لم تُفضِ الدراسات اللغوية الغربية الحديثة الى نظرية او نظريات لغوية لها شأن الا بعد دراسات جادة، بنيت على الأساس الذي أرساه «دي سوسير»، او تفرعت منه، او نقضته. ثم شادت بنيانها، ورفعت اركانها على نحو جديد، فيه تغيير وتطوير. وليس من طبيعة التنظير ان تظهر النظريات بين يوم وليلة وقبل ان يبلغ الدرس مداه، بل من طبيعته ان يبدأ بدرس المنقول، ليأخذ منه المقبول، وينبذ المرذول، ثم يتصور ما يريد تصويره، ثم يحوّله وفق منهج واضح الى نظرية لغوية او أدبية. وصاحب المرايا المقعرة الدكتور عبدالعزيز حمودة لا يدّعي ان مراياه وحدها قادرة على وضع نظرية لغوية عربية، وانما يدعو الى دراسة ما أنجزه علماء البلاغة العرب من القرن الثالث الى القرن السابع الهجريين في ميدان التراكيب، والى تطوير ما خلّفوه بغية الوصول به الى النظرية اللغوية المرجوة، فيقول: «لو استمر العقل العربي في مساره لكان قد استطاع تطوير نظرية لغوية اكثر علمية واكثر تركيبية من اي نظرية لغوية بلاغية قدمها القرن العشرون في اوروبا وامريكا». وفي سبيل الوصول الى أدلة دافعة تقنع القاريء بما يذهب اليه يقارن الدكتور حمودة اسس النظرية اللغوية الغربية بما يقابلها من عناصر، تنطوي عليها الدراسات العربية القديمة، فينقل عن واضعي النظرية الغربية ثلاثة اركان، ثم ينطلق منها الى المقارنة والموازنة. أولها: ان الأصوات المسموعة قبل ان تتحول الى حروف مكتوبة او مطبوعة كانت العلامات اللغوية الدالة على المعاني. وثانيها: ان العرف الاجتماعي يخلع على هذه العلامات صفة الاستقرار والاستمرار. وثالثها: ان العلامات اللغوية لا تدل على الشيء نفسه، بل تدل على ما يتصوره العقل من هذا الشيء. وينجم عن هذه الاركان ان بين الألفاظ شبكة من علاقات داخلية تتيح للنص ان يبوح بما فيه من معان، كما ينجم عنها ان حقائق الأشياء تتحدد على ضوء هذه العلامات اعتماداً على رابطتين: رابطة صرفية تتمثل في علاقة الكلمة بوزنها وأسرتها الاشتقاقية، ورابطة تركيبية تتمثل في علاقة الكلمة بأخواتها وموضعها من السياق. وينجم عنها كذلك ان صلة المعنى بالمبنى صلة عضوية جدلية تقوم على التكامل كصلة الروح بالجسد، وأن الأصوات الفارغة من الدلالات فارغة من الحياة كأجساد الأموات، لها جرم وجسم، وليس فيها حركة ولا روح. وقبل ان يخطو مؤلف المرايا المقعرة خطوته الاولى في الطريق الموصلة الى النظرية اللغوية العربية يقرّ إقرار من يعزو الفضل الى ذويه بالخطوات التي خطاها اهل الحداثة في الطريق المؤدية الى التراث، ولكنه يعلل ما فعلوه بأنه لم يكن أكثر من البحث عن مواطيء صلبة، يضعون عليها أقدامهم ليخلعوا على دراستهم ضرباً من الشرعية الجوفاء، ثم ليترعوا جوف الشرعية بترهات الحداثة. ويقر في الوقت نفسه بأنه لا يبالغ في التنويه بصنيعه، ولا يزعم انه سيصنع نظرية شاملة متكاملة، بل يقول قولة منصف متواضع: انه يحاول ان يجمع العناصر التي تصنع منها هذه النظرية، ويذكّر المتعصّبين للحداثة المستوردة بأن العناصر التي يتصيدها من التراث العربي تعود الى القرن الرابع الهجري، اي الى القرن العاشر الميلادي. ولهذا فعليهم الا يطالبوا العرب في القرن العاشر بما وصل اليه الغرب في القرن العشرين. وبرغم الفارق الزمني الذي عمره الف سنة يستطيع الباحث المدقق ان يجد في تراثنا عناصر عصرية، تبنى منها النظرية العربية الحديثة، وتنفي عن عشاق النظرية الغربية ما هم فيه من الافتتان بعبقرية الغرب والانسياق في ركابه، وتقف على قدم المساواة في العمق والدقة مع عناصر النظرية الغربية الحديثة، وترد اليهم ثقتهم بالتراث العربي وبالعقل العربي. وهنا قد يتساءل القاريء عن اهتمام المرايا المقعرة بالنظرية اللغوية قبل الاهتمام بالنظرية النقدية الأدبية، فتجيبه المرايا اجابة حريصة على مسح الغشاوة عن الأبصار والبصائر. وفحوى هذه الاجابة ان العقل الغربي حاول ان يخرج النقد من انطباعات الذوق الى دقة العلم، فوجد ان السبيل الى ذلك هو الاعتماد على اللغة، وتطوير الدرس اللغوي حتى يغدو درساً نقدياً، وان البنيوية اللغوية كفيلة بإنجاز هذه النقلة. وهذا ما رآه العرب قبل قرون. ولما كانت الدراسة اللغوية الرداء العلمي الذي يرتديه النقد فقد عمدت المرايا المقعرة الى ارتدائه، فبدأت بالدرس اللغوي لتنطلق منه الى النقد، اي بدأت بنظم الكلام، وترتيب الألفاظ في تراكيب وجمل، واستشهدت على صحة النهج الغربي انتهجته بكلمة للناقد محمد مندور، اطرى بها نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني، اذ قال: انها تماشي ما وصل اليه علم اللسان الحديث من آراء، وهي أصحّ وأحدث ما وصل اليه علم اللغة في أوروبا حتى أيامنا هذه. قد يُحمل هذا الكلام على محمل التعصب للقديم بأسلوب عاطفي حماسي، ولهذا فلابد من قرن القول بالحجة، ووضع النص العربي الى جانب النص الغربي، اي لابد من موازنة النصوص التي طلع بها علينا اللسانيون الغربيون بالنصوص التي أورثناها البلاغيون العرب. وبعد المقارنة والموازنة نجيز كلام مندور او نرفضه، ونضاهي نظريات اللسانيين الاوروبيين بدراسات البلاغيين او نمسك عن هذه المضاهاة. قال «روبرت شولز»: «لا معنى في اللغة لاي تصويت بالنسبة لمتحدث ينقصه النسق اللغوي الذي يحكم معناه». وقال عبد القاهر الجرجاني قبله بألف سنة: «الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف». وقال أيضاً: «وهذا الحكم ـ اي تأليف الألفاظ ـ يقع في الألفاظ مرتباً على المعاني المرتبة في النفس المنتظمة فيها على قضية العقل». ارأيت الى مبلغ التطابق بين الرجلين؟ فكلاهما يربط دلالة الألفاظ بمبدأ أساسي هو نظمها او تنسيقها وفق ترتيب. وهذا الترتيب يطابق الفكرة المتخلجة في النفس قبل ان يبوح بها اللسان. ومهما يكن حظ اللفظة المفردة من تناسب الحروف، وتلاؤم المخارج، وحلاوة الجرس، فإنها تظل عند التحقيق عنصراً لفظيا، لا شأن له في البيان حتى تأخذ مكانها المناسب لها في النظم، فتأتلف مع أخواتها في تركيب سليم. قال عبد القاهر: «هل يقع في وهم، وان جهد، ان تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير ان ينظر الى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم؟ وهل نجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة الا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمتها لجاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟» وقال في موضع آخر: «ان الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظة. يشهد لذلك انك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك، وتوحشك في موضع آخر». ويذهب الغربيون من علماء اللسان الى أن الاصوات تسبق الحروف، اي أن اللغة المسموعة ام المكتوبة، ويذهبون كذلك الى ان العلاقة بين الصوت والدلالة والكتابة لا تستند الى منطق، وانما هي علاقة اعتباطية تواطؤية، تواضع الناس عليها. وليس فيما ذهبوا اليه جديد يدلون به على التراث اللغوي العربي. فقد سبقهم الجاحظ ومن جاء بعده الى ذلك كله. نقل صاحب صبح الأعشى نصا يوضّح هذا المبدأ اللساني فقال: «اذا اردت ايقافك احدا على ما في ذهنك من المعاني تكلمت بألفاظ وضعت لها. واذا اردت تأدية الفاظ لذلك الايقاف بغير شفاهٍ نقشت النقوش الموضوعة لتلك الألفاظ». واذا كان اللسانيون قد تحدثوا عن تعدد الدلالات التي تحملها الألفاظ، وعن مراوغة المدلولات للدوال، وعن الفراغات التي يملؤها القاريء عند كل قراءة جديدة للنص، فان في بحوث عبد القاهر ما يشير الى ذلك، او ما يعبر عنه بغير المصطلحات المستحدثة. قال الجرجاني، وفي قوله من جمال البيان مثل ما فيه من دقة النظر: «ان المعنى اذا اتاك ممثلاً فهو في الاكثر ينجلي لك بعد ان يحوجك الى طلبه بالفكرة... ان هذا الضرب من المعاني كالجوهر في الصدف، لا يبرز لك الا ان تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب، لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه». اليس في شق الصدف عن اللؤلؤ، وكشف الحجب عن عرائس المعاني مراوغة وتصيد للدلالات المتعددة، وملء لما في النص من فراغ؟ ومن يجد في نفسه القدرة والصبر على التنقير عما جاء في المرايا المقعرة من مقارنات بين عناصر النظرية اللغوية الغربية الحديثة وما انطوى عليه التراث اللغوي البلاغي فإنه واجد كل ما يطلب وفوق ما يطلب من مكونات يصنع منها نظرية لغوية عربية، تمتلك من الحداثة مثل ما تمتلك من الأصالة. وهذه المكونات تحدد السمات والقسمات المتوخاة في النظرية العربية المأمولة. ان الذين سحرتهم المدارس اللغوية الغربية لم يرسلوا ابصارهم وبصائرهم في التراث العربي، بل آثروا مقاطعته والاعراض عنه قبل ان يلتمسوا فيه والتمسوا في الدراسات الغربية الحديثة. ولو اخلصوا لانفسهم وامتهم لوجدوا ما جهلوا او تجاهلوا حاضراً. وباختصار نقول: ان القصور والفتور في الورثة لا في التراث، وان العجز في القاريء لا في المقروء. فلنفك بأصابعنا عقدة النقص التي عقدها على أعناقنا السير الأعمى في ركاب الغرب نظفر بعناصر النظرية اللغوية العربية بلا استجداء ولا استخذاء، وبلا توسل ولا تسول.