أظهرت قرود من فصيلة «البابون» من خلال تجارب في المختبر ملامح القدرة على التفكير، وذلك عندما استطاعت التمييز بين مختلف الصور على شاشة الكمبيوتر. وجاء هذا الاكتشاف مفاجئا، وهو يطرح تساؤلات جديدة عن التطور وعن الامور التي تميز الانسان عن بقية مملكة الحيوان. وقد نبه علماء فرنسيون وامريكيون الى ان قردي بابون فقط شاركا في تجارب المقارنة، وان هذين القردين سبق وان شاركا في اختبارات معرفية. كما انه توجب على القردين ان يكررا التجارب آلاف المرات ليتعلمان كيف تتشابه مجموعات من الصور أو تختلف عن بعضها البعض. وعلى الرغم من ذلك يقول الباحثون ان النتائج توحي بأن قرود البابون قادرة على الحكم على الاشياء عن طريق المقارنة، وهو شيء يقول علماء النفس انه أساسي في التعليل. وكانت قرود الشمبانزي وحدها من القرود الكبيرة التي تظهر مهارات من هذا القبيل في الاختبارات. وتنتمي قرود البابون الى قرود العالم القديم التي انشقت عن الانسان والقرود الشبيهة بالانسان على شجرة الحيوانات القردية البدائية قبل 30 مليون سنة. وتقول جويل فاجو من مركز ابحاث العلوم العصبية المعرفية في مرسيليا بفرنسا انه مع ان تمييز الرابط بين العلاقات قد لا يكون ضمن القوة الفكرية للبابون، الا انه موجود لديه على كل حال. وقد نشر البحث الذي أجرته فاجو مع ادوارد واسرمان ومايكل يونج في جامعة ايوا في مجلة علم النفس الاختباري. وقال عالم النفس كيمبرلي كيركباتريك من جامعة يورك في انجلترا وقد راجع الاختبار دون ان يكون مشاركا فيه ان الاختبار الأخير له تداعيات واضحة على صعيد فهم تطور العقل البشري. وأضاف كيركباتريك: قد تكون مقدرة البابون على مطابقة العلاقات مقدمة للتفكير التمييزي عند الانسان. ان دراسة القدرات عند غير البشر هو رديف لاستعمال السجل الاحفوري لرسم النهج الذي سار عليه الجسم. في الاختبار عرض على القردين وأحدهما ذكر والآخر أنثى مجموعات صغيرة الشمس ومصباح كهربائي ودماغ ويد. وفي مجموعة اخرى كانت الصور كلها لجهاز هاتف، وكان على القردين ان يستعملا مقبض جهاز كمبيوتري لتحريكه خلال عشر ثوان ووضع المؤشر على الصور المتشابهة والمتعارضة الظاهرة على الشاشة. وعندما قام القردان بالاختبار الصحيح للصور كوفئا بقرص غذاء له نكهة الموز مع الاستماع الى لحن موسيقي عال. وعند الاختيار الخاطيء سمعت موسيقى منخفضة مع الاستراحة دون طعام لسبع ثوان قبل تكرار الامتحان. وذكر الباحثون في تقريرهم ان القردين احتاجا الى تكرار التجربة 700 مرة قبل ان يتقنا التمييز بين مجموعتي الصور بثبات. وفي الاختبارات اللاحقة أضيفت صور اخرى للمجموعتين، بعضها مختلفة، مثل الساعة والدماغ واليد والمثلث، وبعضها تكرار لصورة زهرة، وكان على القردين البحث عن الصورة الجديدة الى جانب مجموعتي الصور التي تعلماها في التجارب السابقة. على سبيل المثال في التجارب المبكرة كانت المهمة مطابقة كافة المجموعات المؤلفة صورها من الزهور. ولكن في التجارب اللاحقة عرضت على القردين صور الزهرة مجتمعة ثم صور المثلثات مجتمعة ومجموعات مؤلفة من صور مختلفة. والجواب صحيح؟ زهور ومثلثات. ولم يكن مهما مطابقة الصور الحقيقية. والدرس كان العثور على المجموعات المتشابهة. وقد احتاج القردان في هذه التجارب اللاحقة الى تكرار المحاولة حوالي سبعة آلاف مرة قبل ان يتقنا الاختبار بدقة 80%. أما البشريون الذين أخضعوا لنفس التجربة فقد لزمهم 100 محاولة أو أقل لاتقان الاختبار. وقال العالم البيولوجي في جامعة ستامفورد روبرت سابلوفسكي الذي درس قرود البابون المتوحشة في افريقيا مدة 23 سنة انه لو كان على القردين اختيار أشياء مألوفة في حياة القرود لعلها كانت ستظهر مقدرة عقلية أكبر، خاصة لو عرض عليها صور لأطعمة تأكلها أو لأفراد قطيع معين من القرود أو حتى الضواري التي يخشاها قرد البابون.