بيان الكتب: ميكائيل هارت هو استاذ الادب في جامعة ديوك وانطونيو نيجري هو استاذ جامعي ايطالي كان قد عمل استاذاً للعلوم السياسية في جامعة بادوا بايطاليا ثم استاذاً في جامعات باريس حيث امضى اربعة عشر عاماً كمنفي في هذه البلاد ثم عاد بعدها الى ايطاليا كي يتم ايداعه مباشرة السجن لمساهماته السابقة في الدعوة الى تمرد مسلح كان الفيلسوف احد رموزه اليساريين المتطرفين. في هذا الكتاب، يقدم باحثان امريكي ـ ميكائيل هارت ـ وايطالي ـ انطونيو نيجري ـ رؤية خاصة لـ «النظام العالمي الجديد». وكان المؤلفان قد تبادلا خلال الفترة الواقعة بين نهاية حرب الخليج وبداية حرب كوسوفو النصوص التي كتبها كل منهما كي يقوم الاخر بقراءتها والتعليق عليها وتصحيحها، اذا لزم الامر الى حين الوصول الى الصيغة النهائية. تجدر الاشارة في هذا السياق الى ان انطونيو نيجري سجين الان في روبيبيا بايطالي لكنه يستفيد من وضعية خاصة يتمتع بموجبها بما يشبه الحرية مما يسمح له بالكتابة بكل هدوء وتبادل النصوص والحوارات الهاتفية من المؤلف الاخر دون اية قيود فعلية. وكان قد صدر بحق انطونيو نيجري حكماً بسبعة عشر عاماً ونصف بالسجن بسبب التمرد المسلح ضد الدولة، هذا بالاضافة الى ثلاث سنوات ونصف من اجل مسئوليته الاخلاقية في المواجهات التي شهدتها سنوات 1973 ـ 1977 بين المتظاهرين والشرطة في مدينة ميلانو الايطالية. ان مؤلفي هذا الكتاب «امبراطورية» يقدمان في الواقع تحليلاً للنظام الدولي الجديد، يغاير بشكل جذري التحليلات التي يقدمها القائمون على مثل هذا النظام ويحاولان ان يعطيا القارئ الادوات الضرورية، الفلسفية والتاريخية والثقافية والاقتصادية، والانثروبولوجية والسياسية، لامتلاك منظور اخر في التحليل. ويعرضان في الوقت نفسه، اهم النظريات والاطروحات التي قال بها معارض العولمة حتى الوقت الراهن. الاطروحة الاساسية في هذا الكتاب والتي تدور حولها مجمل الافكار المقدّمة تلخصها الجملة التالية للمؤلفين والتي جاء فيها: «ان الفرضية الاساسية التي ننطلق منها تقول بان انحطاط الدول ـ الامم ـ من منظور السيادة ـ لا تستدعي ابداً انحطاط السيادة نفسها بجوهرها. على العكس، انها اخذت شكلاً جديداً تقوم هيكليته عبر سلسلة من الهيئات، الوطنية وما فوق الوطنية، يوحد بينها منطق واحد للحكم، هذا النمط الجديد للسيادة هو ما نطلق عليه تسمية امبراطورية، ان الامبراطورية تشمل مجمل المجال، ولا يمكن لاية تخوم ان تحدها. وهي لا تقدم نفسها على انها نظام «منظومة» تاريخي يجد اصوله في عملية فتح وانما بمثابة نظام يوقف (يعلق) التاريخ والزمن، ويثبت الحاضر بحالته الراهنة الى الابد كما يثبت الطريقة التي يتم وسيتم التفكير بالامور على اساسها. بتعبير اخر ان السلطة الامبريالية (الامبراطورية) ليست لحظة عبور وانما هي حكومة خارج التاريخ او في نهايته، هذه الامبراطورية التي تفرض السلام والنظام والتي تطمح الى تحقيق السلام، والعدل هي التي تنتج القانون والاخلاق (المنظومة الاخلاقية). لقد صدر هذا الكتاب باللغة الانجليزية اولاً ثم الفرنسية وبعدها العديد من لغات العالم، واصبح احد اكثر الكتب انتشاراً في العالم، وعندما سئل مؤلفاه عن سر ذلك اجابا بالقول: لاننا نقول فيه اشياء واضحة جلية. وفي الولايات المتحدة هناك مناخ فيه شيء من القلق والخوف حيال المستقبل، وخاصة في الجامعات وبين اوساط الشباب، كما يشير المؤلفان في تحليلاتهما. وهذا القلق والخوف تتم ترجمتهما عبر حركات احتجاجية مع رفع مطالب تبدو في الصورة الراهنة لما عليه الامور بانها مطالب طوباوية، وخاصة فيما يتعلق بوجود امة كونية وحرية انتقال جميع البشر حيثما ارادوا وسيادة (شيوع) مفهوم جديد للمواطنة. ان الامبراطورية التي يتحدث عنها ميكائيل هارت، وانطونيو نيجري، ليست ابداً مجازاً وانما هي مفهوم، وهو مفهوم يمكن بواسطته تعريف الصيغة الجديدة للسيادة وللسيطرة السياسية المرتبطة بالعولمة. ويقال عامة بان عولمة الانتاج والمبادلات تؤدي الى اخراج العلاقات الاقتصادية من حيز الرقابة السياسية وبالتالي تتضاءل قيمة السيادة السياسية نفسها. ان مثل هذا الامر يمكن ان يبدو بمثابة تحرير للاقتصاد الرأسمالي وانتصاره عبر تخليصه من كل اشكال الضغوط والتحديدات التي تفرضهالسياسة. هذه قراءة يقدمها البعض ويشير لها المؤلفان، ولكن هناك قراءة اخرى متعارضة، بل متناقضة معها وتقول بان العولمة بالمعنى المشار له اعلاه الخاص بعولة الانتاج والمبادلات، انما تتناظر في الدافع مع «تعطيل اليات الضبط والتنظيم» التي توفرها الدولة ومختلف الاطر المتعلقة بروحية المؤسسات والتي يستطيع البشر بواسطتها اعاقة ـ ان لم يكن منع سيادة منطق الربح بأية وسيلة. في الواقع هناك، كما يشرح المؤلفان، شبه اتفاق عام باستثناء دعاة اللبرالية الجديدة المتطرفة في تمجيدها لاقتصاد السوق، على القول بان العولمة قد عملت بطريقة ان العوامل الرئيسية للانتاج وللتبادل (اي الاموال والتكنولوجيات والاشخاص والسلع) اصبحت قادرة على الانتقال بسهولة متزايدة عبر الحدود الوطنية، وهذا ادى بوضوح الى التقليل من سيادة الدولة، الامة، والتي لم تعد في اغلب الحالات قادرة على ضبط حركة هذه العوامل، لقد قلت سيادة الدولة الامة، ولكن السيادة نفسها لم تختف. وقد كانت سيادة الدولة الامة سابقا بمثابة حجر الزاوية في الامبرياليات، وذلك بالمعنى الذي تعني فيه الامبريالية توسع الدولة الامة نفسها خارج حدودها، وفرض نوع من التراتبية الاستعمارية على الشعوب المنبوذة من العملية التطورية التي شهدتها النزعة الاوروبية المركزية للحضارة الرأسمالية. واذا كان مؤلفا هذا الكتاب لا يستخدمان كثيراً القاموس الشائع حول الشمال، والجنوب للدلالة على الاغنياء والفقراء في ظل التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل، فانهما بالمقابل يؤكدان على وجود عدائية عسكرية واقتصادية وثقافية ـ ان لم تكن عنصرية ـ مارستها الامم القوية والغنية على الامم الفقيرة. وبهذا المعنى لا يكون انحطاط سيادة الدولة ـ الأمة هو خاص بها وانما يطال ايضاً الامبريالية نفسها القائمة على توسع هذه الدولة ـ الامة خارج حدودها الوطنية، على طريقة المشاريع الاوروبية المعروفة وخاصة الانجليزية والفرنسية منها. ولكن في اطار هذا الانحطاط نفسه للدولة الامة وللامبريالية تكونت صيغة جديدة ولا سابق لها حتى الان من السيادة يوحد بينها نفس النمط من السيطرة.. ولكنها تفتقر الى مركز والى محيط ايضاً. وبهذا المعنى ليست الولايات المتحدة الامريكية هي بالضرورة مركز هذه السيادة، ويرفض المؤلفان ضمن نفس هذا النهج من التفكير النظرية السائدة، والتآمرية الى حد كبير، والقائلة بان العالم محكوم بسلطة واحدة يمثلها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وواشنطن، وتحكم العالم.. كذلك يرفضان نظرية «اليد الخفية» التي تدفع النظام الدولي للجنوح بعيداً عن آليات السوق، وفي مقابل هاتين النظريتين يقترح هارت ونيجري قراءة النظام الدولي السائد عبر عدة مكونات تتداخل فيما بينها وتأخذ شكلاً تراتبيا حسب الظرف. ان المرجعية التاريخية لمثل هذه القراءة، ذات المكونات العديدة تتمثل في المؤرخ الروماني بوليب الذي اعتبر بان الامبراطورية الرومانية قد شملت في دستور واحد اشكال الحكم الرئيسية الثلاثة اي الملكية والارستقراطية والديمقراطية. ان مثل هذه الصيغة المثلثة القديمة تجد صداها اليوم في تحليلات المؤلفين عبر القول بان القوى الملكية المطلقة هي التي تحكم احياناً العالم. ان المثال الذي يتم تقديمه على هذه الحالة هو وزارة الدفاع الامريكية البنتاجون اثناء حرب الخليج الاخيرة، ويقولان: كانت حرب الخليج هي المناسبة الاولى امام الولايات المتحدة كي تمارس سلطتها بصيغتها الشاملة.. كان قد تم اتهام العراق بخرق القانون الدولي وبالتالي تنبغي معاقبته، ان اهمية حرب الخليج تأتي من واقع انها قدّمت الولايات المتحدة الامريكية بانها القوة القادرة على تطبيق العدالة الدولية.. وليس باسم الدوافع القومية «الوطنية»، وانما باسم الحق العام. ويربط المؤلفان في موقع اخر وسياق اخر بين اقرار وجود مكانة متميزة للولايات المتحدة مع نهاية الحرب الباردة وتأكيد هذه المكانة المتميزة للمرة الاولى اثناء حرب الخليج. اما الارستقراطية فتمثلها على رقعة العولمة في الوقت الحاضر الشركات متعددة الجنسيات، التي تتمتع بنوع من السيادة التي تقابلها سيادة اخرى تبرز بين الحين والاخر وتعود للقوى الديمقراطية المتمثلة في دور بعض الدول ـ الامم وخاصة دور المنظمات غير الحكومية. ان مؤلفي هذا الكتاب يشرحان على مدى التحليلات المقدمة وبالاعتماد على افكار فلاسفة ومفكرين وثوريين وغيرهم من امثال هيجل وماركس وسبينوزا وفولكو ومالكوم اكس وزاباتا ومكيافيللي.. الخ.. آليات انسجام هذه القوى المتعارضة داخل نظام امبراطورية واحدة، وكذلك اليات تداخل عملها ومنطق كل منها في فرض سيادتها ضمن هذا الظرف او ذاك، وبكل الحالات لعل اهم ما يميز هذه التحليلات هو انها تتمتع بمسحة نضالية يحاول المؤلفان تبريرها بالامكانيات التي يقدمها الواقع، داخل الامبراطورية وفي افق الوصول الى امة كونية منفتحة. وما يتردد كثيراً في تحليلات مؤلفي هذا الكتاب قولهما بان الكثيرين يرون في الولايات المتحدة الامريكية السلطة العليا «الزعيم» في مسار العولمة والنظام الدولي الجديد. لكن اخرين وليسوا بالقلة، يرون بها، على العكس، القوة الامبريالية القمعية الجديدة. لكن ما بين الذين يرون بالولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم والذين يرون بها رأس الامبريالية الدولية يتفق الموقفان حول نقطة واحدة هي ان الولايات المتحدة الامريكية قد احتلت الفراغ الذي كانت القوى الاوروبية تملأه فيما قبل. ان «ميكائيل هارت» و«انطونيو نيجيري» ينطلقان من فرضية تعارض الموقفين ويقولان بان الولايات المتحدة لا تشكل مركز المشروع الامبراطوري لانه ليس هناك اليوم اية قوة، وحتى الاكثر قوة، قادرة على احتلال هذا الدور. ذلك ان الامبريالية قد انتهت، امريكا ليست المركز، ولكنها تتمتع بموقع متميز، كما يقول المؤلفان. كتاب في تحليل النظام الدولي الجديد بالاعتماد على الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والسياسة والثقافة، وكتاب ـ حدث اثار، ولايزال يثير، الكثير من النقاش.. وطبعة رابعة في أقل من عام.