عزاء «الجميلة» في فقد هذا الفارس من فرسانها المخلصين منذ أيام ـ انه خلف مالا يموت بموته، وزرع شجرة طيبة دائمة الخضرة والثمر، وانه حين يذكر رواد الادب العربي في الخليج بعامة، وفي الكويت بخاصة، فان اسمه يتصدر كل الأسماء، لا باعتباره واحدا من الشعراء المبدعين فحسب، وانما ايضا واساسا لانه صاحب الفضل الاول والاكبر في الكشف عن آثاره المطمورة، وجمع اوراقه المتناثرة المجهولة، والتعريف برواده وفرسانه ومسيرته على امتداد القرنين الاخيرين. منذ البكور، وفيما يشبه الكشف الصوفي، ادرك خالد سعود الزيد رسالته في الحياة، حيث نذر نفسه وجهده لاضاءة ذاكرة وطنه، بالتعريف والتسجيل والتوثيق والدراسة لرواد التنوير والنهضة الثقافية في الكويت، وكانت درة اعماله الكثيرة في هذا المجال موسوعته القيمة «أدباء الكويت في قرنين» بجزأيها الاول والثاني، اللذين ضما تعريفا وافيا واعمالا لخمسة وثلاثين اديبا يمثلون العقد الذهبي الرائد في الحركة الادبية العربية في الكويت. وقد رفد هذه الموسوعة بنخبة من الكتب تناولت بعض الرواد بشيء من التفصيل، كما تناولت جوانب متعددة من التراث الادبي والثقافي الكويتيب العرض والتوثيق والتحليل، منها كتابه القيم «خالد الفرج» حياته وآثاره وكتابه الطريف وباكورة اعماله من الامثال العامية الذي جمع فيه حشدامن الامثال العربية والاقوال والاشعار الفصيحة. لقد اغتنت المكتبة فيما بعد بدراسات علمية عن ادباء الكويت الرواد، ولكن يظل لعطاء خالد سعود الزيد فضل الريادة واقتحام المجهول والبحث الدؤوب وجمع الاشتات. والى جانب ذلك كله: كان الرجل جذوة متوهجة بالنشاط العام في «رابطة ادباء الكويت» التي تولى امانتها فترة، وفي مجلتها «البيان» التي رأس تحريرها عدة مرات، ايام الزمن الجميل، الذي كانت فيه «الرابطة» و «البيان» مركز الاشعاع الثقافي القومي المرموق في الكويت. اما عطاؤه الابداعي الشعري، فتميز ـ على قلته ـ بنكهة خاصة، وروح متميزة، تفيض روحانية شفافة، وانسانية طيبة، وقدرة فائقة على تصوير خلجات النفوس، في لغة محكمة جميلة. في قصيدة له عن «العامل» يقول: أقمست ما التاريخ غير اهابه فالمجد كل المجد في جلبابه لا تنكروا ثوبا عليه ممزقا فلرب قصر شيد من اسلابه قسماته تنبيك مبلغ عزمه في النائبات ومدلهم صعابه فلرب ينبوع تفجر ماؤه في ضربة من فأسه وشبابه فالخصب في كفيه، الا انه ما نال من كفيه غير عذابه سل عنه تاريخ الشعوب تجد له ايات مجد لم تقم الا به ومن بديع شعره الذي يبين رهافة حسه وعمق الروح القومية عنده، انه طالع في الصحف مشهد تقديم اوراق اعتماد اول سفير لسوريا لدى مصر، بعد الانفصال المشئوم، وقرأ كيف بكى السفير الأديب الكبير الدكتور سامي الدروبي وهو يلقي كلمته، فرقرق دموع عبد الناصر، فثارت شجون الشاعر خالد مسعود الزيد وغلبته دموعه على ضياع حلم الوحدة العربية فكتب يقول: ذكرتنيها، فليت البين ماوقعا ذكرتنيها، فقلبي هالك جزعا حاولت نسيان يوم الانفصال فلم اذكره يوما لاني لست مقتنعا فجاء تقديمك الاوراق فاجعة ياويحها لحظة اودت بمن سمعا كفكفت دمعي فما استطاعت دوافعه كتما، فأطلقته فانهل مندفعا في السنوات الاخيرة ابحرت اشرعة خالد سعود الزيد في بحر التصوف، وهو اتجاه ظل يتنامى في فكره ووجدانه من قديم، حتى وصل به الى صوفية صافية بعيدة عن المظاهر وعن العزلة عن حركة الحياة، هي صوفية المجاهدة لشواغل الدنيا الزائفة، وصوفية التسامي بالعقل والقلب الى آفاق الحقيقة في الكون ومكنون مجالي اللا تعالي فيه. من ذلك قوله: انظر، تجده الله آثاره ملموسة تنطق عن قربه تبارك الله بآلائه ليس له من خالق مشبه