماتيست. زيفيريللي لن يصور لنا كيف ماتت كالاس، فالنص الأصلي للسيناريو الذي تشكل فيه صورة شهيرة لها أساسه التقطت لها وهي تطل من نافذة شقتها وتسحب الستائر لاغلاقها يصعب تصويرها. ذلك ان مالك الشقة التي عاشت فيها قد تعب من فضول معجبيها ورفض السماح له بالتصوير داخلها. ولهذا اجرى زيفيريللي أول تغيير على السيناريو الذي وضعه مارتن شيرمان بحيث سيصورها وهي عائدة الى شقتها. وبعد هذا المشهد ينبيء المخرج المشاهدين بموتها وتاريخه لينتهي الفيلم. يقول شيرمان: «ان زيفيريللي يحس بشكل شخصي وعميق بمأساتها، والسرد الروائي للقصة يعطيه حرية أكبر في الاقتراب اكثر من الحقيقة مما لو تبنى سرد سيرتها. ولو لم نعمد الى ارجاع كالاس الى المسرح فما كانت ستتاح لنا الفرصة لمواجهة المعضلة الأساسية ولكننا سنسرد قصة امرأة تعيش وحيدة دون ان نتمكن من تحويل ما تحس فيه بداخلها الى دراما». وقد قرأ شيرمان قبل وضعه السيناريو كل قصاصة ورق وقعت عليها يداه عن حياة كالاس. ويقول عن الشبه بين شخصيتي المغنية الشهيرة والمخرج العجوز: «كلاهما متطرفان في البحث عن الكمال ولا يرضيان بأقل مما يحقق لهما رؤيتهما، والفارق الوحيد بين الاثنين هو الحب، فزيفيريللي حظي بالكثير من الحب وآخره هو من ترونهم حوله ويعملون معا كأصدقاء في فريق واحد.



