كانت الغابة الاستوائية يوما امتدادات لانهائية من اللون الأخضر النضير، لكنها ليست الآن سوى امتدادات لانهائية من سهوب السافانا العارية والصفراء. وتوجد هنا وهناك بعض الاشجار لاتزال تقف مذكرة بما كانت عليه غابات الامازون المطيرة. طبعا هذه ليست صورة تشاؤمية عن المستقبل، بل هي النظرية التي وضعها العلماء منذ وقت طويل لتصوير ما حدث لهذه البقاع خلال العصور الجليدية. كما انها نظرية حظيت بالقبول العلمي لعقود عديدة لأنها تفسر واحدا من أكبر اسرار الطبيعة وهو: لماذا تتميز الغابات الاستوائية بهذا التنوع الحيوي المذهل. تقول هذه النظرية انه في كل مرة يدخل فيها العالم عصرا جليديا تتعرض الغابات الاستوائية لضربة قاسية. فالهواء البارد الذي يهب من القطبين يغير النموذج السائد للرياح ويبتلع كل الرطوبة التي كانت تغطي المنطقة الاستوائية. وهكذا تموت الغابات الاستوائية لتبدأ الببغاوات والقرود الجميلة والغريبة تجوس الأرض بحثا عن ملاذ في شجرة متبقية هنا واخرى هناك. هذا الوضع يوجد ملاذات حيوية معزولة عن بعضها تتطور منها النباتات والحيوانات بمعزل عن اقرانها من ابناء جنسها، وحينما تتعافى الغابة من جديد تعود الى سابق أمجادها وازدهارها وتكون هناك فصائل حية جديدة كثيرة وهو ما يسبب هذا التنوع الحيوي الزاخر الذي نراه فيها اليوم. وهذا تفسير بسيط ومقنع ولا عجب ان علماء البيئة قد وضعوا كامل ثقتهم به. لكن المشكلة الوحيدة التي تواجه هذا الزعم هي انه قد يكون خاطئا إذ ان باحثا مثابرا ظل طوال العقود الماضية يحفر ثقوبا عميقة لسبر أغوار تلك الادغال ويبحث عن حبات غبار الطلع العتيقة ويختبر هذه النظرية السائدة. والنتيجة التي توصل لها هي ان الامازون قد كان أبدا غابات دون انقطاع حسب ما تشير اليه كل البيانات التي حصل عليها، فلا سهوب ولا سافانا، فقط غابات. والآن بدأ العالم يصغي أخيرا لأبحاثه التي تركت العلماء من جديد في حيرة من أمرهم بحثا عن تفسير للغنى الحيوي في الغابة الاستوائية. كما ان وجهة النظر الجديدة هذه تثبت ان الغابة الاستوائية أشرس مقاومة للتغيرات البيئية مما يعتقد الى حد بعيد.يذكر ان غابات الامازون المطيرة هي المكان الأكثر تنوعا حيويا على الأرض، إذ تعيش هناك حوالي 80 ألف فصيلة نباتية و30 مليون فصيلة حيوانية. وفي عام 1996 وضع العالم الألماني يورجن هافر فكرة الموت في العصر الجليدي وجزر الاشجار لتفسير هذا النوع. وفي ذلك الوقت كانت هذه النظرية تتوافق على نحو ملائم جدا مع الدراسات التي تقول ان افريقيا تعرضت لجفاف كبير في العصر الجليدي الأخير. لكن الدليل على جفاف الامازون لم يكن بذلك الوضوح. لكن بول كولينفوس الباحث في علم الاحياء في مختبرات وودزهول للعلوم الحيوية في ماساشوسيتس قرر ان يختبر هذه النظرية ولهذا حزم اجهزة السبر والحفر عنده ومضى جنوب الغابات المطيرة. وكانت فكرة كولينفوس بسيطة مفادها انه اذا عثر على بقعة من الأرض تراكمت تربتها على مدى ألفي سنة الماضية فإنه يستطيع ان يسبرها ويرى فيما اذا كانت تحتوي على غبار طلع من الاعشاب والاشجار أم لا، واذا ما صادف انخفاضا في كثابة غبار الطلع في التربة أو ارتفاع حاد في كثافته من أصل عشبي فإن ذلك سيتوافق مع نظرية هافر ويثبت صحتها. لكن الجزء الصعب في خطة كولينفوس هو العثور على هذه التربة ذلك ان معظم أرض الغابة تتكون من تراكمات عميقة من جذور الاشجار المتشابكة في الوقت الذي تمتد شبكة من الانهار في كل غابة الامازون بحيث تجرف معها معظم التربة الجديدة أولا بأول. أما الباقي فيتحول معظمه الى طمي قاس احمر خال من غبار الطلع. لهذا كان كولينفوس بحاجة الى بحيرة ظلت موجودة في مكانها لمئات بل لآلاف السنين، حيث تستقر فيها الرواسب من التربة المنجرفة التي تأتيها من الانهار ممزوجة بغبار الطلع. وبدت له بحيرة باتا في غرب البرازيل مكانا واعدا لبحوثه، فالمطر يجرف معه غبار الطلع من الاشجار والتربة الى البحيرة باستمرار ثم يتسرب الماء الى جوف الارض من البحيرة عبر مسامات التربة مخلفا وراءه الرواسب التي أتى بها في مقر البحيرة. وليس هناك أي منفذ تخرج منه المياه من البحيرة لتجرف اياً منها في رواسبها، ايضا توجد البحيرة فوق طبقة صخرية صلبة الأمر الذي يشير الى انها موجودة في مكانها منذ أمد بعيد. أما المشكلة الوحيدة التي واجهها فهي وصول البحيرة.وبعد المصاعب الاسطورية في الوصول استطاع كولينفوس ومساعدوه أخذ عينة بطول 65 أمتار من قاع البحيرة حيث أظهر اختبار تحديد عمر الكربون ان المتر الأخير منها يعود الى 30 ألف عام مضت أي في منتصف العصر الجليدي الأخير. وقد أمضى كولينفوس وصحبه شهورا من العمل الدؤوب والمتعب بحثا بين بقايا الرواسب الطينية عن حبات غبار الطلع حيث حددوا 450 عائلة نباتية مختلفة، وما عثروا عليه يجعل من نظرية الملاذات المعزولة مهزوزة جدا. وعلى طول العينة توالت الادلة المتواترة دون انقطاع عن وجود الاشجار دون أي ازدياد ملحوظ في غبار الطلع ذي المصدر العشبي. وباعتبار ان غبار الطلع يمكن ان يطير مع الريح لمسافات طويلة كما يقول كولينفوس فإن محتوى الرواسب من غبار الطلع لا يمثل فقط المنطقة المحيطة بالبحيرة. ويضيف: «لو كانت أي من هذه الامتدادات التي تحيط بالبحيرة سهول سافانا في عصر من العصور لرأينا الدليل على وجودها في رواسب البحيرة». وان كان البعض يمكن ان يشكك في هذا الطعن بنظرية الملاذات بالقول ان منطقة البحيرة نفسها قد تكون ملاذا اثناء آخر عصر جليدي، فإن كولينفوس تلا ذلك بخمس سنوات من السبر والتحليل لقيعان البحيرات في الامازون ووصل في كل منها الى ما لا يقل عن 30 ألف عام من الزمن وكانت النتيجة هي ذاتها دوما: لا سافانا ولا تراجع للغابة. جلال الخليل
