ربما كان «ابو حيان ـ علي بن محمد العباس التوحيدي» من اعظم كتاب النثر العربي، بما تركه لنا من كتب لاتزال قادرة على الحياة، واثارة التساؤل، بدءا من «الامتاع والمؤانسة» الى «البصائر والذخائر» الى «رسائله في علم الكتابة» الى «مقابساته» رغم ان «ابا حيان» قد احرق كتبه التي كانت بحوزته لكن ما وصلنا والتي عدها «ياقوت الحموي» سبعة عشر كتابا، كان قد انتشر في ارجاء البلاد العربية. ولد «ابوحيان التوحيدي» في بغداد سنة 310هـ من ابوين فقيرين، اذ كان ابوه يبيع نوعا من التمر يقال له «التوحيد» وجريا على عادة الانتساب للمهن، فقد انتسب «ابو حيان» وابوه من قبله لتلك المهنة ومن يطلع على اراء التوحيدي الادبية، وعلى افكاره الفلسفية والصوفية بخاصة سيدرك الى اي مدى كان هذا الرجل علامة عصره فقد كان شيخا في الصوفية، كما كان استاذا في علم الكلام وكان ايضا استاذا في النحو، اضافة الى انه امام في الفقه، وهو اضافة لذلك كله فيلسوف له آراؤه، وله اجتهاداته، بحيث يدرك متتبعه انه كان موسوعة ثقافية واستطاع ان يؤثر في معظم شخصيات عصره تمثل رسائل «ابي حيان» جانبا مهما في رؤيته فأول رسالة كتبها، هي رسالة السقيفة حيث شارك في ذلك الخلاف الناشب، والذي اشترك فيه الناس جميعا على اختلاف عقائدهم واعراقهم ومعارفهم وقد اسهم «التوحيدي» في ذلك برسالة فتنت الناس بروعتها الانشائية واسلوبها البلاغي اكثر ما فتنتهم بالافكار التي تضمنتها ثم تأتي رسالته في علم الكتابة حيث تعد هذه الرسالة من الاثار الفريدة في اللغة العربية، اثبت فيها «التوحيدي» بحكم مهنة الوراقة التي زاولها، سعة اطلاعه،ومعرفته بالخطوط وانواعها، ودقائق صنعة الخط، وتعتبر هذه الرسالة من اقدم ما نشر عن الخطوط العربية وقواعدها وانواعها. الرسالة الثالثة هي رسالة الحياة وهذه رسالة فلسفية صوفية عن انواع الحيوات التي يحياها الانسان وعن اسرارها وملابساتها الدنيوية والاخروية وتدرج الانسان فيها نحو الكمال العقلي مستشهدا بآراء الفلاسفة. اما رسالته الاخرى فهي رسالة في العلوم حيث ان «التوحيدي» عاش في القرن الرابع الهجري، ونحن واجدون في آثاره أصداء كثيرة لما حفل به هذا العصر من مختلف التيارات والحركات الفكرية والاجتماعية والتي حفل بها الكتاب والمفكرون. وقد قدم لنا «التوحيدي» عبر هذه الرسالة مختلف العلوم الاسلامية العربية متوخيا في ذلك الايجاز واقفا عند التعريفات المكثفة المركزة، التي توخى «التوحيدي» منها الدلالة على سعة علمه واستيعابه لانواع الثقافة الاسلامية في زمنه. ثم تأتي رسالته الى «ابي الفتح بن العميد» وكان التوحيدي قد رحل الى مدينة «الري» قاصدا الوزير البويهي، «ابا الفتح بن العميد» شأن الكثيرين من الادباء والشعراء املا في الفوز بعطائه، وكان قبل رحيله اليه كتب رسالة عاطفية مدحية، ضمنها شكواه من قساوة الحياة ثم يختمها: ايها الشمس المضيئة بالكرم، والقمر المنير بالجمال، والنجم الثاقب بالعلم، والكوكب الوقاد بالجود، والبحر الفياض بالمواهب، قد سقط العشاء بعبدك فأقره من نعمتك بما يضاهي قدرك. اما رسالته الى ابي الوفاء المهندس فقد خالفت ذلك لان ابا الوفاء كان من كبار علماء زمانه وبلغ المحل الاعلى في الرياضيات وكان احد الائمة المشاهير في علم الهندسة ويعد من كبار مترجمي «اقليدس وبطليموس» وكان «التوحيدي» قد لقي «ابو الوفاء» الذي اوصله الى الوزير «ابن العارض» والذي اكرم التوحيدي، فاهدى التوحيدي كتاب «الامتاع والمؤانسة» الى ابي الوفاء، اعترافا بفضله وجميل صنيعه. ان رسائل «التوحيدي» تعتبر من اصدق الوثائق على ذلك العصر ومعرفته ورجاله وطريقة التفكير فيه، كما انها تعرف بصاحبها اصدق تعريف. محمد سطام الفهد