كلما ازددت معرفة بالأدب الأفغاني كلما ازددت حزنا وألما على ما جرى ويجري لهؤلاء البشر، الأصلاء، الأشداء، الذين قدموا إلى العالم هذه الرقة الشفيفة التي نجدها في لوحات مدرسة هيرات المنمنمة، كاد قلبي ينفطر عندما قرأت اسم هيرات بين المدن التي قصفت بأفتك الأسلحة وأمضاها وأحدثها وأبشعها، كاد قلبي ينفطر على أولئك البشر الذين أبدعوا ويبدعون . ليس حزني على هيرات وقندهار وجلال آباد وكابول وقرى صغيرة أخرى دفنت تحت الأرض بأثقل أنواع القنابل وأفتكها مجردا، إنما حزني على بشر منحوا العالم الشعر والجمال، ثم أودت بهم الظروف إلى ذلك المصير التعس، سعيد الحظ منهم الذي هام على وجهه ليلا هاربا من الجحيم إلى حيث اللامأوى والمجهول . ليست أفغانستان أحجارا جرداء كما يتصورها البعض، أو صحراء، أو مجرد قرى فقيرة في بنائها ومضمونها، انها بلاد ذات ثراء روحي عميق، وسوف أتوقف عند الشعر الذي رحلت عبره خلال الأسابيع الماضية، أدلتي عدة بحوث علمية، عرضت لأحدها الأسبوع الماضي (بلخ في الشعر الأفغاني) للدكتورة عزة مسلم، وكتب قدمها إلى المكتبة العربية كبار المتخصصين في الأدب الفارسي والأفغاني، أخص منها كتاب الاستاذ الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن (أفغانستان ـ التاريخ الشعر، الإنسان)، وما أطيل التأمل فيه الشعر إذ أنه لا يعكس روح هذا البلد العريق، إنما تاريخه أيضا . الشعر الأفغاني الحديث ليس الا مرآة للوقائع التي مرت ببلاد الأفغان منذ أن أصبح لها حدود واضحة المعالم عقب توقيع معاهدة رو البندي 1337هـ 1919، والتي جعلت لها كيانا مستقلا في المجتمع الدولي، يفصلها عن جيرانها، أصبح هناك كيان سياسي اسمه أفغانستان بعد أن كانت البلاد جزءا من إقليم خراسان الفارسي، وأصبح الأدب الأفغاني يبحث عن هويته بعد أن كان جزءا من الأدب الفارسي، هكذا بدأ الشعراء يحاولون البحث عن هوية خاصة لاشعارهم، تماما كما أصبح لوطنهم حدودا وعاصمة، ودولة، هكذا نضجت محاولات استقلال الشعر الأفغاني عن الفارسي رغم أنه مكتوب بالفارسية والتي بدأت منذ أن تمكن محمود الأفغاني من إسقاط الدولة الصفوية في إيران، والتي كان الأفغان يدينون لها بالولاء وقد انعكس هذا في سلوك الشعراء عندما بدأ بحثهم عن طرق جديدة للتعبير . من أوائل الشعراء الذين بدأوا محاولات الاستقلالية، عبد القادر بيدل الملقب بأبي المعاني، والمولود في عظيم آباد بالهند سنة 1054 هـ ـ 1632 وتوفي بالقرب من دلهي في الرابع عشر من صفر سنة 1133هـ ـ 1711 م، ودفن في ساحة منزله ثم نقلت رفاته إلى قرية قرب كابول. يقول بيدل في مثنويه الأعظم في تسبيح الله: التنزيه مصباح، ممساه، والتقديس ربيع روضته، الصمت ترنيمه، بيان للمقال والحيرة ناثرة للورد في حديقة الخيال، الصفاء متضمن في شمول الصفاء والخفاء متخف بطبع الخفاء، لا حزن ولا فرح ولا خريف ولا ربيع ولا نشوة خمر ولا تعلق بساقي، فالناي والنغم والمطرب الأخاذ للقلوب محتجبون خلف شعار لحن التوحيد. ويقول في إحدى غزلياته: أنا غبار يقاسي صفعة الرياح والأحرار أسرى الوحشة حلمنا الآمال وحبسنا الأنفاس فالسفر خطوة طريق وهذا الزاد الدنيا مليئة بالظلم مثل غابة القصب والصراخ يعلو من أصبع التحذير في كل شبكة حبة من الأماني والصيادون مشغولون بأنفسهم، ليس من خروج من هذا الماء والطين فتأوه يا شجر السرو والصفصاف، أن الذبول يريح الروح وقد نام أمثال فرهاد تحت الأحجار، فاغتنموا رسالتي، إن النسيان هو نهاية الذكريات وحتى من يحصى الناس الشرير والطيب، إنها الدنيا فدعك من التعداد، سواء كانت طيبة أم قبيحة فاعتبرها زائلة والملائكة تطير عنها. لقد ظلم الضعف بالشيخوخة القوي فلا تسل عن هذي البيوت العامرة، لم نثقب هذه الصروح قبل هذا بثقوب كثيرة مع أنها من الماء والتراب، لم يذهب أنين بيدل عن نغمة الإمكان ولم يتقادم تجديد الموجودات . يقول الدكتور محمد سعيد عبد المؤمن أن إقامة أبو المعاني في الهند أكسبته استقلاليته، كانت سببا قويا لترويج اسمه في أفغانستان، فبدأ الناس يعقدون المجالس لترويج شعره حتى أصبح قدوة لكل من جاء بعده بالنسبة للشعراء الأفغان. أثناء بحثى عن مصادر الشعر الأفغاني وعن رائده أبي المعاني، قادني كتاب الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن إلى كتاب آخر احتفظ به في مكتبتي منذ حوالي عشر سنوات ولم أفكر في قراءته نتيجة التزامي ببرنامج صارم، ورغم وجود الأدب الفارسي في هذا البرنامج، إلا أن جهدي اتجه إلى الشعراء الفارسيين، أي الذين ينتمون إلى فارس التي نعرفها الآن بإيران، أولئك الذين ينتمون إليها باللغة قديما وبالجغرافيا حديثا، لمت نفسي غير أن أحساسي بالذنب خف قليلا عندما قرأت في مقدمة الدكتور محمد يونس أستاذ الأدب الفارسي الذي اهتم به، وبدراسته، يذكر أنه جاء في مقدمة المجموعة الشعرية المخطوطة لأبي المعاني بالمتحف البريطاني ما نصه. (ولكن تكمن الحيرة في أن آلاف الأشخاص قد اهتموا بالأشعار المشهورة لسائر الناطقين بالفارسية لكن لم يبدأ أحد أي ملاحظة بأشعار هذا الشاعر المشهور حتى يتأثر بما له من معان ومفاهيم أويكون عنده الصبر والقدرة على قراءة شعره أو حفظ بعض أشعاره. الحق أن هذا الكتاب المطبوع عام 1989، طبعة للدراسة الجامعية، محدودة التداول، يعد المرجع الوحيد عن هذا الشاعر الأفغاني العظيم، يحصر الدكتور محمد يونس مؤلفاته، التي تقع في حوالي 3465 صفحة، وتتوزع بين المثنويات، هذا الشكل الذي نظم فيه مولانا جلال الدين الرومي عمله الخالد المعروف بالمثنوي، ويسمى هذا الفن عند العرب بالمزدوج وأشهر آثاره ألفية بن مالك، يقول أبو المعاني عن خلق الإنسان: في هذه النشوة وصل البحر إلى درجة الطوفان، ووصل دور التجلي إلى الإنسان. الآن ارتفع شأن المرأه، لأن هذه الحبيبة أخذت صورتنا، انبعث صياح الخلافة من التراب، أتت وردة ـ أو طينة ـ من الحجاب على صفحة الماء. هو محيط من حيث المعنى، وندى من حيث الصورة، هناك عالم من موج النفس في القفص. ويقول عن القلب: (القلب هو ماء الحب ونار الحق أيضا، القلب هو هذا الذي يكون حسنا وأيضا مرآة. القلب هذا الذي يكون في العيون حيرة، القلب هذا الذي يكون على الطباع مغيرا . القلب هذا الذي يتفاخر بالعز والثراء، القلب هذا الذي يئن من الفقر والعناء. القلب هذا الذي يسحب الصهباء من الدمح، القلب هذا الذي يعلو بالانين . القلب هذا الذي يمنح رائحة الكبد، القلب هذا الذي يخير عن القلب).. ومن غزلياته: (نحن غبار تحمل مشقة الرياح، الأحرار أسرى الوحشة عقدنا الآمال على اكتاف النفس، السفر طريق خطوة واحدة وهذا هو الزاد. عالم الظلم مثل غاب القصب مملوء، ترتفع الصيحات من اصبع الأسف لكل شراك من الأمل حبة، الصيادون أسرى أنفسهم لا يتيسر الخروج من هذا الماء والطين، اشتكوا أيها السرو، وأيتها الأشجار السامقة . حتى الذبول يحتضر براحة، لكل حجر . اغتنموا الرسالة أيضا، فآخر هذه التذاكرات، هو النسيان حتاما يعد شخص السوء والحسن، العالم هو أن تعبر التعداد اعتبرها فانية سواء كانت حسنة أم قبيحة، هي مجرد هزة جناح لهذه الأجسام اللطيفة ـ الملائكة ـ الظلم في الشيخوخة أضعف القوى، تسألوا عن هؤلاء الظالمين أصحاب المنازل العامرة . مثل كل الشعراء العظام الذين سبقوه يعبر بيدل عن العشق من منظور صوفي، ومن خلال مثنوياته وغزلياته أسس لخصوصية الشعر الأفغاني وأصبح رائده الحقيقي، ولنصغى إلى ما نظمه هذا الرائد في العشق الصوفي . قد جعلت سروك النزون عنوان الحيرة، وأقرأ الحنين من قمم مضمونك . أنا تربية الحزن في المساء فمالي وصبح السعادة، التعاسة هي ظل شجرة البيد لمجنونك. يجب على حثو التراب هذه الخميلة على الرأس، ما أكثر الورد الذي يغطي رسم اعتابك الوردية . تحول لحن المحشر إلى الآفاق من نظرة حيرتي، أي استغاثة من ناي الأهداف لمفتونك. لم يخرج اضطراب الاستغناء عن أنقبة العجز، خيوطنا التفت بشدة حول قانونك. فهم الوحدانية فوق اعتبارات الثنائية، في أعمار طويلة قد قرأت سحرك على نفسي . كلما أراه، ينبحث بحث من خيالك، العالمان كلاهما رأس منحنية لمحزونك. أيها القلب المجنون صبرا، لأنه لا حيلة لك من السويداء، فعين الغزال قد ابتعلت صحراءك يا بيدل، إذا رحبت الحرية بحضنك، فأفتح لها حضنك بالقدر الذي لا يقيد مضمونك. هذا ما أنشده أبو المعاني عبد القادر بيدل، الشاعر الأفغاني المؤسس للإتجاهات الحديثة في شعر أفغانستان، والذي عاش في القرن السابع عشر، هذا الشاعر العظيم ابن من ابناء هذا البلد الذي يذبح بأحدث آلات الفتك في القرن الحادي والعشرين.