بيان الكتب: يعمل «اندرو . ف. سميث» مؤلف هذا الكتاب استاذا لتاريخ الطهي والاطعمة، في الجامعة الجديدة بمانهاتن في نيويورك وهو احد الباحثين الامريكيين القلائل المتخصصين في الكتابة عن الطبخ وتاريخه، نشر اثني عشر كتابا في ميدان اهتمامه من بينها: التاريخ القومي الامريكي، و «تاريخ الاطعمة الامريكية المفضلة» و «تاريخ المطبخ» .. الخ. قد يبدو هذا الكتاب للوهلة الاولى من الوزن «الخفيف» فكريا ومعرفيا، وربما لا يستحق عناء القراءة، لكن مجرد القاء نظرة على قائمة المراجع التي اعتمد المؤلف عليها والسمة العلمية لاولئك الذين كتبوها يدفع القاريء الى النظر للمسألة بجدية اكبر، تجدر الاشارة هنا ايضا الى ان قائمة المراجع التي تضم حوالي 150 عملا انما هي قائمة «انتقائية» وليست حصرية، كما يشير المؤلف نفسه. في البداية يعلن المؤلف، الباحث الاكاديمي والاستاذ الجامعي بانه يؤمن بان «الطعام يشكل وسيلة مهمة لفهم التاريخ» وعلى قاعدة هذا الايمان امضى جل سنوات حياته بالبحث عن مدى تأثير الاطعمة في التاريخ وتوجيه مساراته، وكذلك في تأثير الاحداث التاريخية على الاطعمة. تجدر الاشارة هنا الى ان العالم الانثروبولوجي الفرنسي «كلودليفي ستروس» مؤسس البنيوية كان قد خصص احد اعماله لما اسماه «النييء والمطهي» وحيث ان الطهي، طهي الاطعمة بدا بمثابة عمل ثقافي، اذ انه تطلب تدخل الانسان من اجل تحويل ماهو «نييء» الى حالة اخرى بغية تسهيل الحياة اليومية للبشر. وفي اطار اعداد المؤلف لاعماله السابقة، ذات العلاقة بالطهي والاطعمة اقترحت عليه احدى دور النشر «الموقرة» ان يؤلف كتابا حول البوشار «البوب كورن» باعتباره احد الاطعمة ذات الاهمية الاستثنائية في الحياة الامريكية. لم يكن قبول مثل هذا الاقتراح بالامر الهين بالنسبة للمؤلف على الرغم من ولعه منذ ان كان الطفل الصغير «اندرو» بتناول البوشار. لقد برز امامه عند طرح الفكرة سؤالان رئيسيان. الاول يتعلق بتوفر معلومات كافية عن تاريخ البوشار (البوب كورن) والثاني عما اذا كان مثل هذا الموضوع يستحق تكريس كتاب خاص له. كان هناك نوع من الاستغراب والاستخفاف في البداية، تماما مثل موقف القاريء امام هذا الكتاب. مع ذلك قرر المؤلف خوض التجربة رغم ادراكه ندرة الدراسات حول الموضوع المطروح لكن الافق بدا اكثر انفتاحا بعد الخطوة الاولى حيث انجز كتابا باكثر من 260 صفحة. القسم الاساسي من هذا الكتاب تكرس بفصوله التسعة لدراسة تاريخ البوشار (البوب كورن) في الحياة الامريكية والتاريخ الامريكي العام ابتداء من فترة ظهوره وحتى طرح التساؤلات في الفصل التاسع عما اذا كان البوشار مهددا بالزوال؟ ويؤكد المؤلف بان هناك اجماعا على ان السكان الاصليين لامريكا، أي الهنود الحمر، كانوا هم أول من قدموا البوشار للقادمين من اوروبا الى العالم الجديد، وكان ذلك يتم بمناسبة محددة تتمثل في العيد المعروف بـ «عيد الشكر» وكان الهنود الحمر يعتقدون بان حبات الذرة تحتوي على ارواح تنطلق منها عند انفجارها بفعل الحرارة وكان ذلك الفعل يمثل بالنسبة لهم رمزا طقوسيا للخصوبة. ويؤكد المؤلف عبر العديد من الامثلة بان زراعة الذرة كانت منتشرة في عموم انحاء القارة الامريكية حيث كان الهنود الحمر يرونه احد اهم مصادرهم الغذائية. واشار الى ان بعض المصادر تقول بان المصدر الاساسي لهذه الحبوب هو القارة الافريقية وانه تم استقدامها الى القارة الامريكية اثناء تجارة العبيد، ولكن ليس هناك في رأيه اي دليل قاطع على ذلك بكل الحالات، يتفق الجميع على ان البوشار قد انتشر في القارة الامريكية في اواخر عقد الستينيات من القرن التاسع عشر حيث بدأ آنذاك ظهور الشركات التي تخصصت في صناعته انطلاق من حبات الذرة وتسويقه على اساس انه كان نوعا من المقبلات. ولم يكن البوشار مجرد مادة غذائية يلتهمها الملايين وانما كان كما يؤكد المؤلف ويقدم العديد من الامثلة المؤيدة لقوله مصدر الهام للعديد من الادباء الذين استوحوا منه قصائدهم ونصوصهم .. وكان احد المواضيع الاساسية في ادب الاطفال .. واذا كان قد ولج مجالات الادب والفنون الجميلة فانه اثار ايضا فضول العلماء الذين تساءلوا عن السبب الذي يؤدي الى فرقعة البوشار. وقد ظل هذا السؤال دون جواب كاف وشاف لقرن ونصف من الزمان، وكان الاعتقاد قد ساد حتى نهاية القرن التاسع عشر بان تلك الفرقعة او الانفجار سببها الزيت الذي تحتويه حبات الذرة، في حين اعتقد آخرون ان الرطوبة داخل الحبة تتحول الى بخار يؤدي بعد التسخين المستمر الى الفرقعة لكن ومهما كان «السر» فان تلك الفرقعة كانت سبب تعلق الاطفال بالبوشار حيث انها تدخل البهجة والسرور على قلوبهم لانها اصبحت جزءا من لهوهم ومرحهم وهذا ما يشير الى كثرة بائعي البوشار في اماكن اللهو كالملاهي والحدائق وصالات السينما، وكان هذا كله دافعا لارتباط استهلاك البوشار بالمناسبات الاجتماعية مثل اعياد الشكر والفصح والميلاد. ويتناول المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب الطرق المختلفة في اعداد البوشار (البوب كورن) والتي تعد بالمئات ويعيد تاريخ نشر تلك الاعداد الى عام 1853 حيث تنتشر بعد ذلك طرق تحضيره في الصحف والمجلات الكبرى وفي الكتب المتخصصة بفنون الطهي. مع ذلك يثير المؤلف الى ان أهم المنشورات بهذا الشأن تمثلت في كتيبات الدعاية التي كان منتجو البوشار يصدرونها من اجل الترويج لبضاعتهم والتي كان اولها في عام 1916 ولم تكن تشكيلة «البوشار» تضم حتى عام 1925 سوى اربعة انواع ثم بدأت تظهر انواع جديدة اعتبارا من سنوات الثلاثينيات كان اكثرها شهرة ذلك المعروف باسم «البوشار الامريكي الجنوبي» والذي لا يعرف مصدره الاصلي لكنه اصبح الاكثر شعبية في فترة ماقبل الحرب العالمية الثانية. وكان انتشار استهلاك البوشار سببا رئيسيا في انتشار زراعة الذرة اعتبارا من اواسط القرن التاسع عشر باعتبار انه اصبح منتوجا ذا مردود اقتصادي كبير وقد حاول البعض تصديره للخارج لكنه لم يلق النجاح المنشود، ومع مرور الوقت اصبحت شيكاغو هي اهم اماكن انتاجه بسبب ملائمة المناخ والارض لزراعته وجودة انواعه، وفي عام 1893 تم انشاء اول شركة لانتاج البوشار بحيث انها اصبحت تغطي في عام 1914 كافة انحاء الولايات المتحدة الامريكية وكندا، لكن زيادة الطلب على البوشار اصبحت المنافسة في تجارته شديدة لاسيما وانه كان قد بدأ يدخل تدريجيا في مكونات العديد من اصناف الحلوى مما ادى الى حدوث نقص في العرض بالاسواق وبالتالي زيادة كبيرة بالاسعار. ومع تزايد الطلب بدأ منتجون جدد يأخذون مكانهم مما ادى الى زيادة مساحة الاراضي المزروعة بالذرة مما ادى بحركة عكسية الى انخفاض اسعار البوشار وخاصة في فترة الكساد الاقتصادي التي اعقبت ازمة الثلاثينيات الشهيرة في القرن العشرين، لكن مع تحسن الاحوال الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية استعادت تجارة «البوشار» عافيتها والاهتمام بها على صعيد السوق والاستهلاك. وتتم في احد فصول هذا الكتاب علاقة «البوشار» بالمسرح والسينما وذلك على ضوء المصلحة الاقتصادية فمع بدء اختراع صناعة السينما وتزايد اعداد المترددين عليها بدأ منتجو «البوشار» التفكير في الاستفادة من جمهور السينما عبر بيعه في دور السينما وصالات المسرح كسلعة تستخدم لما تطلق عليه تسمية «تسالي» كانت المشكلة الاولى امام رواج مثل هذه التجارة تتمثل في النظافة مما سيرغم اصحاب دور العرض على ضرورة تنظيفها بصفة مستمرة بما سيحد من مكاسبهم لكنهم امتثلوا في النهاية الى الواقع واصبحت شاشات السينما مكانا للدعاية لـ «البوشار» والصالات مكانا لاستهلاكه هكذا ارتفع مستوى استهلاكه ليبلغ عصره الذهبي في عقد الثمانينيات الماضي. في الفصل التاسع من هذا الكتاب يرى المؤلف بان عقد التسعينيات شهد بداية انحدار مستوى استهلاك البوشار في الولايات المتحدة الامريكية خاصة بعد ان اشارت تقارير صحية جادة الى ان بعض انواع «البوشار» ضارة بالصحة بسبب اضافة مواد حافظة لها وزاد الاوضاع سوءا تراجع الصادرات الامريكية من البوشار للاسواق الخارجية الرئيسية، اي كندا واليابان وبريطانيا والمانيا والمكسيك. وهناك توجه نحو فتح اسواق جديدة خاصة روسيا وبلدان اوروبا الوسطى والشرقية (الشيوعية سابقا)، لكن هذا يمثل برأي العديد من المنتجين الامريكيين، مغامرة حيث من غير المؤكد ان يحظى البوشار باستحسان المستهلك الروسي. وفي المحصلة يرى المؤلف بان هذا المنتوج الامريكي قد لا يكون له مستقبلا باهرا في خارج الولايات المتحدة فانه بالمقابل يمثل مكانا بارزا في الاسواق الامريكية والكندية ويظل ايضا هدية امريكا للعالم. بحث في التاريخ الاجتماعي .. والاقتصادي ايضا للولايات المتحدة الامريكية من خلال «البوب كورن».