بيان الكتب: ليس كل ما يلمع ذهبا.. فرغم أن هذا الكتاب يتناول واحدا من أهم موضوعات الساعة إلا أنه ترد عليه ملاحظات عديدة تقلل من قيمة إسهامه في مجال موضوعه ويمكن القول انه كتاب نموذجي في كم الملاحظات النقدية التي يثيرها، وهو ما يجعلنا نتساءل حول ظروف إصداره رغم أن الدار التي قامت على تلك المهمة معروفة بإسهاماتها التي تصب في رفد الواقع العربي بالمزيد من الإضافات الثقافية المهمة التي تثري حياتنا العربية. بشكل عام وكما يبدو من العنوان يتناول الكاتب موضوع الاغتيالات السياسية الكبرى وهو في تحديده لإطار موضوعه يغوص في أعماق التاريخ فضلا عن تناوله في الواقع المعاصر. وحسبما يشير المؤلف فقد شهدت الانسانية طوال تاريخها قضايا لها علاقة مباشرة بالاغتيالات وتناقلت الأحداث التاريخية روايات التآمر والخيانة والثأر والسعي من أجل السلطة وكانت لابد وأن تقود حتما الى استخدام الاغتيال والتصفية كشكل من أشكال الصراع السياسي. وقد قسم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول تناول في الأول منها المفهوم والمصطلح ومن خلاله عرض لقصة قابيل وهابيل ثم ما أسماهم الخنجريين وهم من استعملوا الخنجر في الاغتيال ؟ ويعرض في الفصل الثاني لما يسميه مدخلا عاما في الاغتيال متناولا من خلاله مدخلا عاما في الاغتيال ثم جولة بانورامية في التاريخ وما يسميه الاغتيالات والاغتيالات المضادة ثم الحديث عن المرأة والاغتيال. أما في الفصل الثالث فيتناول الكاتب بدر عبد الملك الاغتيال الثالوثي الديني ممثلا في اغتيال الخلفاء الراشدين الثلاثة عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب. أما في الفصل الرابع فيعرض المؤلف لاغتيالات القرن العشرين تحت عنوان اغتيالات الكاريزما بدءا من فرانز فرديناند ولي عهد النمسا في عام 1914 ثم لينين 1918 ثم مايكل كولينز (ايرلندا1921) ثم تروتسكي 1940 ثم المهاتما غاندي 1948 ثم انديرا غاندي 1984 ثم ابنها راجيف غاندي 1995 ثم جون كيندي 1963 ثم مارتن لوثر كينج 1968 ثم ارنستو تشي جيفارا 1967 ثم ماسيو لويس كولوسيو 1995(المكسيك) ثم باتريس لومومبا 1961 ثم اولف بالمه 1986 ثم أنور السادات 1981 ثم يختتم تناوله بالتعرض لاغتيال اسحق رابين، 1994 ويختتم المؤلف كتابه بفصل خامس تحت عنوان مشروع اغتيال مؤجل. هذا هو الإطار العام للكتاب من خلال عرض ملامح الفصول التي تناول من خلالها الكاتب بدر عبد الملك موضوعه.. والذي يشير في معرض تفسير إقدامه على الخوض فيه انه ينطلق من أن الاغتيالات السياسية أصبحت شبه عادية في زمننا المعاصر فبين الفينة والفينة نشاهدها على شاشات التلفاز ونقرأ عنها في الجرائد ونسمع أخبارها في الإذاعة حيث تغطي الاغتيالات كل كرتنا الأرضية وهي تمس الناس العاديين والكوادر والزعماء وهو يحدد هدفا يبدو طموحا وهو تجاوز العروض المعلوماتية الطابع والتي تنقصها الدقة والموضوعية والنظرة التحليلية لظاهرة الاغتيالات وهو ما حاول تجاوزه من خلال هذا الكتاب. غير أنه كما سبق أن ذكرنا في بداية حديثنا ترد ملاحظات عديدة سواء على منهج الكاتب في تناوله للموضوع أو حتى مضمونه. بداية حاول الكاتب صب كتابه في قالب علمي على شكل دراسة متأنية غير أن هذا الهدف ضاع منه في سياق الكتاب فقد ضمن عبد الملك فصول كتابه أبوابا مع أن العكس هو الصحيح أي أن التقسيم يقتضي أن تحتوي الأبواب فصولا، فضلا عن ذلك ساد خلط شديد لدى المؤلف بين المتن والهامش فلم نعد نعرف ما هو متن وما هو هامش وتزداد حالة عدم الدقة مع إيراد مواد في هامش الكتاب هي من صلب المتن والعكس.. انظر مثلا الصفحة 79 وفيها يورد الهامش في قلب المتن في نهاية الفقرة الأولى بالصفحة. إلى جانب ذلك توسع الكاتب في بعض الأحيان في هوامشه بشكل يشير إلى أزمة التدفق المعلوماتي في عصرنا..فمن الواضح أن الكاتب استطاع الوصول إلى كم من المعلومات كبير من مادة موضوعه غير أنه في بعض الأحيان قام بإيرادها كما هي دون حتى اجتهاد في صياغتها و(تضفيرها) رغم أهميتها في إطار تناوله لموضوعه. إذا أضفنا إلى ذلك كثرة الأخطاء اللغوية والإملائية فإن المسألة تبدو متجاوزة لكافة الحدود.. ومن ذلك قوله ص 77 : و(هزت) قتله العالم المسيحي برمته في اطار حديثه عن اغتيال الملك هنري الثاني صديقه الحميم كاهن كانتربري! الى جانب ذلك فإن كلمة ببطء كثيرا ماوردت في الكتاب هكذا (ببطئ) أما كلمة تجرؤ فترد (تجرأ) وغير ذلك كثير.. فضلا عن النقلات غير المنطقية ليس بين فصل وآخر أو بين فقرة وأخرى وإنما في إطار السطر الواحد! ففي الصفحة 56 تجده يتحدث عن الإرهاب الامريكي ومنظمة الكوكلوكس كلان وينتقل فجأة الى الحديث عن الفكر الوهابي.. في موضع آخر بينما يتحدث المؤلف عن اغتيالات الستينيات والسبعينيات نجده ينتقل الى الحديث عن الاغتيال في التاريخ الساساني ثم الى دسائس الامبراطورية الرومانية. فضلا عن تكرار المادة نفسها بشكل آخر في صفحات متتالية دون أي مبرر منطقي.. ومن ذلك مثلا حديثه في الصفحة 58 عن قصة لصلاح الدين مع الخنجر واعادته للقصة نفسها في الصفحة 76. وكذلك تكرار الحديث عن ظروف مقتل مايكل كولينز الايرلندي بسبب توقيعه اتفاقية سلام لحل مشكلة ايرلندا في صفحتي 186 و192. مما يدعونا للتساؤل حول الطريقة التي تم بها تأليف الكتاب، وهل هو كتاب مؤلف أم كتاب مجموعة مادته؟ ومن الشكل إلى المضمون وبداية نقول في هذا الخصوص.. لقد ظلم الكاتب نفسه وظلم موضوعه في الوقت ذاته باختيار هذه المساحة الزمنية لتناول قضية بهذا القدر من الدقة والحساسية ولعل ذلك هو السبب الأساسي في انفراط عقد المادة من يد المؤلف ما حال دون خروجها بالشكل المناسب.. ولعل ذلك ما دعا الكاتب الى التأكيد أنه لا يسعه أن يفصل أو يدرس جميع محاولات الاغتيال اليومية في القارات الخمس. وحتى نخرج من العموميات نتساءل ما هي أهمية أن يورد المؤلف قصة قابيل وهابيل في إطار كتاب يتناول الاغتيالات السياسية الكبرى، ومن قال ان هذه القصة تندرج في إطار الاغتيالات السياسية ؟ أما عن تخصيص المؤلف بابا كاملا تحت عنوان الخنجريون والحديث عن مدرسة في الاغتيال هي تلك التي تستخدم الخناجر فهو باب يدعو للتساؤل حول أسباب وجوده، فمن الطبيعي أن يكون الخنجر هو الأداة الرئيسية في الاغتيالات في عصور معينة لم يكن ظهر معها - الى جانب السم - شئ آخر.. وإلا فبماذا كان يمكن أن يتم الاغتيال. ويعرج في هذا الخصوص على (الخنجريين العرب) وهو ما يعبر عن ولع ب(نحت) مصطلح ولكنه في غير محله !وهو يستطرد في هذا الجزء لزوم الإطناب دونما داع فتجده يشير الى أن ظاهرة (الخنجريون العرب) باتت واحدة من الظواهر التاريخية المهمة فهم يتكررون في كل مكان وكل زمان وفي تدليله على حديثه ذاك يعرض لبعض ممارسات الجماعات الاسلامية في مصر وما أشيع عن استخدام فئات منهم مطاوي قرن الغزال! ويفصل في هذا الجزء تفصيلات لا مجال لها من موضوع الكتاب. ويصل الأمر حد أنه يورد أنباء عن تعرض خمسة فلسطينيين لحوادث طعن بالسكاكين. وفي نهاية هذا الباب الخاص بالخنجريين يعرض خلاصة خنجرية يقول فيه: لقد توالت السلسلة التاريخية للاغتيال بالخنجر لدوافع سياسية وعاطفية وبمبادرات فردية أو جماعية نظمتها جماعات ما في صراعها السياسي مع الآخر®. بهذه النماذج التاريخية المنتقاة أو المتباعدة في تاريخيتها على سبيل المثال وليس الحصر تصبح صورة الخنجريين وأفعالهم شكلا حياتيا محسوسا وقائما بين ظهرانينا. ما معنى هذا؟. بعد ذلك وفي فصله الثاني الذي يعرض المؤلف فيه لجولة بانورامية حول الاغتيال نجده يعرض لحضارات مختلفة وحقب متوالية في اطار من العموميات تفقده القدرة على تقديم رؤية خاصة للمفهوم أو الموضوع الذي يتناوله. فنجده يشير الى أن اليونان القديمة عرفت سلسلة من تلك الاغتيالات طالت أروقة القصور أو حمامات القياصرة والأباطرة من مثل اغتيال كوكودوس الابن اللامسئول لماركوس اورويليوس عام 192 واغتيال كاليجولا واسمه الحقيقي جايوس قيصر عام 41 قبل الميلاد على يد أحد ضباطه بسبب اهانة كاليجولا المستبد له علانية. كما يعرض قصة اغتيال يوليوس قيصر عام 44 قبل الميلاد من قبل بروتوس ابنه بالتبني ومقولته الشهيرة التي استمد منها (العنوان التجاري ) للكتاب: بروتوس مازال حيا.. معتبرا أن تلك القصة الشهيرة ذات دلالة عظيمة للغدر من الداخل وليس من الخارج وهو مثال تاريخي حي على الاغتيال من أجل دفة الحكم داخل العائلة والأقرباء. ومن العجيب أن المؤلف يورد حكايات من الميثولوجيا الإغريقية وأدب شكسبير والكتاب المقدس كجزء من الحديث عن قضايا الاغتيال!! فنجده يشير الى اغتيال الملك داوود اوريا الحثي زوج المرأة الجميلة التي اغواها ثم قرر التخلص من الزوج ويحكي تفاصيل هذه المؤامرة. يبقى من الغريب مع ذلك أن يشير الكاتب في اطار حديثه عن الصين في القرن السادس عشر ضمن موضوع الاغتيالات الى أن قانون الارث عند المسلمين مبهم غير واضح البتة! وهي فقرة تبدو مقحمة وليس لها معنى في سياق الحديث في هذا الجزء! أما بالنسبة لجزء المرأة والاغتيال فمن الواضح أنه جاء على شاكلة جزء قابيل وهابيل وهو جزء كان يمكن الاستغناء عنه تماما دون أن يؤثر في جوهر الموضوع. في فصله الثالث نجد الكاتب يكرر كل ماهو معروف عن قصص مقتل الخلفاء الراشدين الثلاثة مستعينا بما كتبه طه حسين وغيره مع محاولة اسباغ مصطلحات حديثة على تطورات تلك الفترة فحركة الخوارج هي اول عملية اغتيال جماعي تخطط بهدف تصفية شخصيات سياسية ترى بغيابها أن النظام السياسي ينتقل الى مرحلة يرونها صوابا في الاسلام. ولم يكن الكاتب موفقا في استخدامه تعبير أو مصطلح الحركة في وصف ظهور الاسلام مشيرا الى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان الشخصية الأولى في تلك الحركة الجديدة.. فالاسلام دين شامل وليس حركة سياسية أو اجتماعية. ونأتي الى الفصل الرابع وهو الأهم والذي يمثل من وجهة نظرنا الموضوع الأساسي للكتاب بالشكل الذي أراد المؤلف الحديث عنه ويبدو أن كل ماسبق حواشى ارتأى بدر عبد الملك ضرورتها لايجاد مجال للتوسع في مادته. بداية أول ملحوظة ترد على ذلك الفصل عنوانه وهو اغتيالات الكاريزما.. فليست كل الشخصيات التي تعرضت للاغتيال من تلك التي ذكرها المؤلف يمكن أن نعدها شخصيات كاريزمية فاذا اعتبرنا أن غاندي وجيفارا شخصيات كاريزمية - وهما كذلك بالفعل - فإنه من الصعب أن نعتبر أن السادات ورابين كذلك وليس أدل على مانقول مما يشير اليه الكثيرين من أن مشكلة السادات مثلا أنه جاء في أعقاب حكم شخصية كاريزمية هي الرئيس عبدالناصر في حين أنه لم تتوافر فيه أي صفات يمكن أن تؤهله لذلك. بيد أن ميزة هذا الفصل أنه يوفر للقارئ غير المتخصص فرصة للاطلاع على أبرز اغتيالات القرن العشرين والاحاطة بظروف هذه الاغتيالات خاصة أن المؤلف اختار أبرز مجموعة من القادة والثوريين الذين كان مقتل بعضهم علامات فارقة في تحولات القرن العشرين. فهو يعرض لنا ظروف اغتيال لينين ولمحات من صراعه مع ستالين ثم يقدم لنا تفاصيل عملية اغتيال تروتسكي وهكذا.. ويحاول المؤلف هنا أن يضع اطارا تنظيريا يمكن تفسير عمليات الاغتيال لهذا النوع من الشخصيات من خلاله ويدرجها تحت أربعة أنواع من الاغتيالات هي.. اغتيالات المؤسسة: وهي في حالات اغتيال فرانز فرديناند (النموذج النمساوي) وجون كيندي ولوثر كينج (النموذج الأمريكي) وجيفارا (النموذج اللاتيني) باتريس لومومبا (النموذج الأفريقي) اولف بالمه (النموذج الاوروبي) اغتيالات الحزب: وهي في حالات لينين وتروتسكي (النموذج الروسي) ومايكل كولينز (النموذج الأيرلندي) وماسيو لويس كولوسيو (النموذج اللاتيني) اغتيالات الطائفة أو الجماعات الدينية المتطرفة: المهاتما غاندي وانديرا غاندي (النموذج الهندي) انور السادات (النموذج المصري) اسحق رابين (النموذج الاسرائيلي) . اغتيالات حركات التحرر: راجيف غاندي. بالطبع يظل هؤلاء مجرد نماذج لمن تعرضوا للاغتيال وقد كان يمكن اثراء هذا الجزء بالحديث بشكل اكثر تفصيلا وبرؤية تحليلية تتجاوز الاطار المعلوماتي الذي قدمه بدر عبدالملك والذي لايمثل في أي الأحوال إضافة خاصة به. أما في الفصل الأخير والذي يستعرض المؤلف فيه مايسميه مشروع قتل مؤجل فيشير فيه الى تزايد احتمالات تواصل ظاهرة الاغتيالات ويقدم تصورا ببعض القادة الذين يمكن ان تكون حياتهم معرضة لخطر الاغتيال. ولأن الموضوع من الأهمية بمكان في ظل تنوع مظاهره في حياتنا المعاصرة نتصور أنه مازال خصبا للتناول من قبل الكثيرين في ضوء عدم تحقيق الكتاب للمهمة التي حددها له المؤلف الا وهي تجاوز العروض المعلوماتية الطابع والتي تنقصها الدقة والموضوعية والتي تجعلنا ندرج الكتاب في الخانة نفسها التي حاول تحاشيها وهي التي نطلق عليها كتب (التيك اواي) وهي ظاهرة باتت منتشرة في سوق الكتاب العربي في ظل تطور حركة الطباعة والنشر. بقي أن نقول أن ذلك كله لايقلل مما بدا من حرص من الكاتب على الغوص في كافة المراجع الممكنة للحصول على معلومة من هنا أو هناك تثري كتابه بدأب يحسد عليه.. غير أن تحفظنا هنا على النتيجة النهائية وهي خروج الكتاب بالشكل الذي عرضنا له. مصطفى عبدالرازق