بيان الكتب: «جان موريس» كاتبة سيرة وناقدة وصحفية وروائية ومؤرخة ومؤلفة أدب رحلات بريطانية معروفة منذ ما يقارب الخمسين عاما، وكان الظهور الأول لها بدأ بعد نشرها ثلاثية «السلام البريطاني» أحد أهم الانجازات المعاصرة في تاريخ الأدب الغربي الذي يسلط الضوء، على تاريخ بريطانيا المعاصرة من سنة 1968 الى 1978. ولدت موريس لعائلة انجلو ويلزية في سنة 1926 في «سمرست ويلز» ودرست في كلية لانسنج كوليج واكسفورد وعملت بداية حياتها في الخدمة العسكرية ثم مراسلة للشئون الخارجية واشتهرت في سنة 1953 اثناء متابعتها الحية لأحداث أول رحلة ناجحة للوصول الى قمة افريست. بوصفها واحدة من أهم مؤلفي أدب الرحلات فإن عطاء موريس في هذا المجال يمكن مقارنته في وفرته بما قدمه آخرون منهم «أونر تريس» و«بروس تشاتون» و«اف.اس برخت» وهو ما يبدو مختلفا تماما عما يقدمه «بول ثرو» مثلا أو «نبيول» أو «بول بولز» وغيرهم، فهي لا تذهب بعيدا لاظهار صورتها الحقيقية كما ان موهبتها تجعلها أسرع حتى في القدرة على التقاط خصوصية المكان والبعد عن محاولة تكريس تلك الخصوصية للأدب على نحو خاص، الأمر الذي يشعرك كقاريء بأنها ربما أرادت ان تقول لك بأن هناك أكثر من وسيلة لاكتشاف الآخر، ففي «شهوة التجوال» تبدو كعاشقة ترنو الى تحقيق حلمها في نهاية الأمر وعندما يتحقق يكتشف المرء انه يتمحور حول أحد الاماكن التي لم يتوقعها على الاطلاق. تأمل «تريست» مثلا هذه النقطة الضيقة على الخارطة التي لا يمكن للآخرين ان يروا فيها اكثر من نتوء جبلي غير جذاب فكتب عنها موريس باعتبارها المكان الذي استحوذ على تفكيرها على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان وفي النهاية يصطدم هؤلاء بأنهم لا يعرفون شيئا مما يتعلق بتاريخ المدينة الايطالية الواقعة على البحر الادرياتيكي، فمن منّا كان يعرف قبل ان تأتيه موريس بهذه المعلومات الاضافية، ان تريست كانت قد خضعت للسيطرة العسكرية الامريكية حتى سنة 1954! كما ان المؤلفة تذهب الى ما هو أبعد من ذلك عندما توقظ في ذهن القاريء ذكريات تجعلها أكثر حيوية فتذكره بسيرة الهابوسبرجيين من حكام المنطقة العظماء وتاريخ الهجرة والاضطرابات التي شهدتها المنطقة من جرائها ومما لا يجد القاريء فيه المبالغة بخصوص تلك العظمة هو معرفتها الحقيقية بالتاريخ الثقافي للمنطقة التي كانت في يوم من الأيام قبلة كبار المفكرين والادباء والباحثين وممن مروا بها على سبيل المثال «جيمس جويس» الروائي الايرلندي الشهير و«سيجموند فرويد» العالم السويسري و«راينر ماريا ريلكة الشاعر الالماني المعروف وكلهم كانوا قد عشقوها وقالوا عنها الكثير في أعمالهم قبل دخولها مرحلة الاظلام التاريخي في العصر الحديث، فقبل مئة عام من اليوم كانت تريست الميناء الرئيسي للامبراطورية «الاستروهنجارية». في كتابها الذي تقول موريس انه سيكون الأخير في سلسلة كتاباتها ضمن ادب الرحلات حتى دون ان يصدقها أحد يعثر القاريء على شيء من البحث الجاد الممزوج بالسوداوية والانقباض وهو ربما ما تشعر موريس بأنه مناسب لتوصيف اجواء العظمة التاريخية الآفلة، فهي كمؤرخة ورحالة تتحدث في «تريست» عن واحدة من أهم الاماكن التي عرفتها ومنها «هونج كونج» و«سيدني» و«نيويورك» و«البندقية» المدينة التي كان لها سحرها المميز بين تلك المدن بسبب دورها التاريخي الذي أنقذ الامبراطورية الاستروهنجارية من الزوال على يد الجيوش العثمانية أو الايطالية. ففي بداية القرن العشرين وصلت تريست الى ذروة مجدها التاريخي على الصعيد الدولي بوصفها معبرا للوصول الى منطقة اوروبا الوسطى الى درجة انه كان قد أطلق عليها تسمية «بوابة العبور الثالثة التابعة لقناة السويس». وعن دورها العسكري تتحدث المؤلفة باختصار عن الدور الذي لعبته على مسرح الاحداث في مستهل مرحلة الحرب الباردة عندما سعى المارشال تيتو الى ضمها ليوغسلافيا وهو ما تعتبره موريس افلاتا من الوقوع في شرك المعسكر الشيوعي أو «القبضة الحديدية». ولعل هذا مما يجعل كتابها الأخير قريبا في شكله من الدراسات التاريخية المرتبطة على نحو كبير بالواقع الحي الذي ربما كان مصدره الرئيسي هو ذاكرتها الشخصية. (كانت المؤلفة قد تعرفت الى المنطقة أثناء عملها كجندي في الخدمة العسكرية باسم جيمس موريس الاسم الذي عرفت به قبل سنة 1974 قبل خضوعها لعملية تحويل للجنس). هذه الذاكرة التي استقتها من معايشتها الحقيقية لأحداث الحرب العالمية الثانية والتي خرجت من خلالها بهذه الحصيلة من الملاحظات حول حياة العزلة والوطنية والحب والجمال في تلك المدينة المنسية على حد تعبيرها. ينقسم كتاب موريس الاخير بين الجانب التاريخي المفصل والجانب الذي يعتمد على الذاكرة الشخصية والمشاهدات الحية في الوقت الذي يتلمس فيه القاريء مرونة ورشاقة الاسلوب الذي يجعل من السهل عليه ان يدرك كل ما ترمي الى قوله من حقائق وحتى ما تضيفه من معلومات من خلال وصفها للمكان وتفسيراتها المنطقية لما يحدث من أمور تستوجب وقوعه في دائرة النسيان. اعترفت المؤلفة في مرات كثيرة بأن كتابة أعمال مثل أدب الرحلات ربما وقع حسب تصنيفه تحت مسمى الانواع الأدبية القديمة غير المنسوبة الى حد ما الى روح العصر، ولكن بسؤالها عن السبب الكامن وراء اطلاقها تلك التسمية أعطت ردا مختلفا ربما عما يتصوره الكثيرون وهو ما يتعلق بعدم قدرة مؤلفي أدب الرحلات المعاصرين على انجاز شيء يختص بالتعريف بالآخر وليس بمقدرة المؤلف على القيام برحلة مماثلة لما يقوم به غيره متى ما توفرت لديه الظروف المادية الجيدة. ولعل السؤال المطروح في مرحلة لاحقة من هذا التصريح يجر وراءه السؤال التالي.. لماذا تختار موريس في رحلاتها أماكن مثل «بكين»؟ أليس من أجل الاكتشاف والوصول الى الحقيقة عن كثب، فبكين التي ظلت مغلقة طوال عقود من الزمن تفتح أبوابها للتغيير على نحو غير عادي، هنا تعلق المؤلفة بقولها: ما الذي طرأ من تغيير خاصة فيما يتعلق بأسلوب التفكير التقليدي القديم الذي ينزع نحو الذكاء؟ وفي الهند تواجه قارئها بنوع من الذهول والشعور بالكآبة.. هل لاتزال الحكومة الهندية ماضية في تقليدها للبريطانيين حتى بعد مرور عقود طويلة من الاستقلال؟ وفي احدى المرات تتحدث عن النموذج الهندي المعاصر بشيء من الازدراء. ففي احدى زياراتها التي تلتقي فيها فنانا هنديا محترفا يتحدث الرجل بلهجة تشعر المستمع بأنه مازال في نيويورك أو في أية مدينة غربية اخرى بعيدا عن الهند وفي مثل هذه المواقف يأتي أسلوب موريس كالعادة ليوضح الحقيقة، فبالنسبة للمباديء الأساسية التي أرست قواعدها حكومة غاندي لم يبق منها الكثير. جزء من الخروج من اطار الكلاسيكية ربما كانت المؤلفة قد عبرت عنه باختيارها العناوين ذات العلاقة بمضامين شاملة كما في «عالم البندقية» وهو أحد الأعمال الصادرة لموريس في سنة 1960 ثم أعيد اصداره بعد ذلك في سنة 1995 لمؤلفه جيمس موريس في الفترة التي عملت فيها جان موريس مراسلة للشئون الخارجية في ايطاليا، وعلى الرغم مما تبديه من تحيز للثقافة الفينيسية أو الثقافة الأكثر جمالا على وجه الأرض، الا ان اسلوبها السردي يأتي مماثلا لشرحها الموضوعي للخصائص التاريخية والاجتماعية والثقافة المميزة لهذه المدينة. الجزء الذي تتحدث فيه موريس عن هونج كونج «هونج كونج خاتمة امبراطورية» وكما يوحي العنوان يسلط الضوء على آثار الحكم الاستعماري البريطاني لهونج كونج، وهو ما تخصص له المزيد في أربعة فصول يتناول كل واحد منها مرحلة معينة من تاريخ هونج كونج، يبدأ الأول منها في منتصف القرن التاسع عشر تقريبا عندما تأسست المدينة في منطقة قاحلة لاستخدامها كمركز لتجارة تهريب المخدرات الى الصين والثاني في الثمانينيات من القرن التاسع عشر في ذروة الانتعاش الاقتصادي والسياسي والعسكري والاستراتيجي الذي شهدته بريطانيا وهذه المستعمرة ولت في عشرينيات القرن العشرين عندما بزغ نجم شنغهاي على نحو مفاجيء والرابع في اربعينيات القرن العشرين عندما قامت اليابان باستعمار هونج كونج ثم المرحلة التي تحولت خلالها اليابان الى ملجأ للمواطنين من ذوي الاصول الصينية الفارين أصلا من بلادهم عبر المنافذ الموصلة من شنغهاي الى هونج كونج. في تناوله للجانب التاريخي يبدو بحث موريس موفقا خاصة في تصديه لاشكالية الوجود الاستعماري البريطاني في هونج كونج وهو ما تفرد له خمسة فصول تشتمل على حكايات ونوادر تعنى بمناقشة الجوانب الاجتماعية والادارية والاقتصادية والثقافية للحياة في مجتمع هونج كونج بالاضافة الى حرص المؤلفة كعادتها على اختيار عناوين مناسبة شديدة الايحاء بالموضوعية لكل واحد من هذه الفصول، فعلى سبيل المثال يأتي الفصل الذي تتحدث فيه عن الادارة تحت عنوان «أنظمة السيطرة» والفصل الذي تتحدث فيه عن الاقتصاد وادارة الأعمال تحت عنوان «وسائل الدعم». بوجه عام فإن مراجعة موريس لكتابها الصادر سنة 1987 في سنة 1997 قبل مدة قصيرة فقط من عودة المستعمرة البريطانية السابقة الى الصين ليست على ذلك القدر الذي ربما كان يحلم به القاريء من حيث توفرها على وجهة النظر الأخيرة التي تشتمل على المزيد من الواقعية. كتابات جان موريس عن اوروبا تبدو كما يبررها النقاد بقولهم ان أحدا لا يمكنه الكتابة عن أوروبا بشكل منصف يلقي الضوء على جملة المتغيرات التي طرأت عليها خلال الستين سنة الماضية. وبذلك فإن «خمسون سنة من اوروبا» قد تأخذ هذا المنحى خاصة تحت العنوان الفرعي الذي تخصصه المؤلفة لتوضيح الهدف الرئيسي من تأليفه وهو «البوم» قد لا يتضمن أكثر من معلومات طريفة عن تاريخ أوروبا والحياة الطبيعية فيها.