بيان الكتب: جاك ديريدا، هو أحد أهم، ان لم يكن أهم، الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين.. وهو أكثر المفكرين الأوروبيين شهرة في الولايات المتحدة الأمريكية. جاك ديريدا من مواليد الجزائر عام 1930. بدأ مساره الفلسفي بتقديم قراءة نقدية للنصوص الفلسفية القديمة منها والحديثة. وقد خص بالكثير من أعماله لدراسة أصول فقه اللغة اعتبارا من أول كتبه «الكتابة والاختلاف». له عشرات المؤلفات التي تمت ترجمتها إلى اللغات العالمية الرئيسية. واليزابث رودينسكو هي مؤرخة ومحللة نفسانية لها أيضا العديد من المؤلفات.. وتعود نقاشاتها الفلسفية والفكرية مع جاك ديريدا إلى أكثر من ثلاثين عاما. «ماذا عن الغد» هو كتاب حوارات حول القضايا الأساسية المطروحة على المجتمعات الغربية المعاصرة وفي مقدمتها موضوع «الأسرة» والتي يصفانها بأنها «أسرة مفككة» بعد ان عرفت في تاريخها الطويل ضمن السياق الغربي سلسلة متتالية من التبدلات إذ انها لا تمثل «نموذجا أسريا أبديا» وإنما مجموعة من النماذج التي تغيرت وتبدلت حول رابطة اجتماعية تتركز بصورة جوهرية على قضية الانجاب والمحافظة على النوع. وهذا الكتاب هو أيضا ثمرة ثلاثين عاما من اللقاءات والحوارات بين المؤلفين. وتشير «اليزابيث رودينسكو» في مقدمة هذا العمل الى ان الخط الناظم في الحوارات المستمرة تمثل في وجود خطابين يحكمهما منطق فلسفي بحيث انهما، أي الخطابين، «يتقاطعان» دون أن يمتزجان ويصبحا صوتا واحدا ويجيب كل منهما على الآخر.. ولكن دون أن «يتعارضا» بشكل حقيقي. وقد تم توزيع فصول الكتاب على أساس القضايا التي تم التطرق لها.. ولكن عبرا وبهدف، التركيز على الدور الذي ينبغي على المثقفين أن يلعبوه في مجتمعاتهم مع تذكير المؤلفين لهؤلاء المثقفين بألا ينسوا مهمتهم الرئيسية والمتمثلة في «الحذر». ويجدر التركيز هنا أيضا، ومن زاوية أخرى، إلى مقال أثار الكثير من النقاش بعد أن نشره مؤلفه الفيلسوف فرانسوا ليونار عام 1983 في صحيفة «لوموند» تحت عنوان «قبر المثقف». ويتساءل المؤلفان عما إذا كان المثقف قد «مات» فعلا؟!. وكان المفكر والفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه قد قدم قبل عدة أشهر فقط كتابا كرسه لما أسماه «نهاية المثقف الفرنسي». وبكل الحالات لا يزال يقال ويردد منذ حوالي عقدين من الزمن ان نموذجا معينا من المثقفين يمكن وصفه بالمثقف «القوي» والذي يمكن أن يجسده الكتّاب والفلاسفة والعلماء المعترف بهم وحيث كان يسود لدى قد هذا المثقف الاحساس بأنه يمتلك حق، بل واجب، ان يتدخل في النقاشات العامة لبلاده ومجتمعه.. ان مثل هذا المثقف مثل «مات» بالفعل ولم يعد له وجود.. اما النموذج الذي يمكن أن يمثل «المثقف الكوني» فيجده مؤلف الكتاب في جانب بول سارتر. وتتم في هذا السياق مناقشة الافكار التي طرحها فلاسفة ومفكرون كبار بخصوص مسألة المثقف «الكوني» و«زواله» وحيث يتم التأكيد ان مثل هذا الوضع لم يكن نتيجة «ميكانيكية» لنهاية الحرب الباردة أو لنهاية الايديولوجيات الشمولية «التوتاليتارية». وانما المثقفون أنفسهم هم الذين عملوا من أجل تحطيم صورته، صورة المثقف. ويشير المؤلفان في هذا السياق أيضا إلى موقف الفيلسوف الكبير «ميشيل فوكو» الذي اعتبر وباسم مفهوم أكثر ضيقا، المثقف بمثابة «خبير» إلى هذه الدرجة أو تلك وانما «خبير» يتمتع ببعض الكفاءات المحدودة. وبالمقابل هناك بعض المشارب العلمية والمعرفية تحاول ان تفرض رؤيتها على الآخرين.. مثلما يفعل «بيير بورديو»، عالم الاجتماع الشهير، عندما يرى في علم الاجتماع المشرب الوحيد الذي «يحق له» ممارسة «النقد الاجتماعي». بكل الأحوال ان مثل هذه الآراء «الاختزالية» تنطبق إلى حد كبير مع الفكرة الافلاطونية القديمة القائلة انه وحول أي موضوع كان هناك نخبة صغيرة من «الاخصائيين» الذين يحق لهم التعبير عن رأيهم. ان مؤلفي هذا الكتاب يعارضان تماما مثل هذه المقولة، بل ان اسلوبهما في الحوار بين «سائل» و«مجيب» يتعارض هو نفسه مع مثل هذا المفهوم «العشري» و«القصري». ويتفق جاك ديريدا واليزابيث رودينسكو مع جان بول سارتر. كنموذج يجسد المثقف الكوني «يونيفرسال»، على القول في تعريف المثقف انه بصورة عامة انسان تكمن مهنته في ان يحشر نفسه بما لا يعنيه، مثلا كتدخله في مسألة «المستقبل» ومسائل أخرى مطروحة على الحاضر «القلق». هذا وكان الشاعر الفرنسي الكبير فكتور هوجو قد تساءل في قصيدته التي تحمل عنوان «أغاني الغسق» قائلا «والغد ... ماذا عنه؟».. ولعل هذا يلقي الضوء وبشكل واضح على عنوان الكتاب الذي نقدمه.. لا سيما وان مادته تحمل إلى حد كبير ذهنية «الحوارات» الفلسفية كما كانت سائدة في القرن الثامن عشر وحتى أواسط القرن العشرين. ومن المواضيع الأساسية التي تتم مناقشتها أيضا في حوار الفيلسوف ومؤرخه التحليل النفسي هناك موضوع الأسرة. ويرى ديريدا ان الأسرة، كنموذج لعلاقة اجتماعية، «عابرة للتاريخ»، أي بمعنى استمرارها على التواجد بصيغ متباينة، وبالتالي يبقى «مستقبلها» بالنتيجة غير محدد المعالم بدقة. ويعارض ضمن هذا السياق بشدة الآراء التي طرحها عالم النفس الشهير سيجموند فرويد وبعده جاك لوكان حيث يعتبر هذه الآراء بمثابة تعبير عن «السلطات التكنولوجية ـ العلمية» للعصر الحديث. واذا كانت المجتمعات الغربية قد أصبحت «تتساهل في مسألة هوية الأب» تحت ظل استمرار «وضوح هوية الأم»، فان ديريدا يؤكد انه وحتى هذه الهوية الواضحة للأمومة قد أصبحت خاضعة للتساءل. يقول: «ان ثقتنا اليوم هي أقل من أي وقت مضى فيما يخص القول ان الأم الحقيقية هي نفسها التي تقوم بالولادة».. وهو لا يتحدث فقط عن مسألة «الأم الحاضنة» التي تقوم «بمهمة الحمل» وتعيد الطفل بعد الولادة لأهله الحقيقيين ـ كما تردد في حالات كثيرة بالمجتمعات الغربية خلال السنوات الأخيرة ـ ولكنه يتحدث أيضا عن أمهات أخريات «أتين كي يأخذن مكان» الأم المولدة. وضمن هذا المنظور يرى الفيلسوف انه لابد ان تتم مستقبلا اعادة النظر بالقوانين الخاصة بمسائل الأمومة لا سيما وان اسرا سيكون فيها «أكثر من أم».. ان مثل هذه المسائل تطرح تساؤلات جدية حول كل ما يتعلق بالرابطة بين العلم والاخلاق وتبديات هذه الرابطة في القوانين والتشريعات الخاصة بالعلاقات العائلية في المجتمعات الغربية. وتقوم «اليزابيث رودينسكو» ضمن هذا الاطار بمعالجة مستفيضة لاحدى الظواهر السائدة في الغرب اليوم والخاصة بعيش شخصين من جنس واحد ـ الجنس المثلي ـ ومطالبتهما بـ «تبني» أطفال هذه مسألة مطروحة للنقاش حاليا وحتى على صعيد البرامج السياسية للأحزاب والقوى المختلفة. وتتم ضمن هذا السياق أيضا مناقشة مسألة أخرى ربما انها ستكون في مستقبل قريب احد أكبر الاشكاليات المطروحة على «المنظومة الاخلاقية» الغربية، وهي مسألة «الاستنساخ». ويبدي جاك ديريدا بهذا الخصوص «بعض التفاؤل» فيما يتعلق بمسألة السيطرة على بعض عمليات الاستنساخ المبكرة للعلاج.. وبأنها يمكن أن تكون «مفيدة» ضمن هذا المنظور.. وبالتالي قد يتم اعتبارها بسرعة بأنها «ضرورية». ويقدم الفيلسوف نوعا من التفاؤل والتكرار والتشابه في «الطبيعة» و«الثقافة» بما يشبه عملية «الاستنساخ» وينتهي من هذا إلى القول: «بكل الاحوال، كان هناك استنساخ، ويوجد اليوم استنساخ والتشريعات والقوانين لن تمنع الاستنساخ». ولكن سؤالا هنا يطرح على الذهن وهو: هل يمكن حقا اعتبار شطر دودة ارض الى قسمين مثل شطر جنين انساني؟!. ان «اليزابيث رودينسكو»، تشارك، من موقع المؤرخة والمحللة النفسانية، الفيلسوف وجهة نظره إلى حد كبير حول اذ تقول: «ان مكانة المستنسخ لن تكون كما يتم تصورها اليوم وذلك تحديدا لان وجوده سيتطلب ان يكون له ذات وان يجد هوية يتفرد بها». بكل الاحوال انه نقاش فلسفي حول مسألة هامشية لكنها يمكن ألا تكون كذلك في الافق القريب المنظور ولا يمكن ممارسة سياسة الثقافة التي تضع رأسها في الرمل حي لها. ولعل من أكثر الافكار «جرأة» في اطروحات جاك ديريدا في هذا الكتاب تلك المتعلقة بالتحليل النفسي ـ مهنة المؤلفة الأخرى ـ اذ اعتبره لا يمثل اية مفاهيم قادرة على الاستمرار طويلا. يقول: «ان الأنا، والأنا المثالية ومثالية الأنا وما فوق الأنا ـ باختصار المفاهيم الضرورية الكبرى ـ لا تشكل بنظري إلا أسلحة مؤقتة بل وأدوات بلاغية جرت صياغتها بسرعة ضد فلسفة حقيقية للوعي ... وانني لا أؤمن بأي مستقبل لها». ويتعرض المؤلفان أيضا لدلالات «التعددية الثقافية» وعما اذا كانت مجرد «استخدام سياسي لواقع التنوع والاختلاف».. وكذلك عن مفهوم الحرية بالطريقة التي يتم التعامل بها حياله في المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة، وبما في ذلك الحديث عن «حقوق الحيوانات» و«واجبات» البشر حيالها، هذا في عالم بدا ان المنظور الثوري فيه قد خبا كثيرا بعد سقوط المعسكر الشيوعي و«انتصار» الرأسمالية. ان الميزة الاساسية، وذات الاهمية الكبيرة بالنسبة للجمهور العريض من القراء، تتمثل في كون ان جاك ديريدا يعرض آراءه بكثير من الجدية والسهولة وذلك بهدف ان يكون مفهوما من قبل جمهوره. ويمكن من هذه الزاوية اعتبار هذا الكتاب بمثابة مدخل ممتاز إلى فكر ديريدا «الصعب». مناقشة قضايا العصر في حوار بين شخصيتين فكريتين مهمتين.