استطاع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بتكريمه للمخرج توفيق صالح أن يلحق بقطار الوفاء والتقدير لمخرج ذي مكانة فريدة في تاريخ السينما العربية. فتوفيق صالح صنع سينما خاصة تنبع قيمتها من تميزها الفني وجسارتها الفكرية وقدرتها على التواصل الفعال مع الواقع المعاصر. كل هذه السمات وضعته على رأس قائمة أفضل المخرجين العرب، لتظل أفلامه تزين تاج السينما العربية، رغم قلة عددها، فهي لا تزيد على سبعة أفلام، خمسة منها في مصر والسادس في سوريا والسابع في العراق. وفي الحوار التالي يفتح توفيق صالح قلبه لـ «البيان» ويتحدث كثيرا عن عشقه الأبدي .. عن السينما، ويبادرنا بكلمة مقتضبة عن التكريم يقول فيها: سعدت بتكريم مهرجان القاهرة لي في دورته الخامسة والعشرين .. دورة اليوبيل الفضي .. وهذا من حسن حظي أن يتوافق تكريمي مع الاحتفال بمرور ربع قرن على عمر المهرجان. ـ لماذا فتر حماسك للاخراج؟ ـ الحماس لم يفتر ... لكنه قوبل بصد مستمر، حتى شعرت بالملل والزهق وقلت لنفسي: أنا في بيتي ... من يريدني يتصل بي وهو موقف من الانتاج وليس الاخراج. ـ ألم يكن ابتعادك عن ساحة الاخراج بآخر أفلامك الليالي الطويلة؟ ـ ليس هناك علاقة بطبيعة الحال، لكني عدت مع تغير الظرف الاجتماعي وكلي أمل في صنع سينما مختلفة، لكني وجدت منتجين كسالى غير قادرين حتى على مشاهدة أحد أفلامي، للحكم على ما اذا كنت قادرا أم لا على الاخراج مرة أخرى، بل أن بعض المنتجين لجأوا الى بعض المخرجين يسألونهم الرأي والمشورة، لكن للأسف لم يقل أي منهم كلمة طيبة عني، وهذا الأمر ينطبق أيضا على بعض النقاد الذين تم استشارتهم حتى اتفق معي أحد المنتجين وتعاقد معي بالفعل ثم ألغى التعاقد بعد أن سمع من أحدهم هذا الكلام. ـ ألا ترى أن هناك تطورا في مهنة الاخراج في مصر، خاصة اذا تأملنا ما يسمى بـ «أفلام الموجة الجديد»؟ ـ الحقيقة أنني لا أرى جديدا، أو هو قليل جدا الحياة في مصر عموما تغيرت بحيث لم تعد في حاجة الى سينما لندرك أنها تغيرت، يمكن القول أن الجيل الجديد يملك امكانيات مختلفة ونظرة مختلفة للسينما والمجتمع، نتيجة لهذا التغيير العام، لكنه لم يقدم فتحا جديدا في اللغة السينمائية، وليست لديه فلسفة جديدة، وقد أتيح لي مشاهدة كل الأفلام المصرية التي أنتجت خلال العامين الأخيرين ولم أر أي جديد. ـ في رأيك ما هو السبب في ذلك هل هو تخلف التكنولوجيا؟ ـ التكنولوجيا سبب لكن تخلف السينما المصرية يكمن في نظرة السينمائي نفسه للسينما، في مفهومه لها، ولكي تخرج السينما المصرية من أزمتها لابد أن يعيد السينمائيون النظر في وعيهم لدور السينما طبعا هناك قلة مستثناه، وتريد التغيير، لكن الامكانيات غير متاحة لأن الآمر الناهي في السينما الآن الموزع والممثل، وليس المخرج أو حتى المنتج. ـ أنت واحد من المخرجين الذين عملوا في ظل امتلاك القطاع الخاص للسينما، ثم امتلاكها للدولة فما رأيك الآن في خصخصة السينما بالكامل؟ ـ الحديث الآن عن القطاع العام في السينما لا طائل من ورائه لأن الدولة بكل مؤسساتها تتجه نحو الخصخصة، وهو توجه أساسي لكنني لا أصدق أن هدف هذه الشركات السينمائية الكبيرة إنقاذ هذه السينما، لأنهم سيمولون بعض الأفلام من وجهة نظرهم ستدر عليهم أموالا، أما العيب الأساسي فهو في السينمائيين أنفسهم، فهل من المعقول أن يتم تقديم عمل باسم «العري» الى هذه الشركات تدور أحداثه أو أغلبها في غرف النوم!!، مفهوم الفيلم يجب أن يتغير وأي مبدع تبدو قيمته الفنية في طبيعة علاقته بمجتمعه، كل هذه الأمور يجب أن تتغير وأعتقد أن رأس المال سيأتي لأن السينما طوال تاريخها تستطيع أن تجد المال الكافي لتمويلها لأنها مربحة. ـ في رأيك من هم المخرجون الذين حاولوا تحقيق المعادلة الصعبة في تقديم الأعمال المتميزة واقامة علاقة واسعة مع الجمهور؟ ـ في السينما نعطي قيمة كبرى للمخرح، وهذا طبيعي، لكن هنا في السينما المصرية ليس بالضرورة أن يكون المخرج هو الأساس، مثلا بعض المخرجين الجيدين نلاحظ تغير مستواهم الفني من فيلم الى آخر حسب حالة السيناريو الذي ينطلقون منه، على عكس بعض مخرجى زمان الذين كانوا يشرفون أو يشتركون في كتابة السيناريو، ونجد نفس الأمر عند مخرج مثل داود عبدالسيد الذي يكتب أفلامه بنفسه أو يتابع ويشرف على الكتابة، لذلك لا نجد فرقا كبيرا عنده بين الفيلم والآخر، لكن حتى داود الذي بلغ قمته في«الكيت كات» لم يكن بنفس حيويته عندما أخرج «أرض الأحلام» لفاتن حمامة، لأن الفيلم نوعية أخرى غير تلك التي أبرزت امكانياته كمخرج، وهو ما حدث أيضا في«سارق الفرح» الأقرب الى «الكيت كات» فكانت الصياغة السينمائية أكثر ليونة ومرونة. ـ بمناسبة الحديث عن الكتابة لماذا لم تتعامل مع نجيب محفوظ بعد درب المهابيل رغم صداقتكما الممتدة حتى الآن؟ ـ الحقيقة أنني طلبت منه أكثر من مرة شراء أحد أعماله، وفي كل مرة يأتي من يسبقني ويقطع عليّ الطريق وهو ما حدث مثلا في «اللص والكلاب»، طلبت منه أن يحجزها لي لكنه باعها لأول شخص طلبها، وكان هذا الشخص يعرف أنني أريدها لذا دفع 500 جنيه ثمنا لها، لأنه باختصار مش عايزني أشتغل ، ونجيب محفوظ لن يتعطل من أجل شخص يرفضه المنتجون. ـ بعيدا عن الشروط الانتاجية أتحدث معك عن الفيلم الحلم؟ ـ أحلم بأن أصنع فيلما يحتوي على صورة مختلفة بمكان ذي طبيعة متسعة، لكن كل هذا كلام لن يحدث أقول الحقيقة: أخاف أن أحلم! وأول ما أحس بحاجة مختلفة تلوح لي أجهضها بسرعة جدا!! القاهرة ـ نيرة صلاح الدين
