بيان الكتب: للوهلة الأولى قد يعتقد القارئ ان هذا الكتاب مجرد عدة مقالات جمعها المؤلف في أوقات متباينة لا خيوط تربط بينها تدل على تسلسل زمني ما أو على موضوع مشترك. وقد يتساءل أيضا: الا توجد كتب اخرى بامكان المجمع الثقافي ان يبذل جهده الكبير هذا من أجلها؟! حقيقة لا يمكننا الا ان نعتبر تلك التساؤلات مشروعة، ولكن من يتمعن في هذه المقالات سيجدها فعلا تختلف تماما عن تلك الظاهرة التي سادت في وطننا العربي عامة وفي دولة الامارات خاصة ـ اي ظاهرة تجميع المقالات في كتاب واحد ـ وجوهر الاختلاف يكمن بأن باري لوبيز صاحب كتاب حول هذه الحياة يقدم للقارئ انموذجا مغايرا، حيث اضافة للغته العالية، يجمع في مقالاته عدة اجناس أدبية في آن؟! فثمة قصة قصيرة، ومشروع رواية، وحكايات ومقالات نقدية، وأدب رحلات، ورسائل وسيناريوهات.. وكلها تربطها علاقة ذات الكتاب بالمكان او لنقل بالجغرافيا. وهو يقول في هذا الصدد «بدأت أكتب قصصا لا علاقة لها بالواجبات الدراسية. وفهمت الدافع للكتابة، وهو رغبة في وصف ما حدث وما اشاهد عندما اذهب الى الخارج». وربما هذا ما دفعه فعلا للسفر عبر الامكنة وعشقه الكبير للاكتشاف والتطلع الى ما يفعله الغير والبحث عما يدفعهم لفعل ذلك، والتعمق في مرجعياتهم، وعلاقة كل ذلك بالمكان، وقد قسم كتابه الى اربعة اجزاء وزع بها مقالاته وكان الجزء الأول «داخل البلاد» الثاني «خارج البلاد»، والثالث «الذكرى» والرابع «رباعية افتتاح»، ومن المقدمة يمكننا ان نتعرف على حياة الكاتب «باري لوبيز» حيث ولد في منطقة تقع شرقي مرتفعات نيوروشيل عند منحدر مياه نهر مامارونك بولاية نيويورك في شتاء 1945، وفي ربيع 1948 سافر مع اسرته الى ارياف كاليفورنيا حيث كان والده يعمل مسئولا عن اللافتات الاعلانية ويتابع ذكريات طفولته وريعان شبابه ودراسته في جامعة نوتردام شمال انديانا وبداية اتجاهه للكتابة. «كان الكتاب الذي دفعني في هذا الاتجاه هو «موبي ديك» رواية للكاتب هيرمان ميلفيل تتناول الصراع المرير بين قبطان احدى السفن وحوت ابيض سبق ان التهم احدى ساقي ذلك القبطان. واعتبر النقاد تلك الرواية افضل تجسيد للمدرسة الرمزية في الادب الغربي، ولقوى الخير والشر. وكانت القصة، كما فهمتها من قراءتي لفولكنر، وهاردي، وكاثر، وهيمنجواي، اختراعا انسانيا قويا وحيا ايضا. وكانت اللغة وحدها كما اكتشفها عند جيرارد مانلي هوبكنز، وفولكنر، رائعة الجمال وفي الوقت نفسه معقدة وغامضة في اثارتها.. ويتابع باري لوبيز: غادرت الجامعة عام 1966 بعد حصولي على درجة علمية في فنون الاتصال وذهبت من أجل البحث عن صوت وعن موضوع، ولكن ذلك لم يكن واضحا ابدا حينذاك، فقد فشلت في وظيفتين خلال عام واحد، وتزوجت وأكملت برنامجا في الدراسات العليا وفي ذهني التدريس في مدرسة اعدادية. ثم سجلت للماجستير بالفنون الجميلة في الكتابة بجامعة أوريجون. وبعد فصل دراسي واحد تركت ذلك البرنامج، وان بقيت في الجامعة اكثر من عام التقيت خلاله بمدرس فريد في شعبة اللغة الانجليزية، وقد ساعدني «باري تولكن» في تشكيل الاسئلة التي كانت تتفاعل بداخلي آنذاك حول كيفية الدفاع عن العدالة والتعليم، ومثاليات عصر التنوير الاخرى في مواجهة الحقد العميق والجهل المستشري في كل مكان حولي. وقد وجهني تولكن نحو البحث في علم الاجناس الذي برهن على ان الثقافات الاخرى واجهت قضايا التاريخ الطبيعي والجغرافيا بالطريقة نفسها التي كنت افضلها، فهذه العلوم لم تفصل بين الانسانية والطبيعة، وأدركت مظاهر القدسية في كليهما. واعتبرت مشاهد الطبيعة جزءا لا يتجزأ من تطور الشخصية والنظام الاجتماعي، مثلما نعتبر ان عقدة اوديب والقانون الوضعي جزء منهما. وكضيف في منزل تولكن كثيرا ما التقيت بعلماء وأناس موهوبين من خارج اطار الثقافة البيضاء الاصلية للطبقة الوسطى. لم أكن احسب ان هؤلاء الناس يتحدثون عن حقيقة لا يملكها احد غيرهم. ولكن بعد الاستماع اليهم تبينت مدى النقص في تعليمي، لقد كان ينقصه احساس بأن هذه الأصوات ذات أهمية. او ان لهم علاقة بالأمر، واتضح لي ايضا ان قصصهم رغم ما فيها من خبرة درامية عن انتصار الانسان وفشله سيكون مصيرها الحجز في محجر بالمجتمع الذي انا جزء منه. ولم يكن بوسعي أن أجد هذه الأصوات في المجلات او الصحف الامريكية. ورغم اني حذر من الحقائق المشتركة للثقافات المختلفة، فانني اؤمن بأن في كل المجتمعات البشرية رغبة في ان تحب وان تحب، وان تحس بكل عنف العواطف الانسانية، وان تأخذ في الاعتبار الجزء المقدس في حياة الفرد، وحيثما سافرت «كينيا، تشيلي، استراليا، اليابان...» وجدت ان الطريق الذي يمكن الاعتماد عليه بدرجة اكبر للمحافظة على هذه الامكانيات هو ان تسردها ذكريات في قصص لا تعطي توجيهات، كما انها لا تشرح كيف تحب رفيقا أو كيف تجد الرب، وبدلا من ذلك فانها تقدم نماذج للصوت والرابطة، وللحدث والصورة». نافذة أمريكية نستشف من الاجزاء التي اخذناها من المقدمة، كيف كانت بداية باربي لوبينز الكتابية، وكيف تطورت لديه الأحاسيس والافكار والأدوات حتى صارت بذلك النضوج الذي مكنه من الكتابة، ومن القدرة على سبر اغوار ما يحيط به واخراجه للناس.. ومع الخبرة الطويلة وبشكل محايد، صار بامكانه ان يفتح نوافذ للقارئ يطل منها على عوالم اخرى، ومنها العالم الامريكي، حيث اضافة للشخصيات الكثيرة التي تمر مع الكاتب عبر الامكنة المتعددة التي يفصل في وصفها كثيرا، يتناول الكاتب في مقالاته عادات الشعوب، ومستوى تفكيرهم وطريقة عيشهم ففي مقالته الجغرافيا الامريكية يقول: «لقد اصبح من الامور العادية ان تجد الامريكيين يعرفون القليل عن جغرافية بلادهم، وانهم يجلهون طبيعتها من أنهار وجبال ومدن، وانه من المفترض انهم لا يعرفون موقع فجوة مياه ديلاوير، او جبال الاوليمبك او هضبة بيدمونت، وتتواصل الادانة: ان فهمهم طفيف للأخطار التي تهدد العناصر المختلفة في هذه الطبيعة، وهي من منظور بشري، الممارسات الفلاحية المعاصرة والتلوث الصناعي. وأنا لا أعرف مدى صحة هذا، ولكن من السهل الاعتقاد بأنه أكثر صحة مما يأمل معظمنا. فقد كشف استطلاع قامت به منظمة جالوب والجمعية الجغرافية الوطنية ان الامريكيين يجهلون جغرافية الخليج العربي، وفي ذلك اشارة ضمنية اننا لا نعرف اكثر من ذلك عن بلادنا ذاتها، وان هذا الجهل يهدم أساس سلامة عملياتنا السياسية وكفاءة نشاطنا الاقتصادي.. يمكن للقارئ ايضا ان يطل على المجتمع الأمريكي من نافذة اخرى اقرب الى الطقوس الهوليوودية وما تفعله الحياة او ما قد يقود اليه خيال الانسان او الواقع الغريب.. ففي مقالة تحت عنوان «جريمة قتل» يلتقي الكاتب بامرأة تبدو في السابعة عشرة مصادفة، ويدور بينهما حوار بعد تبادل التحية ودون مقدمات تطلب منه قتل زوجها. «وبعد لحظات من صمتي امتدت يدها نحو مقبض الباب وقالت: اذا اردت ان تفعل ذلك، فلن يعرف أحد، يمكن ان تلقي بالبندقية بعيدا. لن اقول شيئا فأنا لا اعرف حتى اسمك. وعندما استمر الصمت، قالت: انسى الامر، انسه وحسب، انس انني جئت الى هنا. وخرجت من السيارة واغلقت الباب بقوة.. » ربما بوجه هذه الحياة. محمود أبو حامد