بيان الكتب: نيكول باشاران هي كاتبة ومؤرخة ومعلقة على الاحداث الامريكية في الاذاعة والتلفزة الفرنسية.. وهي ايضا استاذة للعلوم السياسية في باريس، من اهم مؤلفاتها «الفخ» الذي تعرضت فيه لفضيحة كلينتون ـ لوينسكي وعبرها للديمقراطية الامريكية و«الاطلس الجيوسياسي للولايات المتحدة الامريكية» و«تاريخ الامريكيين السود في القرن العشرين». «صباح الخير امريكا» هو في الاصل عنوان بث اذاعي شهير اثار الكثير من النقاش والانفعالات في الولايات المتحدة الامريكية اثناء الحرب الفيتنامية.. وهناك فيلم معروف عن هذه الحرب يحمل نفس العنوان نفسه «صباح الخير امريكا». هذا وقبل ان تختاره مؤلفة هذا العمل عنوانا لكتابها قدمت برنامجا اذاعيا حمل التسمية نفسها وقامت ببثه محطة فرانس انثير خلال صيف عام 2000 في فرنسا. موضوع هذا الكتاب هو سيرة حياة موجزة لعشر شخصيات يجمع بينهم قاسم مشترك واحد هو ان كل واحد منهم قد ساهم في ميدانه بـ «اختراع امريكا» وبارساء اسس «اسطورتها» كما يؤخذ بين هذه الشخصيات العشر عدة صفات تحددها المؤلفة في «حب العمل والشجاعة والاحساس بان كل واحد منهم مسئول عن مصيره، هذا الجانب قناعة ساذجة تقول بان كل انسان يستطيع ان يغير العالم اذا اراد ذلك حقا». ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في الحديث عما تسميه بـ «الاسطورة الامريكية» التي كانت من القوة الى حد ان مجموع المهاجرين ما ان وصلوا الى امريكا حتى «اداروا ظهرهم لبلادهم الاصلية، ولطبقتهم الاجتماعية... وذلك بواقع ولوج سبل جديدة.. ومن يدري ان يكونوا على موعد مع الثروة، باختصار هناك حكم مستمر بـ «الذهاب ابعد والذهاب اسرع، والذهاب اعلى. لكن هذه الاسطورة بلغت ايضا من القوة حد نسيان انها ليست سوى «اسطورة» اذ لا تتم ترجمتها الى الواقع سوى في حالات قليلة جدا. اذ وكما تقول المؤلفة هناك في الجانب الآخر للمرآة المجازر التي تعرض الهنود الحمر اصل البلد الاصليين لها، والحرب الاهلية والفقر وعدالة عجولة في احكامها وشرخ العبودية والتمييز العنصري العميق. بالمقابل عرفت امريكا في جميع العصور افرادا أرادوا ان ترقى البلاد الى مستوى الشعارات التي ترفعها وخاصة بأنها ارض الحرية، وان تبقى وفية للوعود التي قطعتها على نفسها وقد حاول هؤلاء الافراد ان يحافظوا على الحكم الذي كان يسكنهم مهما كانت درجة تكذيب الواقع له. وفي مقدمة هؤلاء الافراد الشابة «بوكاهونتاس» التي قدمتها المؤلفة تحت عنوان «البراءة الضائعة» اذ انها لم تعش سوى عشرين عاما فقط (1596 ـ 1616» وكانت ابنة احد رؤساء قبائل الهنود الحمر لكنها احبت شابا انجليزيا قدم مع اهله على ظهر سفن وصلت الى الشاطيء القريب وتعلمت الانجليزية ثم قبل ابوها تبني الانجليزي «جون سميث بعد ان عفا عنه اثر اعتقاله من قبل محاربي القبيلة على اساس ان يصبح «اخا» للفتاة حسب تقاليد تلك القبيلة. وبعد سلسلة من الاحداث تعتنق الفتاة المسيحية وتتزوج انجليزيا هو «جون رولف» ان «بوكاهونتاس» تموت بمرض صدري وهي في سن صغيرة «لقد ارادت ان تبني جسرا بين عالمين لا يمكن المصالحة بينهما» وعاد زوجها الانجليزي «جون رولف» الى فرجينيا حيث فهم ان الثروة هناك تأتي من التبغ «تبغ فرجينيا» الشهير. ثم عاد «توماس رولف» ابن «جون رولف» و«بوكاهونتاس ليجد نفسه وريث املاك كبيرة تركها له جده لأمه.. وقد عرفت فرجينيا فيما بعد عددا من الحكام الذين انحدروا من هذه السلالة. ثم تواردت السفن وحملت مهاجرين جددا وشكلوا انجلترا الجديدة وفي عام 1733 كان هناك 13 مستعمرة انجليزية يدير كل منها ممثل للتاج البريطاني، 13 ولاية في المستقبل. ومن الشخصيات التي بنت الاسطورة الامريكية تقدم المؤلفة ايضا توماس جيفرسون (1743 ـ 1826) الذي اعطى للأمة الامريكية مشروعا وارضا ومثالا، هذا على الرغم من الاسرار التي احاطت بحياته الخاصة لا سيما علاقته بـ «ساللي همنجز» الذي كتب في وصيته ضرورة اعتاقها من العبودية كانت سوداء بعد عامين من وفاته وهذا ما حصل لكن لم يعرف احد بعلاقتهما من قبل وكان لابد من الانتظار حتى نهاية القرن العشرين كي تؤكد اختبارات الـ «D.N.A» بأن سليلي «جيفرسون وساللي همنجز» ينتمون الى اجداد مشتركين وكان جيفر سون قد «حلم« باستمرار بقيام امريكا الكبرى واذا كان اعلان استقلال الولايات المتحدة قد تم عام 1776 اعتمادا على نص كتبه جيفرسون فإن عام 1748 شهد زحف المستوطنين نحو الذهب في غرب القارة واصبحت كاليفورنيا بعد عامين ولاية ـ دولة مستقلة، هكذا امتدت اراضي الاتحاد الامريكي من الاطلسي الى المحيط الهاديء تماما كما كان قد حلم توماس جيفرسون. ويبقى ابراهام لنكولن (1809 ـ 1865) هو احد اهم الرؤساء الامريكيين من وجهة نظر مؤلفة هذا الكتاب اذ انه واجه اكثر الحروب فترة في تاريخ الولايات المتحدة واذا كان قد قام بتحرير العبيد فإنه قد فعل ذلك قسرا عنه لكن ربما كان للامة الامريكية الفتية ان تحافظ على وحدتها لولا عناده وحسه السياسي مع هذا ان مسيرة التميز العنصري الامريكي وحرمان السود من جميع حقوقهم خيمت على امريكا باستمرار ذلك ان الكثير من العبيد الذين جرى تحريرهم لم يكونوا يمتلكون الارض ولا المال ولم يكن امامهم سوى العودة الى المزارع والعمل تحت نير الاسياد القدامي هذا على الرغم من ان السود نالوا حق الاقتراع في فترة الاعمار التي اعقبت نهاية الحرب الاهلية بين الشمال والجنوب. وحالم آخر عرفته امريكا هو الكاتب مارك توين الذي جسد مغامرة زمنه انه احد ابناء الجنوب الذي كانت تسود فيه العبودية لكنه لم يتردد في مهاجمة الاحكام المسبقة العنصرية ولم يبق من مارك توين سوى شخصياته الروائية والتي لا تزال تعيش من اجل اطفال العالم اجمع. اذا كان مارك توين احد الذين جسدوا الحلم الامريكي على صعيد الأدب فإن هنري فورد (1863 ـ 1947) قد كان احد رواد الازمنة الحديثة في امريكا اذ انه وبواسطة عرباته ـ سياراته ـ غير العالم وأطال على طريقته الحلم الامريكي لكنه كان شديد الاعجاب بأدولف هتلر ويمقت الديمقراطية وما كان يستهويه قبل اي شيء هو العمل الدؤوب والمبادرة و«سيطرة الرجل القوي وما على الآخرين سوى الطاعة» تقول المؤلفة كان هتلر وفورد يؤمنان بالقيم نفسها اي دكتاتورية الاقوياء واطاعة الضعفاء وهذا الى اشتراكهما في صفة اخرى هي معاداة السامية وكان هنري فورد لا يخفي قصته لليهود وتنقل عنه المؤلفة كتابته في صحيفة كان قد اشتراها من اجل نشر افكاره وقناعاته قوله ان اليهودي لا يعمل، لكنه يستفيد ولا يصنع بل يأخذ. انه رجل مال وليس رجل صناعة واليهودي هو في اصل الاشتراكية «فكرة خبيثة، ومعادية للمجتمع ومخربة» حسب التعريف الفوردي وتضيف المؤلفة شجب هنري فورد لـ «المؤامرة اليهودية الدولية» التي تهدد العرق الانكلوسكسوني والسلتي لاجدادنا». لكن بالمقابل حقق هنري فورد «حلمه» بأن يمتلك كل الامريكيين سيارة كمؤشر على الذهنية الرائدة المؤسسة للتطلع الامريكي نحو الثروة. ولم يتردد هنري فورد من اجل تحقيق حلمه في تشغيل العمال ليل نهار ووصفهم بأنهم الاكثر سعادة في العالم وكان فورد قد فهم اهمية الدعاية او استخدام من اجل ذلك الافلام السينمائية الصامتة باختصار لجأ فورد الى جميع الوسائل من اجل تجسيد حلم الامريكي الناجح. ويجسد الحلم الامريكي في هذا الكتاب ايضا فنانان هما الموسيقي لويس ارمسترونج الذي اخرج الجاز من الاحياء السوداء الساخنة ليجتاح العالم وليكون صوت امريكا السوداء، والممثل الهزلي شارلي شابلن الذي انتقل من بؤس ضواحي لندن الى اضواء هوليوود والذي جسد اكثر من اي انسان آخر الحلم الامريكي لكنه حلم طوباوي تجسده الكلمات الاخيرة المثالية التي قالها شارلي شابلن في نهاية فيلم الدكتاتور عندما قال «...» ان الجشع سمم النفس الانسانية واقام في العالم اجمع حواجز الضغينة وجعلنا نمشي باتجاه البؤس والمجازر «...» اننا بحاجة لانسانية اكثر مما نحن بحاجة الى آلات». وكان القس مارتن لوثركنج قد حلم بمجتمع اكثر انسانية في امريكا حيث يتصالح البيض والسود من اجل الخروج من ليل التمييز العنصري الطويل وكان ثمن هذا الحلم ان دفع صاحبه حياته ثمنا له انه الحلم المحطم كما اختارت المؤلفة عنوان الفصل المكرس لهذا القس الاسود. المرأة الوحيدة التي جسدت حلم استيقاظ النساء في امريكا هي اليانور روزفلت زوجة الرئيس الامريكي الاسبق فرانكلين روزفلت والتي كانت رائدة في ميدان الدفاع عن حقوق المرأة وحقوق الانسان. كتاب تعيد مؤلفته احياء سير حياة عشر شخصيات امريكية بكل ما في هذه السير من مآس وانفعالات انها طريقة مبتكرة لكتابة التاريخ الامريكي.