تعددت الكتب والدراسات مؤخرا حول مغامرة اللغة الفرنسية. وذلك في فترة يبدو فيها ان اللغة الانجليزية تجتاح كل البلدان وتحتل كل الساحات، لاسيما وانها اللغة الاساسية المستخدمة في شبكات «الانترنت» ومختلف وسائل ثورة الاتصالات والمعلوماتية. «عندما كانت اوروبا تتحدث اللغة الفرنسية كان ذلك خلال القرن الثامن عشر، والمعروف باسم «قرن التنوير» الذي شهد الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. في ذلك الوقت كانت جميع النخب الاوروبية الروسية او البروسية او الاسبانية او الانجليزية تتحدث اللغة الفرنسية، لغة ال البوريون. هذه النخب كانت تمثل «اوروبا الفلسفية والسياسية» وايضا «اوروبا البلاطات» التي كان ممثلوها يتبادلون الحديث باللغة الفرنسية كما هو حال «فريدريك الثاني» في بروسيا وكاثرين في روسيا و«ستانيسلاس اوجست امير بولندة»... وغيرهم. لكن هذا كله لا يعني ابدا بأن اوروبا الشعبية كانت تستخدم اللغة الفرنسية كـ «لغة تواصل» خلال القرن الثامن عشر اذ يشير المؤلف بأن العديد من المسافرين والرحالة انذاك، والذين كانوا عامة من النخب العليا للمجتمع، كانوا يشتكون بأن اصحاب الفنادق والنزول جمع نزل لم يكونوا يتحدثون اللغة الفرنسية. بل ويذهب المؤلف ابعد من هذا اذ يقول بان اللغة الفرنسية لم تكن لغة التواصل المفهومة بشكل كامل خلال القرن الثامن عشر الا من قبل سكان منطقة «جزيرة فرنسا» والمقصود العاصمة باريس والمناطق المحيطة بها.. ذلك ان اهل منطقة «بايون» بالقرب من الحدود الاسبانية، كانوا يتفاهمون باللغة الباسكية وكان اهل مرسيليا يستعملون لغة مناطق الجنوب. باختصار داخل فرنسا وخارجها، كانت اللغة الفرنسية هي لغة النخب والصالونات. لكن الحديث عن اللغة الفرنسية في القرن الثامن عشر، والتي كانت النخب الاوروبية كلها تتحدث بها، لا يلغي قول المؤلف في المحصلة، بخصوص الوضع الراهن، بأن هذه اللغة تفقد الكثير من نفوذها الثقافي. ان اللغة الفرنسية مريضة جدا. بينما تزداد اللغة الانجليزية «شباباً» و«فتوة».. اما السبب الرئيسي الذي يتم تقديمه من قبل الاخصائيين فيتمثل في القول بأن اية لغة لابد وان تشيخ اذا لم تستطع التأقلم مع «الواقع التكنولوجي» مما قد يدفعها الى التقوقع حول الذات. ويرى البعض بأن «المرض» الذي تعاني منه اللغة الفرنسية «لا شقاء منه». ذلك ان اهمية اية لغة انما تتعلق قبل كل شيء بالقوة السياسية والاقتصادية للامة التي تتحدث بها.. وفرنسا اليوم ليست سوى قوة متوسطة على المسرح العالمي. ويضيف «مارلا فامارولي» الى هذا حالة التدهور التي يعاني منها النظام التربوي الفرنسي.. وحالة الفقر الذي تعاني منها اللغة الفرنسية المكتوبة والمحكية... وهذا كله على عكس الوضع الذي كان سائداً خلال القرن الثامن عشر، ويشير المؤلف ضمن هذا السياق الى ان ايطاليا واسبانيا تمتعتا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بدور يشابه ذلك الذي عرفته فرنسا خلال القرن الثامن عشر ـ قرن التنوير. لكن هذا كله لا يمنع الواقع الذي يشير له المؤلف وهو ان الكثير من الكتّاب الاجانب لايزالون يصرون على الكتابة باللغة الفرنسية.. كما ان شرائح واسعة تؤكد على ارادتها في قراءة بلزاك وبروست وهوجو باللغة الفرنسية.. ثم ان «فولتير» كان يكتب بـ «الانجليزية» وبـ «الايطالية»، كما كان مونتسكيو يتحدث الانجليزية ايضا وديدرو عمل بالترجمة وبدأ بتعلم الروسية. و«مستقبل اللغة الفرنسية» بالميزان.. ولكن هي الفرنسية فقط؟!!