بيان الكتب: نعوم شومسكي هو احد اهم المفكرين الامريكيين المعاصرين، وهو معروف بمواقفه النقدية للسياسة الامريكية وبتأييده لحق الشعب الفلسطيني باقامة دولته المستقلة هذا على الرغم من انه يهودي، لكنه يهودي منبوذ بل موضع نقد عنيف وتهديد من كل المنظمات الصهيونية الامريكية الكبرى. في هذا الكتاب او بالاحرى الكتيب بصفحاته القليلة يقوم شومسكي بتحليل الديمقراطية الامريكية عبر التعرض للمفهوم الانتخابي كما بدا في الانتخابات الرئاسية الامريكية لعام 2000 ما يؤكده اولا هو ارتباط الديمقراطية بمفهوم الانتخاب العام حيث ان صناديق الاقتراع هي التي تحدد الفائز والخاسر والتي تشكل ضمانا لاستمرار القيم الديمقراطية الغربية التي كانت الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 احدى محطاتها الرئيسية حيث رفعت شعارات الحرية والمساواة والاخاء لكن نعوم شومسكي لا يتردد في الوقت نفسه بنقد الالة الحكومية الامريكية التي افقدت هذه العملية الانتخابية الكثير من حيوتها. الملاحظة الاولى التي يسوقها المؤلف حول الانتخابات الرئاسية الامريكية لشهر نوفمبر من عام 2000 هي انها قد ادت الى نوع من «التعادل» اي لا غالب ولا مغلوب. وحيث رأى بعض المعقلين في واقع «تعلق الرئاسة ببضعة مئات من الاصوات» دليلا على الصحة الرائعة للديمقراطية الامريكية وصرامتها اما البعض الآخر فقد اعتبر بان تلك الانتخابات لم تقع وان الانتصار بفارق اصوات ضئيل جدا لا يعطي الكثير من المصداقية لا سيما وان هامش الخطأ يفوق ذلك الفارق. وبكل الاحوال يحدد شومسكي وجود كتل من الناخبين يمكن تحديد هويتها كما يمكن تحديد توجهات اختياراتها، هكذا شهدت الانتخابات الرئاسية الاخيرة اقتراع القطاع المالي بشكل كبير لصالح جورج ولكر بوش، الذي كان قد وعد تقديم مساعدات عامة كبيرة للصناعة كما انه قدم وعودا اكثر حزما من خصمه «ال جور» بشأن انهاء دور بعض المؤسسات شبه الديمقراطية وخاصة مؤسسة الضمان الاجتماعي، ويرى المؤلف ايضا بانه من غير المستغرب ان تتوجه اصوات الناخبين البيض الاثرياء لصالح جورج دبليو بوش، بينما اتجهت اصوات النقابيين وذوي الاصول اللاتينية الامريكية والامريكيين الافارقة، اي السود نحو خصمه «آل جور». بالمقابل يشرح نعوم شومسكي بانه من الصعب او على الاقل ليس من السهل دائما شرح توجهات، كتلة ما من الناخبين على اساس «المصلحة» اذ قد يحدث كثيرا ويصوت هؤلاء «بشكل واع» ضد مصالحهم. هكذا فاز مثلا الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان في الانتخابات الرئاسية لعام 1984 بنسبة كبيرة على الرغم من انه كان قد اعلن بوضوح انه يرشح نفسه كـ «محافظ حقيقي» اي تيار لم يكن يمثل اكثر من 30% من اصوات الناخبين هكذا يبدو ان الناخبين يقترعون حسب معايير لا علاقة لها عمليا بالخيارات السياسية، لا سيما وان ليس لديهم الاحساس بانهم يستطيعون التأثير على هذه الخيارات، وتلعب وسائل الاعلام دورا مركزيا في توجيه اقناع الناخبين على اساس «شخصية» المرشح و «اسلوبه» واشياء اخرى لاعلاقة لها بالمسائل الاساسية المطروحة، ويشير المؤلف ضمن هذا الاطار الى عدة استطلاعات للرأي اجرتها مراكز مختلفة تابعة لجامعة هرفارد وغيرها بان 53% من الناخبين الامريكيين اعترفوا باعتقادهم عدم امتلاك اية قدرة على التأثير على ما تفعله حكومتهم ويعتبر ثلاثة ارباع السكان بان اللعبة الانتخابية بمجملها مسيرة من قبل دافعي الاموال الكبار للاحزاب السياسية وخاصة كبار الشركات وبحيث يتم دفع المرشحين الى قول اي شيء تقريبا من اجل انتخابهم لذلك يغدو من الصعب على الناخبين ان يعرفوا مواقف المرشحين الحقيقية حول جميع المواضيع تقريبا، وذلك لا يعود لـ «جهلهم» وانما لصعوبة الاعتقاد بما يقولون. ويرى نعوم شومسكي بان بلاده تذهب اكثر فاكثر باتجاه حالة كان الفونسو لوبيز الرئيس الكولومبي السابق، قد وصفها بالنسبة لبلاده وتبنى المؤلف وصفه بالقول ان هناك انقساما للسلطة بين حزبين هما بمثابة «حصانين يعودان لنفس المالك». ويبدو ان الرأي العام الشعبي يقول بفهم مشابه كما يشير شومسكي. ان المؤلف يركز من جهة اخرى على ما كشفته الانتخابات الاخيرة في فلوريدا وغيرها، من خلفيات عنصرية. وخاصة ما يتعلق بـ «حرمان المساجين من حق الانتخاب». وكانت رابطة حقوق الانسان الامريكية قد نشرت دراسة اشارت فيها الى ان العامل الحاسم في انتخابات فلوريدا كان استثناء 31% من الافارقة الامريكيين الذين كانوا في السجون او في عداد الـ 400000 ناخب الذين كانوا قد فقدوا حقهم الانتخابي باعتبارهم سجناء سابقين وتشير الدراسة نفسها الى ان امريكي اسود من كل اربعة فقد حقه بالاقتراع بشكل دائم في سبع ولايات وحيث ان جميع الولايات تقريبا تمنع السجناء من الاقتراع، وفي المحصلة النهائية هناك حوالي مليون محروم من حق الاقتراع اغلبيتهم الساحقة من الافارقة الامريكيين ومن ذوي الاصول الامريكية واللاتينية هذا بالاضافة الى نسبة 13% من السود حوالي 1.4 مليون في عموم امريكا، محرومون من حق الانتخاب لسنوات قد تطول او تقصر، ومن جهة اخرى اذا كانت الولايات المتحدة تعرف قبل عشرين عاما نسبة من المساجين مثل تلك التي كانت تعرفها البلدان الصناعية الاخرى، فان نعوم شومسكي يؤكد بان الحالة قد تغيرت اليوم واصبحت الولايات المتحدة زعيمة في هذا الميدان، كما ان عملية تهميش شرائح جديدة قد برزت اكثر فاكثر. وضمن سياق تحليل الديمقراطية الامريكية يشير شومسكي الى عدة نقاط اساسية تخص واقع ان نصف الناخبين تقريبا لم يشاركوا في عملية الاقتراع، وهذا الامر له تفسيرات كثيرة في مقدمته غياب اي حزب جماهيري ذي توجه اشتراكي او عمالي يمكن ان ينافس في السوق الانتخابي وهناك ايضا الغياب الفعلي لنقاش المسائل الاقتصادية اثناء الحملة الانتخابية لا سيما وان هذه المسائل هي ذات اهمية كبيرة بالنسبة للجمهور العريض كما بالنسبة لـ «السلطة الخاصة وممثليها السياسيين». ولكنها اهمية من منظورين متعارضين اضف الى هذا واقع ان النظام الدستوري قد بني اصلا من اجل حماية اقلية العمالقة من الاغلبية. وفي النهاية يرى شومسكي بانه ينبغي فهم الديمقراطية وكأنها بمثابة حق الاختيار بين سلع اذ وفي ظل غياب الاهداف في الحياة يتم تركيز الانتباه الانساني على الاشياء الاكثر سطحية التي تشكل المادة الاستهلاكية السائبة وهكذا ربما ان الناس سيقبلون، وربما بكل طيبة خاطر تبعية حياتهم للآخرين ومهما كانت مجردة من اي معنى وسوف ينسون ذلك المطلب المثير للسخرية في ان يديروا شئونهم بأنفسهم بالمقابل انهم سيتركون مصيرهم بين ايدي اولئك والذين اعلنوا انفسهم بمثابة الاقليات الذكية التي تدير شئون السلطة وانما الموجودة عمليا وفعليا في مكان آخر حيث ان الشركات الكبرى ومجموعات الضغط المنبثقة عنها هي صاحبة القرارات الحاسمة. كتاب صغير الحجم لكنه يشرح بشكل واضح ودقيق آلية عمل النظام السياسي في الولايات المتحدة الامريكية والوسائل التي يستخدمها في الانتخابات على ضوء ما شهدته الانتخابات الرئاسية الامريكية في شهر نوفمبر من عام 2000 ودروسها وحيث ان الديقمراطية السائدة قبل اي شيء في خدمة «النخب السياسية ومراكز القوى الداعمة لها».