بيان الكتب: سيصعب العثور على ذاكرة روائية مباشرة وقريبة لعالم مملكة الأخيضر الطريف والبريء والبكر والمبتكر ربما نجد جذراً لها في نص «الأمير الصغير» لـ دو سانت اكزوبيري وامتدادا من «أليس في بلاد العجائب» لكارل لويس، ولا تخلو من ظلال خاطفة لزكريا تامر، انها رواية تستعيد الطفولة قصداً كما يقول كولدرج في وصف الشعر وتعريفه. وفي الاهداء المصدر للرواية يفصح الباحث والمترجم والروائي محمد علي اليوسفي صاحب رواية توقيت البنكا الفائزة بجائزة النقد للرواية عن فكرة الرواية المولودة مع ابنته الطفلة التي يهديها نصه في حاضنتها الزجاجية وقد استمر العمل فيها ثلاث سنوات ابتدع فيها 170 حكاية متقاطرة بمعدل حكاية لكل صفحة شكلت بتضافرها وتجدلها الحكاية الكبرى لمملكة الأخيضر، وعالمها الملون الخلاب. مملكة الأخيضر حكاية فنتازيا وفيلم كرتون للكبار ورواية شعر لا شعر لغة لكن شعر تفاصيل وأحداث وحياة وعلاقات تحاول ريادة كوكب اسمه الطفولة. «آسرة» هي الرواية وأبطال الرواية جدجودة و هي جدة (آسرة) التي تجاوز عمرها المئة وصار حجمها أقل من 1 و ترضع الببرونة!! بدلاً من حفيدها آسر وهو بطل الرواية الرضيع سنا والمراهق حركة والحكيم لغة والشاعر منطقا وبابا وماما وريحان والقط الأسود الشرير وهو ريحان أيضا رغم انه لا يشبه ريحان!! وبوشويشة الذي يقدم نفسه معرفاً على انه ليس آسر وقد يكون قطا أسود! ونمير الذي يعرفه آسر قائلا: «هو أخي الذي سيذهب إلى ماما وتلده» والكلب «تانجو» والجنديان التائهان «الدواس» و «اصبع الحناء» الذي يردد دوماً في حواراته جملة هزلية تحدد الوقت «وبوقرلو» وهو حشرة سوداء تقول الموسوعة المصورة انه الجعل، و «أبة» سائق سيارة الفحم الذي يردد الكلمات الأخيرة من كل حوار معكوسة و «ديدحان» مفكر الامبراطورية ورفيف الماء والتي عاشت في فقاعة ماء فناداها الهواء فخرجت بفستان قطيفة أحمر وكعب عال و«بربيش» راصد الكنوز وحامل الفخاخ و «كشبور» و«كرفوس» و «شبشوب» والشاعر الأبرق كردوس والرسام زاهي «بوتزريرة». الرواية ملفعة بقدر من التضبيب الفني واللبس لكي يماثل عالم الطفل المتاهي والهارب، والطيفي فعندما يسأل آسر بوشوشة عن سبب تسميته بآسر يقول ان هذا اسم للكبار فهم قد اختاروه كي ينادوه به ثم يكشف له ان اسمه السري هو نمير! وعندما يسأل بوشوشية عن اسمه الحقيقي يجيب «هنا أم هناك» ثم يقول ربما كان اسمي الأول هو آسر فيستغرب آسر عن سبب حمله اسمه فيقول انه الاسم الذي يقودني إليك وأنا لا أدري؟ يعرف ريحان الجغرافيا بأنها الخروج من البيت وثمة أربع طرق تقود إلى مملكة الأخيضر الطريق الأول هو التخيل وهو ينص ان فيها اوزا كثيراً وماء وحرساً أخضر، والطريق الثاني ان ينتظرها والطريق الثالث ان يذهب إليها، والطريق الرابع هي آسر نفسه! وفي الطريق إلى المملكة تجمع الحكاية ركابها فيركب في السيارة راكب جديد هو الرسام الزاهي بوتزريرة الذاهب إلى حيث «يغير الأمكنة التي تجمدت فيها العلامات» ثم الراكب الشاعر الابرق كردوس الذي «فاتته الطفولة ولو عاد إليها لما عرفها» والموسيقار كعباشي الكروالي بلحنه الحكيم الصامت غير المعزوف «فأحسن موسيقى هي التي لا تعزف». تزخر الرواية بالمفاجآت الشعرية والتأملات الفلسفية الكونية «الفكرة الصحيحة تأتي باكتشاف والخاطئة تأتي بالبيض». اختار الراوي تسمية طوباه ومكانه المحلوم والمأمول اسم مملكة الأخيضر كأنما ينشد مع بودلير «الجنة الخضراء للعشق الطفولي» وشعار المملكة ألوان تندفع بنفسها وتكتب في الفضاء مرحباً بالوقواق وفي المملكة سبع جهات سابعتها هي الباطن والحوارات تتم بصوت يأتي من الباطن وفيها مدرسة والمدرسة مهمة جداً في الحكاية «التي مثل الخدمة العسكرية بالنسبة للجندي» وعدة قرى مثل قرية السائرين في نومهم وقرية الزمن السكران وقرية الأشباح وقرية الأفراح وقرية الصمت». وقرية الأميرة ننجال هي عاصمة الحكاية وفيها يتوجب على الآباء الذهاب إلى المدرسة كي يدرسهم الأبناء فيعاقب الأطفال آباءهم «اكتب مائة مرة لن أعود إلى الضحك وقت الدرس» انه يذكر هنا بمقولة الفيلسوف ديوي الشهيرة حول تحول الآباء إلى أبناء بعد ولادتهم و «ننجال» هي أطرف الشخصيات قاطبة، وفي امارتها سبع ساعات من الفوضى يهرب فيها وزير الرياضة ليلعب بالكرة وحده والشعب كله يتفرج عليه ويلاحق وزير الثقافة الحشرات والسوس والأرضة التي تلتهم الكتب فيصطادها مستعينا بالمجهر وهو متمدد على بطنه ثم يجمعها ويصنفها ويحتفظ فيها في وزارته ويقتصد وزير الاقتصاد المقتصد بطبعه وخاصة في الحساب مكتفياً بصفر في الميزانية حتى لا يتعبه الحساب! هذه اللغة الناقدة الساخرة المتسربة من عالم الكبار السياسي الواقعي لا تطغى على العالم الطفلي الطريف أو تخرجه عن جادته كأطروحة في اجتراح الخيال وكتابة رسالة غفران جديدة ومغايرة ليس فيها غير المرح ولا تحول النص السردي لرواية أيديولوجية فهي أبعد ما تكون عنها بطيرانها في سماوات البراءة وهضاب الخبث الطفلي واتقاد الخيال فيها و تناميه إلا ان ذلك لا يثنينا عن التفكير في الرواية كمهرب من مرارة واقع. أحمد عمر