تعددت أساليب التصوير الفوتوغرافي وآلياته وغدا فن التصوير الضوئي ابداعا فنيا تقام له المهرجانات والمعارض في بلادنا العربية بعدما كان فنا محرما لدى جمهور المسلمين عامة. وغني عن القول ان فن التصوير الضوئي قد دخل بلادنا العربية على أيدي الفنانين الاوروبيين، ولقد شجعت المدارس الفكرية الاوروبية نمو الانتاج الفوتوغرافي في المنطقة العربية. وهناك عوامل اخرى أسهمت في ازدهار التصوير الشمسي في بلاد الشام، منها ادخال السفن التجارية الى الخدمة سنة 1835م فازداد بذلك عدد السياح والحجاج الى المنطقة التي أصبحت أكثر قربا من أوروبا بافتتاح خط مرسيليا ـ الاسكندرية البحري، ثم يافا وبيروت. بعد ذلك جاء اعلان توماس كوك في لندن 1868 عن تنظيم رحلات سياحية الى مصر وسوريا، ومع انتقال عدد كبير من السياح الاوروبيين الى المنطقة وتطوير أساليب التصوير بحيث أصبحت أكثر سهولة للاستعمال، أخذت الاستوديوهات المحلية بالظهور في كل من بيروت والقدس ويافا وحلب، وتحول الانتاج والتصنيع من أوروبا الى المنطقة. حول رحلة فن التصوير الضوئي في بلادنا التقينا بعض أصحاب استوديوهات التصوير الذين حدثونا عن بدايات التصوير وكبار المصورين الأوائل، حيث كان المصورون الرواد في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر يهتمون بتصوير المعابد والهياكل القديمة، ويبدو هذا واضحا في أعمال دايفيد روبرتس دوليم بارتلت وغيرهما. ونظرا لكثافة عدد المصورين الذين تجولوا في بلاد الشام خلال السنوات التي تلت الاعلان عن اكتشاف التصوير الشمسي، فإن الانتاج الفوتوغرافي عن سوريا هو الثاني من حيث الكمية بعد أوروبا. ولقد تم العثور مصادفة على 28 ألف صورة فوتوغرافية لمختلف نواحي الحياة في بلاد الشام قبل أكثر من قرن من الزمان في متحف جامعة هارفارد. يقول د. عفيف بهنسي: لقد لعبت الصدفة دورها في الكشف عن تلك الثروة من الصور الفوتوغرافية. ذلك ان بعضها كان قد تم شراؤه من تاجر انجليزي في لندن، وأودع منذ عام 1889 في متحف هارفارد بعد عام من افتتاحه. وكان مقرا للدراسات الشرق أوسطية للغات والحضارة. ولقد تم بعدئذ تظهيرها وترقيمها ووضعها في صناديق أودعت مستودعات، وأهملت منذ ذلك الوقت. وفي عام 1950 تم انشاء طابق علوي لبناء المتحف، وهكذا توزعت المحتويات، وكان من حظ هذه الصناديق ان تنقل خطأ الى مقر مركز الشئون الدولية حيث كان هنري كيسنجر يشغل وظيفة مدير مساعد وكان المركز يجابه معارضة الطلاب لحرب فيتنام. وفي عام 1970 حدث انفجار قوي في سقف الطابق العلوي للمبنى كان قد دمره معارضو هذه الحرب المستنكرة، مما أدى الى خراب الطابق العلوي وظهور الصناديق التي لم تعرف هويتها في بداية الأمر، ولكن أمين المتحف كارني جافن كان يقوم باعداد دراسة أثرية للحصول على الدكتوراه قام بفتح هذه الصناديق مجهولة المحتوى، وكانت دهشته كبيرة إذ تبين له ان هذه الصور تعود الى أكثر من 100 عام وان عددها يتجاوز الثمانية والعشرين ألفا من الصور. كما تبين ان عددا كبيرا من الصور التقط من قبل المصور الفرنسي بونفيس الذي تعتبر عائلته من أشهر العائلات التي قامت بالتصوير الشمسي في بلاد الشام، فقد التقطت هذه العائلة (فيلكس الأب، وليدي الأم وادريان الابن) ما يقارب ثلاثة آلاف صورة في سوريا وتركيا ومصر واليونان، وقد أصدرت هذه العائلة خمسة مجلدات مصورة بعنوان «ذكريات من الشرق» خلال السنوات 1877 ـ 1878م. وتعتبر زوجته ليدي من أوائل النساء المصورات في بلاد الشام، وقد اشتهرت بصور (البورتريه) التي كانت تلتقطها داخل الاستوديو. ومن اوائل المصورين في بلاد الشام نذكر: جورج صابونجي الذي افتتح استوديو للتصوير في مطلع الستينيات من القرن التاسع عشر، وقد تجول في مصر والاناضول، وفي احدى رحلاته الى مصر كان برفقته المصور الفرنسي الشهير بونفيس المقيم في بيروت. التقط صابونجي عددا من الصور لشخصيات سياسية وأدبية اضافة الى التصوير الطوبوغرافي للمدن السورية، كما نشر العديد من المقالات في مجلة «المقتطف» يشرح فيها أساليب التصوير الشمسي. ومنهم: شارلييه، فرنسيس فريث، بوخيه، فيسكه، فيوريللو، ماتسون، شميدت، كرامب... أما عن أوائل المصورين في مدينة حلب تحديدا، فيمكننا ان نذكر المصور الرائد فارتان ديرونيان الذي كان من أوائل المصورين الذين أقاموا في المدينة واتخذوا التصوير حرفة وأنشأوا استوديو خاصا بذلك، وهو صاحب الصور الشهيرة التي أرخت لقدوم الأرمن الى حلب عام 1915 هربا من المذابح الجماعية التي قام بها الاتراك آنذاك. دمشق ـ صباح فاروق كيالي
