بيان الكتب:من منا لم يسمع بطرزان أو يشاهد له فيلما ؟ خاصة في فترة شبابه الأولى، أكاد أجزم أننا جميعا سمعنا بطرزان وشاهدنا له أفلاما عديدة. فمن هو طرزان .. ومن مؤلف رواياته؟ .. إنه ادغار رايس بوروز، روائي أمريكي من مواليد سنة 1875 متوسط الطول، خشن البنية، محبا للحياة العسكرية بتأثير من والده الذي شارك في الحرب الأهلية الامريكية التي اندلعت سنة 1861م. كان والده يحكي له قصص الحرب حتى وقت متأخر من الليل، وهذا ساعده أن يكون له فيما بعد خيال طلق. كان إنساناً عادياً لم ينل حظاً جيداً من التعليم يؤهله للكتابة فهو لا يتقن قواعد لغته التي يكتب بها. وعاش حياةً كلها اخفاقات، طرد من الجيش وفشل في امتهان حرف بسيطة كبائع للمصابيح أو مصف للذهب أو حتى بائعا للحلويات والكتب.. فشل.. فشل، يلاحقه على كافة الأصعدة. ثم جاءت فرصة أن يصبح مندوباً لبيع «الكولا» وهي وسيلة لتشجيع المدمنين على شرب الكحول الى تركها، فراح ينشر الاعلانات في الصحف، وفي تلك الفترة بدأ يقرأ الروايات واعتقد أن الكتابة يمكن أن تكون وسيلة للكسب. شيء ما كان يدعوه للكتابة ولكن ماذا يكتب؟ كتب مرة ولم يقتنع هو بكتاباته. كان يريد أن يكتب عن عوالم تعيش في داخله هو ولا يعرفها أحد فذلك سيجنبه التساؤلات والتفاصيل، ويعطيه مساحة من الحرية في اختيار أبطال رواياته ويحميه من انكشاف أمره أو قل جهله، لذلك ابتدع مخلوقات لا يعرفها أحد كتلك التي تنتمي إلى عوالم غير عالم الأرض كالمريخ والقمر وغيرها من الكواكب كتب نصف رواية أسماها «دياتوريس ملكة المريخ» ثم تركها لعدم قناعته بها. ولكن لابد له من الارتزاق وقد أصبح يعيل زوجة وثلاثة أطفال ولدان وبنت، سأل دارا للنشرعن امكانية نشر رواية مثل رواية «دياتوريس ملكة المريخ» فجاءه الجواب بالايجاب والرغبة في إكمال الرواية وقبض بوروز 400 دولار وكان مبلغا كبيرا في حينه! وهنا تذكر بوروز كتاب ستانلي عن أفريقيا، ذلك الكتاب الذي ألهب خياله يوماً. فلم لا يكتب رواية تدور أحداثها في أفريقيا، ذلك العالم المجهول والموجود في آن واحد ويغري بما فيه من حياة مختلفة عن بقية بقاع الدنيا. فكر بوروز باختيار الاسم طويلاً الاسم الذي يحمله بطل يعيش وحيداً بين الحيوانات المتوحشة في أعماق الغابة وتربيه القردة يجب أن يكون اسماً موسيقياً وسهلاً وقصيراً، نابعاً من أعماق صرخة مدوية تحاكي صرخة حيوان مفترس انه طرزان - Tarazan هكذا كانت بداية فكرة بوروز لروايته الأولى عن طرزان وبطلنا طرزان ينحدر من أبوين انجليزيين هما اللورد «جون جرايستوك» والأم «أليس»، أبحرا في مهمة تجسسية على نظام إستعماري أوربي ثان في أفريقيا لكن يحصل تمرد على ظهر الباخرة، فيخشى قبطانها إعادة اللورد الى لندن تجنباً للمحاكمة فينزلهما على ساحل أفريقيا مع بعض الأمتعة. يبنيان لهما كوخاً ويرزقان بولد هو «طرزان» ترحل عنه أمه ميتة بعد الولادة. يجاور ذلك الكوخ قطيع من القردة بقيادة القرد الضخم «كرشوك» الذي يحوم حول الكوخ لحماية منطقته من الدخلاء متحيناً الفرصة للهجوم على أعدائه كرشوك يهاجم ويقتل اللورد «جرايستوك». لكن زوجة كرشوك واسمها «كالا» التي توفى مولودها قبل فترة قصيرة تنقذ الطفل من بطش كرشوك ظناً أنه ابنها فتربيه وتسميه «طرزان» هكذا ينمو طرزان في الغابة مع القردة، إلا أنه يدرك أنه مختلف عنها فخَلقه ليس كخَلقهم، فمه صغير وشعره قصير وصورته التي تظهر في الماء تؤكد ذلك. تلك بداية محفوفة بالمخاطر بالنسبة لكاتب مبتديء مازال يتلمس طريقه في عالم الكتابة ويخشى أن يفضحه جهله، فضلا عن إنه لم يزر أفريقيا، ولا لمرة واحدة في حياته، ولم يعش حياة المغامرات رغم أنه كان يحب ذلك العالم، عالم المغامرات . تصدر الرواية سنة 1914 وتنشغل بها الصحافة، ويصبح لها جمهورها بعد أن نشرت مسلسلة في جريدة جمهور متحمس لمعرفة النهاية ويطالب الكاتب بذلك ويرفد الجريدة بالمزيد من المعلومات عن أفريقيا وعن عالم الحيوان جمهور يبلغ به الحماس أن يجد العذر لهفوات الكاتب، فعندما يتحدث الكاتب عن النمر الأفريقي في روايته يغيب عن علمه أن النمر لا يعيش في أفريقيا، وأن النمر يعيش في آسيا، وهذا دليل على جهل الكاتب بالمحيط الذي يكتب عنه. ولكن الجمهور المتحمس للرواية وكاتبها يبرر للكاتب مثل هذه الهفوة وغيرها ويجد له العذر على أن الكاتب إنما يعني بالنمر هنا الفهد وهو حيوان يعيش بكثرة في أفريقيا. ولكن لماذا كل هذا الحماس من قبل جمهور القراء؟ يرى البعض أن الأمر عائد الى أن البطل طرزان موجود أصلا داخل نفوس القراء أنفسهم. ويرى البعض الآخر أن طرزان إنما يمثل قمة تكوين الانسان لنفسه وتعليمه لذاته والذي يتحدى بذلك الحضارة الحديثة، ويظهر أجوبته الخاصة لأزمات الرجولة الجديدة.. وهذا مفهوم يوازن به الانسان رغباته الدفينة أمام موجة التكنولوجيا الحديثة. طرزان الذي طور نفسه وعلم ذاته ونمى قواه العقلية يذكرنا بقصة «حي بن يقظان» على الرغم من أن القصة الأخيرة هي أقدم من رواية طرزان. حتى أصبح مجرد ذكر كلمة طرزان يجعل صورة ذلك الانسان شبه العاري تقفز إلى الذهن، صورة ذلك الفتى الشجاع ابن الغابة، العارف بطرقها ومسالكها والمستعد دائما لمواجهة المخاطر أو تفاديها.. طرزان القادر على التنقل بين أرجاء الغابة من خلال حبال ثبتها في أعالي الأشجار تمكنه من التأرجح عليها والانتقال من شجرة إلى أخرى حسب الحاجة. حتى أصبح عالمنا اليوم عالما فرض فيه طرزان وجوده صوتا وصورة وبات حقيقة «خيالية». وهكذا استمر بوروز باصدار روايات جديدة تحمل اسم طرزان وبمعدل رواية سنوياً حيوانات طرزان 1916، ابن طرزان 1917، طرزان وكنوز أوروبا 1918، طرزان وحكايات الأدغال 1919، طرزان الجبار 1920، طرزان المخيف 1921، طرزان والاسد الذهبي 1923، طرزان ورجال النمل 1925، توأم طرزان 1927 وهكذا. فمغامرات طرزان بدأت ولا تنتهي عند حد، على الاقل في ظل حياة المؤلف. ثم جاء دور السينما، خاصة مع بداية السينما الناطقة فكانت صرخة طرزان تسمع وتُرى من خلال الشاشة الفضية. عندما قام الممثل والبطل الاولمبي في السباحة «جوني ويسملر» بتمثيل دور طرزان في أول الافلام المنتجة لروايات طرزان سنة 1918 حينها أخذ الفيلم طابع الشهرة الشعبية، ممهدا لنجاح أفلام طرزان اللاحقة حتى أصبح نصيب أفلام طرزان حتى نهاية القرن العشرين 47 فيلماً، عدا المسلسلات في الاذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات وبكل لغات العالم، إضافة الى عمل كارتوني ضخم قامت به شركة والت ديزني مؤخرا . كل ذلك يعطينا تصوراً لملايين النسخ التي بيعت ولا تزال من روايات طرزان أثناء وبعد وفاة مؤلفه ادغار رايس بوروز سنة 1950 بوروز الذي كان غارقا في الفشل والديون أصبح إنسانا ناجحا وغنيا بعد تأليفه لروايات طرزان ®.ثم حقق أحلام شبابه في شراء مزرعة يكتب فيها ويستمتع ويمارس هواياته، ثم قام ببناء مدينة أسماها «طرزان». وزاد من معدل كتابة رواياته بعد شرائه لهذه المزرعة من رواية واحدة في السنة إلى ثلاث روايات سنويا. زواجه الأول كان من «ايما هالبرت» دام 34 سنة، من سنة 1900 إلى سنة 1934، ثم تزوج من فلورنس ديرهولت سنة 1935 وانفصلا سنة 1942. وعندما تقدم به العمر كان حب العسكرية يعيش في دمه، ولما لم يتمكن من الالتحاق بالخدمة العسكرية فقد فضل أن يعمل مراسلا في جنوب المحيط الهادي خلال الحرب العالمية الثانية. لكن بوروز وقبل وفاته طلب ضمانات كافية ألا يصيب طرزان أي مكروه كأن يموت أو يُكسر وأن يبقى طرزان مفعماً بالشباب والحيوية والقوة والجمال. ولا تزال صرخة طرزان تلك الصرخة المتصلة، المكونة من خمسة أصوات تتفاوت في الحدة والطبقات الصوتية والموسيقية، لا تزال مدوية نكاد نسمع صداها حتى عند صمتنا وتخيلنا صورة طرزان. وبعد وفاة بوروز سنة 1950 زاد الحماس بشكل تدريجي على كتبه، أما شركة ادغار رايس بوروز التي أدارت تركته فحاولت أن توجد اهتمامات جديدة حول مؤلفات بوروز طالما ان كتبه المطبوعة مربحة. فكتبه كانت ولا تزال تقرأ بشكل واسع وهي أكثر متعة من أفلامه. ولكن بوروز لم يسلم من النقد اللاذع وإن كانت كتبه أصبحت مجالا للبحوث الاكاديمية. فهو نفسه لم يكن في كثير من اللحظات راضيا كل الرضى عما كتب. وقد اعترف مرة قائلا «أنا لا أعتقد ان عملي من الأدب ولن أخدع نفسي حول هذا» وتعدد الكتاب الذين تناولوا سيرة حياة بوروز وأعماله وفي مقدمتهم ها. هينز في كتابه «ادغار رايس بوروز» المنشور سنة 1946 رتشارد لوبوف في كتابه «ادغار رايس بوروز سيد المغامرات» المنشور سنة 1965. فيليب فارمر في كتابه « حياة طرزان» المنشور سنة 1972 . روبرت كوليه وجوان ليبي في كتابهما «الخيال العلمي» لبوروز المنشور سنة 1973 جون تاليا فيرو في كتابه «حياة ادغار» رايس بوروز مبدع طرزان المنشور سنة 1999. وكتب بوروز مجموعة روايات ما بين سنة 1912 إلى سنة 1937 بعيدا عن حكاياته عن طرزان . تناول في بعضها حكايات عن السكان الاصليين في أمريكا تعاطف فيها معهم . وفي رواية « فتاة الكهف» المنشورة سنة 1925 تحدث عن فتاة ارستقراطية ضعيفة تحولت إلى مقاتلة عنيدة. فهل تذكر عزيزي القاريء أول فيلم شاهدته عن طرزان؟ ... وهل تتذكر رفيقته الشمبانزي الذكية شيتا؟ إعداد: كريم السماوي