درجت العادة على ان تلقى مهمة انقاذ العالم على عاتق ابطال خارقين، ولكن الآن وبعد ان باتت ملايين الاجناس النباتية والحيوانية تواجه خطر الانقراض أصبحت تلك المهمة واجبا على كل انسان مهما كانت قدرته. غير ان السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: من أين نبدأ؟ فنحن لا نعرف حتى كم عدد الأجناس الموجودة في الطبيعة، وحتى لو عرفنا ذلك، فإن الارقام تكون عديمة المعنى الى ان نعرف كيف تتفاعل الاجناس المختلفة مع بعضها البعض. إن جمع كل هذه التفاصيل يعتبر عملا مضنيا، الا انه بدون التفاصيل، كيف يمكننا ان نعرف النشاطات الانسانية التي لها التأثير السلبي الأكبر، ناهيك عن وضع طرق لتجنبها؟ وما نحتاج اليه هو طريقة لجعل التنبؤات تقوم على المعلومات المتوفرة لدينا، لكن علم البيئة الوليد كافح كثيرا من أجل وصف العالم الطبيعي وفهمه. وشأن علماء الفلك، واجه علماء البيئة نظاما فريدا لا يخضع للأساليب العلمية، كالتجريب والاستنساخ أو المعالجة. غير انه تماما مثلما تعلم الفلكيون التنبؤ بعمليات الكسوف وترتيب الكواكب، فإن علماء البيئة بدأوا الآن ببناء نماذج يمكن ان تفسر الأنماط في الطبيعة، وان تساعد في التنبؤ بكيفية رد فعل الانظمة البيئية على التغيير. أحد رواد هذا النهج في فهم التعقيد البيولوجي هو نيو مارتنيز من جامعة ولاية كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. وقد جعل مهمته تنحصر في دراسة الشبكات الغذائية، أي بمعنى آخر، مَنْ يفترسُ مَنْ في أي نظام بيئي؟ وكان تشارلز داروين قد وصف هذه الشبكات بأنها «صفوف متشابكة» يصعب فكها. لكن مارتنيز بدأ بتعقب الخيوط التي تربط هذه الصفوف الجميلة معاً. وتوصل الى طريقة لاكتشاف الكيفية التي تتفاعل بها الحيوانات والنباتات في بيئة معينة دون اللجوء الى العمليات المضنية من المراقبة وأخذ العينات، فنماذجه الحاسوبية تفتح المجال أمام فهم أفضل لكيفية تأثير عمليات انقراض معينة على التنوع البيئي ككل. وجاء اكتشاف مارتنيز عندما لاحظ وجود انماط غريبة في الروابط بين الاجناس الغذائية في الشبكات الغذائية. وعندما يتعلق الأمر بفهم العلاقات الطبيعية، فإن الاجناس الغذائية، وهي مجموعة من الكائنات الحية تشترك في الكائنات المفترسة نفسها، تكون اكثر صلة بالموضوع من الاجناس البيولوجية. وهي تشكل ايضا جزءا أكبر بكثير من التنوع البيئي الخاضع للدراسة. وأثناء عمله في بحيرة ليتل روك في ويسكونسن الامريكية التي تضم شبكة غذائية معقدة تحتوي على 92 نوعا من هذه الاجناس، اكتشف مارتنيز ان كل فصيلة كانت تعتبر فريسة لـ 15% من الأجناس الاخرى. وهو يصف هذا بلغة «الارتباط» أي النسبة التي تمثلها صلات المفترسين من بين كل تلك الصلات المحتملة داخل الشبكة الغذائية. واللافت للنظر هنا هو ان هذه النسبة من الصلات بين الاجناس «الارتباط» لم تتغير مع قيام مارتنيز باضافة أجناس جديدة لبناء صورة مفصلة للنظام. ويقول بهذا الصدد ان فرضية الارتباط الدائم تؤكد وجود توازن معين لتعقيد الشبكة الغذائية في الطبيعة. وهذا التوازن قائم بين الكائنات التي تأكل كل شيء وبين الكائنات التي لا تأكل شيئا، وقد تأكد هذا النمط الذي يتحدث عنه في طائفة متنوعة من الانظمة البيئية المعقدة من الصحاري والجزر الى مصبّات الانهار والبحيرات ان نسبة 10% لم تكن بالرقم السحري، ولكن مهما يكن الارتباط القائم داخل نظام بيئي معين، فإن تلك النسبة بقيت ثابتة، وعلى نحو غريب، بغض النظر عن عدد الأجناس الجديدة التي أضيفت الى الشبكة الغذائية. وفي الواقع فإنه لا توجد نظرية بيئية أو بيولوجية يمكنها ان تتنبأ بهذا النمط أو تفسره، إذن ما الذي يحدث؟ شك مارتنيز بأن الجواب يكمن في الطريقة التي تتم بها اقامة صلات جديدة عندما تدخل فصيلة جديدة الى النظام، سواء من خلال الهجرة أو التطور. ولمعرفة ما يحدث عندما تدخل فصيلة جديدة الى الشبكة، عمل مارتنيز كفريق مع ريتشارد وليامز من مركز رومبرج تيبورون للدراسات البيئية التابع لجامعة سان فرانسيسكو ستيت. وقد بدأ نموذجهما الرياضي بفكرة ان الشبكات الغذائية المعقدة تنشأ من نظام افتراس بسيط. ثم قاما بعد ذلك باضافة قاعدتين، الأولى مفادها ان الاجناس التي تحتل المرتبة العليا في نظام الافتراس الثابت تميل الى افتراس تلك الاجناس الأقل مرتبة منها. والقاعدة الثانية هي انه اذا قام كائن حي بافتراس فصيلين في شبكة غذائية فإن عليه حينها ان يفترس جميع الاجناس الواقعة بينهما في التسلسل الهرمي، ولهذا ـ على سبيل المثال ـ فإن سمكة القرش التي تتغذى على الاسماك الكبيرة مثل التونا وعلى الأسماك الصغيرة مثل السردين ستلتهم ايضا سمكة القد وأي سمكة اخرى متوسطة الحجم. وبادخال مقياسين فقط في النموذج وهما عدد الاجناس في شبكة معينة والارتباط القائم بين هذه الاجناس استطاع مارتنيز ووليامز ان يتنبأ بدقة بـ 12 صفة بيئية لتلك الشبكة. وهذه الصفات تشمل طول السلاسل الغذائية وعدد القوارت (التي تقتات بالحيوانات والنباتات) وآكلة اللحوم وانتشار المتخصصين (الذين لديهم نظام غذائي معين) والعموميين (الذين يأكلون كل ما يلوح بهم) وضعف وهشاشة المجموعات المتعددة من الاجناس، وهذه الأخيرة قد تكون الأهم من وجهة نظر حماة البيئة. لقد حظي نهج مارتنيز بتقبل جيد في الأوساط العلمية. ويقول ريتشارد سول من معهد سانتافي في نيومكسيكو: «لقد بذل جهدا كبيرا في استكشاف التناسقات التي تظهرها التفاعلات البيئية، وسيكون نموذجه مع وليامز مرجعا كلاسيكيا في علم البيئية». قد تكون هذه هي القفزة التي ينتظرها علم البيئة، ولكن من نواح معينة، فإن تفكير مارتنيز يعتبر محافظا تماما لأنه يعتبر الانتخاب الطبيعي القوة الدافعة وراء الأنماط البيئية. ضرار عمير