هل جاء الوقت الذي تدفع فيه السينما الأمريكية فاتورة الأوهام والأحلام الزائفة التي ظلت تروج لها طيلة نصف القرن الماضي؟! هكذا كان طبيعيا أن يندهش الجميع وهم يرون ادوارد زويك مخرج فيلم «الحصار» يحكي انه حين استشار خبراء الارهاب قبل تصوير الفيلم الذي يبدأ بأحداث تشبه ماحدث في 11 سبتمبر أكدوا له استحالة امكانية حدوث هذه الاشياء في الواقع! «زويك» أضاف انه لم يرد من خلال تقديمه للفيلم الا ان يثير جدلا حول احتمالية حدوث هذه الاشياء، وكان كلما سأل أحد ماذا لو حدث؟ قابله بسخرية سواء كان من النقاد أو المشاهدين! حالة الغرور الزائدة عن الحد واستجابة صناع الأفلام الأمريكية لرغبات المخابرات المركزية والبنتاجون بحثا عن دعم مالي أو تسهيلات، جعلت وقع ماحدث يوم الثلاثاء الأسود أبشع على كل المستويات وبقدر ماوقع الشعب الأمريكي في براثن الاكتئاب غير القابل للعلاج بعد أن أفاقوا من حلم كرست له هوليوود، على كارثة مستبعدة!! بقدر ما كان السينمائيون الامريكيون واقعون في براثن خيبة الأمل وبصورة لا تقل بشاعة! فهاهو مخرج هوليوود الكبير مارتن سكور سيزي يقررر ضمنا الاعتزال وهو يسأل: عندما يتحول الخيال الى واقع مرعب، ماذا استطيع أن أفعل؟! والمنتجون طبعا على الخط، وخسائرهم ستكون فادحة باستثناء من يستطيع منهم الافلات من شبح الازمة، وطبيعي جدا أن يختلف الامر في الولايات المتحدة عنه في باقي الدول. ففي حين قامت ستوديوهات هوليوود بشكل عام باعاد النظر في تيمة الارهاب على اعتبار انها لم تعد مقبولة هناك الآن ورفعت بريطانيا أفلاما من دور عرضها لاحتوائها على مشاهد أو جزء من مشهد، كادت أن تحدث مشكلة بين مديرة الأفلام الأجنبية في الرقابة على المصنفات الفنية بمصر آتين عبدالرؤف وبين احدى شركات توزع الافلام في مصر بسبب فيلم عنوانه الهجوم على أمريكا كما ان هناك عشرات من شركات انتاج الكاسيت تنتظر قرار الرقابة بشأن التصريح لها بإطلاق ألبومات عما حدث للولايات المتحدة أما في هوليوود فقد أعلن عدد من أصحاب الاستوديوهات انهم لن يقبلوا قصصا أو سيناريوهات تدور عن الارهاب أو تدمر أمريكا، ومنهم منتج أفلام الأكشن الشهير جون ديفيز الذي انتج ضوء نهاري لسيلفستر ستالوني!! وبالفعل بدأت شركة مترو جولدن ماير تنفيذ ذلك، فقد كان لديها سيناريو فيلم كتبه ستوزكرمان منذ عامين تدور أحداثه حول عملية ارهابية تستهدف مركز التجارة العالمي، وطبعا ألغت هذا المشروع تماما! هذا عن المستقبل أما عن الحاضر، فقد تعرض خلاله عدد كبير من منتجي السينما في أمريكا لخسائر فادحة، حيث خسرت شركة ديزني 60 مليون دولار أنفقتها على الفيلم الكوميدي متاعب كبيرة الذي قام ببطولته تيم ألين، والذي يتم فيه تهريب سلاح ناري داخل حقيبة في طائرة لتدور الاحداث في معظمها داخل الطائرة المخطوفة بين البطل والارهابيين. هذا الفيلم كان من المفترض ان يعرض أواخر سبتمبر الماضي، ولم يعرض الفيلم ومن المحتمل الى حد كبير الا يعرض مطلقا. في الاطار نفسه كان مقررا عرض فيلم أرصفة نيويورك الذي تدور أحداثه داخل المخابرات المركزية الامريكية ويتعرض في بعض اجزائه للارهاب، ولان الظروف حالت دون عرضه، فقد وقعت شركة باخونت هي الاخرى في مأزق! وهناك فيم الرجل العنكبوت الذي تم سحب صورة من موقع الفيلم على الانترنت ومن دور العرض بشكل سريع جدا بعد أحداث 11 سبتمبر لأن الأفيش كان يصور بطل الفيلم العنكبوت معلقا بين برجي مركز التجارة العالمي! والمصير نفسه ينتظر فيلم (24) تويني مور، الذي كان مقررا عرضه بالفعل، ويحكي قصة عميل مخابرات لديه 24 ساعة فقط ليمنع مجموعة من الارهابيين من اغتيال مرشح للرئاسة، والمثير للسخرية أن افيشات الفيلم كانت عبارة عن طائرة تنفجر في الهواء!! أمر هذه الافلام اضافة الى أكثر من 270 فيلما أخرين معروضا، ومصيرها اصبح محددا، لكن المعضلة الأكبر التي تواجه بعض شركات الانتاج في هوليود هي في كيفية الانتهاء من تصوير بعض الأفلام التي أوشكو على الانتهاء منها، ومدى جدوى ذلك، وهل بإمكانهم تعديل النهايات وحذف بعض المشاهد ليتمكنوا من عرض أفلامهم أم لا!! فيلم الهجوم على امريكا اخرجه رودني ماكدونالد وقام ببطولته دانيل بولدوين وفران زاجارينو، وتدور أحداثه حول اختطاف سفينة فضائية على ايدى مواطنين من احدى الدول الاسلامية الصغيرة التي تعاني من احتلال الروس لها، ويطالب المختطفون بتدخل الولايات المتحدة للضغط على الروس لانهاء احتلالهم لدولتهم. أما المشكلة فبدأت عندما رفضت مديرة الافلام الاجنبية طلب الشركة بتسمية الفيلم الهجوم على أمريكا واستندت في ذلك الى أن الاسم الانجليزي (Fallout) يعني الغبار الذري لكن صاحب الشركة أكد مشروعية طلبه بان العرف الجاري وبعلم الشركات الامريكية هو التصريح باسماء عربية لا يشترط فيها الالتزام بالأصل الاجنبي وان هذه الظاهرة معروفة لدى الجماهير والنقاد والمسئولين غير ان د.مدكور ثابت لم يلتفت الى ذلك، بل اعتمد في الموافقة على الاسم استنادا الى الرابطة الموضوعية بين عنوان الفيم ومحتواه والتي اكتشف الاشارة اليها في التقارير السابقة عن الفيلم والوقائع المكتوبة قبل وقوع الأحداث. على أن أطرف مافي الأمر هو أن الدكتور مدكور ثابت نفسه الذي سبق له الاطلاع على تقارير الفيلم واعتمادها في شهر مايو الماضي أكد أنه عندما أعاد قراءتها في ضوء الأحداث الجديدة قرر مكافأة بعض الرقباء بسبب وعيهم السابق على وقوع الأحداث خلال تحليل الفيلم. القاهرة ـ «بيان اليوم»