في هذا الكتاب حول تاريخ المشرق القديم «من الاسكندر الى زنوبيا» يحاول المؤلف الاجابة عن سؤال جوهري مما أعطى للعمل في الواقع وحدته وخطه الناظم.. السؤال هو: هل كان غزو الاسكندر الاكبر للمشرق سببا في قطيعة حادة بتاريخ الشرق الأوسط؟ ـ وفيما هو أبعد منه بتاريخ الشرق عامة ـ أم ان ذلك الغزو لم يكن سوى مجرد ادراج عناصر جديدة في تاريخ يتمتع بالاستمرارية منذ الحقبة الآشورية (على الأقل) وحيث ان هذه الاستمرارية هي أقوى من ان تتأثر بالتبدلات؟ إن الاجابة عن مثل هذا التساؤل تقتضي بالضرورة الخوض في مسألة التاريخ الثقافي المتبادل (التثاقف)، وحيث ان المؤلف يعيد مثل هذا التأثير الى فترة سابقة على الحقبة اليونانية القديمة.. هذا في الوقت الذي يرى أغلبية المؤرخين لتاريخ المنطقة بأن أقدم المصادر التاريخية المعتمدة تتمثل في النصوص اليونانية القديمة «الالياذة والاوديسة» والمصادر التوراتية. إن ما يطالب به المؤلف عبر عنه بـ «الاكتفاء بدراسة أشكال التداخل الثقافي». واذا كان يؤكد على مثل هذا التداخل فإنه يؤكد في الوقت نفسه ايضا على ان «الخصوصيات المحلية بقيت قائمة وفاعلة» ولم «تختف» مع وصول الاسكندر كما يقال احيانا. وكان ترسخ تلك «الخصوصيات» أكثر عمقا وتجذرا في المناطق الريفية والجبلية. تجدر الاشارة الى ان هذا الكتاب «يتفرد» الى حد كبير بدراسة منطقة شاسعة وذات تعددية لغوية واثنية كبيرة. ذلك ان البلدان التي تضمها تغطي البقعة الجغرافية الشاسعة الممتدة من الفرات الى النيل، أي ما يتناظر حاليا مع العراق وسوريا وفلسطين والاردن ومصر وحيث ان جزءا كبيرا من هذه البلدان كان خلال الحقبة المدروسة موضع تنازع بين الفراعنة ومنافسيهم الحثيين وشعوب بلاد ما بين النهرين، وذلك ما حدث فيما بعد اثناء المنافسة بين خلفاء الاسكندر الاكبر والسلاجقة. أما الفترة الزمنية المدروسة ما بين القرن الرابع قبل الميلاد وحتى القرن الثالث بعد الميلاد فإنها تتناظر مع فتح الاسكندر (عام 333 قبل الميلاد) الى زوال سلالة زنوبيا التي أقامت مملكة في تدمر، وكانت هذه الفترة قد شهدت تعاقب سيطرة الفرس وبعدهم اليونانيون والمقدونيون ثم الهيمنة الرومانية. إن المؤلف يركز في القسم الأول من الكتاب على دراسة الحقبة اليونانية القديمة حيث تبرز سريعا صعوبة البحث بسبب «النقص الكبير في الوثائق الخاصة بتلك الحقبة». بل وفي واقع صعوبة اعتماد الوثائق المتوفرة ذات الطابع «الأدبي» كمصادر تاريخية. هذا على عكس الحقبة الرومانية التي يتوفر أمام دارسها كم كبير من الوثائق التاريخية.. هذا مع تأكيد المؤلف على ضرورة دراسة الحقبتين ضمن اطار الاستمرارية ولكن مع التمييز بينهما بالوقت نفسه. بالمقابل، واذا كان المؤلف يقوم بدراسة للسياق التاريخي والثقافي للحقبة المدروسة ضمن اطار عام وشامل، فإنه بالوقت نفسه يؤكد على ضرورة دراسة كل مكون من المكونات الاساسية لهذه المنطقة (الشرق الأوسط القديم)ضمن اطار خصوصياتها وسياقها التاريخي الذي تتميز به. هكذا يقوم مثلا بدراسة مفصلة لمختلف المجموعات اللاتينية الثقافية التي باتت تتشكل منها سوريا القديمة من البحر وحتى عمق الصحراء.. وبالوقت نفسه الذي يقوم فيه بدراسة آليات تشكل المدن ومميزاتها العمرانية ويشرح أنماط عمل مختلف الادارات والمؤسسات المدنية «ذات الطابع الحضري المتقدم» فإنه يدرس ايضا مختلف انماط المجتمع الفلاحي والاقتصاد الريفي. ويقوم ضمن هذا الاطار ايضا، وهذه احدى مميزات الكتاب الأخرى، بدراسة بني القبائل العربية في شمال شبه الجزيرة العربية والتي لاتزال الكثير من الآثار تدل عليها. ويقول المؤلف بهذا الصدد عن قبائل «حرّاء» ما يلي: «لا أحد كان يعرف بدقة تفاصيل نمط حياتهم ولم يكن علم الآثار المرتبط بالرحّل الا في بداياته. لقد كانوا رحلا حقيقيين يعيشون في الصحراء. وقد أصبح بالامكان اليوم تحديد بعض الاماكن التي كانوا يضربون فيها خيامهم ومناطق مرور بعض المجموعات بفضل النقوش العديدة التي تركها افراد العائلة من جيل الى جيل. إن أولئك الرعاة الراحلين مارسوا الكتابة لم يكونوا وحدهم الذين يفعلون ذلك، لكن عدد النقوشات التي تركوها يفوق كل ما كان معروفا في اماكن أخرى». ويصف المؤلف زنوبيا ملكة تدمر التي حكمت باسم ابنها «واهبالات» بأنها كانت امرأة ذكية ومتسلطة، لكنها استطاعت ان تصل بمملكتها الى أوج ازدهارها. ورفضت وصاية روما وفتحت مصر وآسيا الصغرى وفرضت سيطرتها على الشرق كله. وكانت قد استقبلت في بلاطها العديد من «المثقفين» اليونانيين من أمثال الاديب «لونجين» وكان فيلسوفا ايضا وأصبح أحد وزراء زنوبيا، مما جعل الرومان يحكمون عليه بالموت. وعندما أحس الامبراطور الروماني اورليانو بمدى التهديد الذي تشكله قوة مملكة تدمر الصاعدة في ظل حكم زنوبيا، لم يكن منه سوى ان قام بحصارها وفتحها وجلب الملكة معه الى روما حيث أمضت بقية حياتها. وفي أحد فصول هذا الكتاب يبحث المؤلف آليات انتشار النموذج اليوناني الروماني لدى النخب المحلية المشرقية التي استطاعت رغم قوة النموذج «الوافد» المحافظة على خصوصياتها في الميدان الثقافي بشكل خاص. وتتم في هذا السياق دراسة مفصلة لـ «اجابات» و«ردود فعل» المجموعات الاجتماعية والاثنية المختلفة على المشروع اليوناني ـ الروماني. ويقول المؤلف بهذا الصدد حول مقاومة مختلف مكونات المجتمع السوري لمحاولة زرع الثقافة اليونانية في البلاد: «لقد أظهرت المناطق السورية مقاومة شبه كاملة لعملية اشاعة الصبغة اليونانية على الثقافة باستثناء بعض المظاهر السطحية التي لم تبد آثارها سوى لدى بعض الاعيان». ويؤكد المؤلف بصدد عملية التبادل الثقافي (التثاقف) بين القيم اليونانية ـ الرومانية والقيم المحلية بأنه جرى قبول بعض القيم الوافدة بكثير من السهولة، ولكن شريطة ألا تؤدي عملية أقلمتها وتكييفها الى تعريض القيم التقليدية للخطر. وهذا ما حاول موريس سارتر اثباته عبر دراسة بعض الحالات العيانية. وكانت دراسات اخرى قد وصلت الى النتائج نفسها. ومن المظاهر الأساسية التي دلت على تكيف القيم اليونانية ـ الرومانية لدى النخب المحلية تمثلت أولا في انتشار اللغات «الاجنبية» لدى شرائح عديدة هي الأكثر ثراء من السكان المحليين في المشرق، ولكنه كان وبدون شك انتشارا محدودا جدا، وهذا ما عبر عنه مؤلف هذا الكتاب بوصفه بأنه كان مجرد «طبقة خارجية رقيقة ولماعة ثقافية»، وبالتالي لا ينبغي أبدا المبالغة في تأثيره وعمقه حيث ان «الآرامية» ظلت آنذاك هي لغة الحياة اليومية للسواد الاعظم من السكان. وعلى أساس «سطحية» ذلك التأثير اللغوي والثقافي، فسر موريس سارتر الاختفاء السريع والسهل للغة اليونانية بعد الفتح العربي. ومن خلال القيام بدراسة التاريخ الاقليمي المشرقي والمتكون هو نفسه من مجموعة من الوحدات الاقليمية الصغيرة، حاول المؤلف تحليل وفهم تاريخ الشرق الأوسط القديم اثر احتلاله من قبل الاسكندر ثم من قبل روما. وقد تم تقدم دراسة توليفية لهذا التاريخ المتنوع والثري عبر «التقاء» عدة انماط حضارية منذ تلك الفترة المغرقة في القدم. إذ ان لغة النزاع والحرب لم تكن وحدها هي السائدة.. أو انها لم تظل هي السائدة. تجدر الاشارة في النهاية الى ان هذا الكتاب يحمل «ميزات» و«عيوب» الكتب القائمة على مبدأ «التوليف» والذي يرى به البعض نوعا من «الشطط» ودفع القاريء الى متاهات قد لا يستطيع الخروج منها لأن الدقة تصبح أمرا عسيرا، ولكن آخرين يرون بأن أية عملية بحث في أي ميدان أو مشرب من مشارب العلم والمعرفة لابد وان تؤدي بالضرورة الى نتيجة ذات طابع توليفي، وهذا ما أثبته مؤلف هذا الكتاب بقدر كبير من البراعة عبر الاعتماد على ابحاث طويلة ومعمقة الى جانب المجهود التأملي الشخصي الكبير على المستوى المعرفي، حيث ان هذه العوامل كلها قد اجتمعت من أجل تقديم عمل ـ مرجع بأكثر من الف صفحة حول الشرق الأوسط القديم. كتاب عن تاريخ الممالك والامبراطوريات في المشرق القديم ما بين فتوحات الاسكندر الاكبر وحتى وصول زنوبيا الى العرش في مملكة تدمر.