يعتبر المهندسون المعماريون المدنيون الابطال العظام في قصة تطور تايوان وانتقالها من مجتمع متخلف، قائم على الزراعة الى دولة صناعية متقدمة. وهم يقومون بدور محوري في انشاء كل ما له اهمية حقيقية في الحياة اليومية للتايوانيين. مهنة المهندس المعماري المدني ليست بالمهنة الجديدة فهي قائمة منذ العصور الاغريقية والرومانية، واول معماري صيني معروف هو «يو الأكبر» الذي عاش في الفترة ما بين عامي 2270 ـ 2177 قبل الميلاد، وهو السبب الذي يجعل يوم ميلاده الذي يصادف السادس من يونيو يوم المهندس المعماري في الصين. يؤكد تسينج دارجن، مدير مكتب مشروع الحي الثالث التابع لمكتب منطقة تايوان لهندسة الطرق الوطنية السريعة يؤكد ان الهندسة المدنية والهندسة المعمارية هما مهنتان مختلفتان تماماً. فالمهندس المعماري يعمل على العناصر الجمالية والشكل ووضعية المشروع بينما يقوم المهندس المدني بدراسة المخططات والتصميم والأمور اللوجستية الخاصة بالبناء. ويشير الى ان الهندسة المدنية تشمل مجموعة متنوعة من العناصر كهيكل البناء والجيولوجيا والأمور الهيدروديناميكية والهندسة الجيوتكنيكية والنقل وادارة المشروعات. وفي سياق مشروع انشاءات نموذجي، يتم في البداية دراسة الأهداف والمتطلبات. فعلى سبيل المثال، يهدف مشروع الطريق السريع بين تايبيه وايلان الى شق طريق يربط الغرب بالشرق في إطار جهود الحكومة التايوانية لتشجيع الاستثمار المحلي في المناطق الشرقية من الجزيرة. ثم يتم بعد ذلك اجراء دراسة للجدوى، واذا ما اعتبر المشروع عملياً، فانه يلي ذلك التخطيط والتصميم وطرح العطاءات والبناء والتدشين والتشغيل في النهاية. وتشمل الدورة الطبيعية لاي مشروع الترميم والازالة واخلاء المكان. وفي الوقت الحاضر، يقوم مكتب مشروع الحي الثالث، بادارة مشروع الطريق السريع تايبيه ـ ايلان بالاشراف على جميع جوانبه من أساليب الانشاء الى ادارة الشكاوى. وبخلاف ما عليه الحال في العديد من الهيئات الحكومية الاخرى، فان توظيف المهندسين لا يعتبر مشكلة. فبحسب دائرة شئون الموظفين في وزارة النقل والاتصالات، لا يحتاج المهندسون الذين يعملون على مشروعات انشائية وطنية كبيرة الى اجتياز الامتحانات التايوانية الاولى او الثانية للموظفين المدنيين. فمؤهلاتهم تقوم على اختبارات فنية وكذلك على ادائهم في المساقات الدراسية ذات العلاقة في الجامعة. والموظفون هؤلاء يتمتعون بالمزايا نفسها التي يتمتع بها الموظفون المدنيون، ولكن حالما يكتمل المشروع، فانهم اما يتم ترحيلهم الى مشروع اخر او يجري تسريحهم. ويشير المسئولون في القطاع الحكومي التايواني الى اقبال اعداد كبيرة من المهندسين المدنيين على العمل في المشروعات الحكومية وذلك من اجل اكتساب الخبرة ولانهم يعلمون ان رواتبهم الاساسية مضمونة من الحكومة. وحالما يكتسب المهندسون الخبرة الكافية، فانه يكون بمقدورهم ان يكسبوا رواتب جيدة في القطاع الخاص. وعلى الرغم من الاغراء المالي للقطاع الخاص، الا ان هناك اعداداً كبيرة من المهندسين المدنيين المخضرمين الذين يعملون في مشروعات انشائية وطنية كبيرة. لكن السؤال هنا هو ما الذي دفع هؤلاء الى اختيار هذه المهنة في المقام الاول؟ لقد اختار تسينج دارجن، شأن الكثير من الطلاب التايوانيين، دراسة الهندسة المدنية من دون معرفته بماهيتها الحقيقية. ويقول بهذا الخصوص: «كان اختياري الاول هو دراسة الزراعة، لكنني اعدت التفكير في الأمر نظرا لان الزراعة لم تكن ذلك المجال الواعد كثيراً. والهندسة بدت اكثر ملاءمة لي». ويؤكد تسينج على ان الهندسة المدنية تعتبر جزءاً لا يتجزأ من التجربة الانسانية. ويقول: «لاحظ كيف يلعب الأطفال، انهم يحبون ان يحفروا ويكوموا الكتل الخشبية. وهم يستمتعون ببناء الأشياء مثل البيوت على الشجر وذلك لان هذه الأعمال تشتمل على الابداع. ونحن نستطيع ان نبني اي شيء في مخيلاتنا». ومن المهندسين من يعتبر عمله مهمة وطنية، وليس وظيفة عادية يتقاضى عليها اجراً في نهاية كل شهر. ويتطلع هؤلاء الى المساهمة في انجاز معلم بارز او مشروع ضخم يبقى محفوراً في ذاكرته وذاكرة الأجيال القادمة. ويشتهر المهندسون المدنيون في تايوان بتسمية انفسهم بـ «البحارين على الارض» استناداً الى الحياة المتنقلة التي يعيشونها مرتحلين من موقع بناء لآخر. وفي مشروعات الطرق، بشكل خاص، غالباً ما يجد المهندسون انفسهم معزولين في مناطق نائية من الجزيرة. والأوضاع الصعبة كهذه تساعد المهندسين على تكوين جماعة متماسكة. فالكثيرون يعملون مع بعضهم البعض ويعيشون في مواقع مشروعات عديدة على مدار سنوات. لكن هذه الايجابيات القليلة لا تعني خلو هذه المهنة من الصعاب الكثيرة التي تجعلها خارج قائمة المهن التي تقدّم الامتيازات الثلاثة الكبار وهي الراتب السخي والعمل السهل والقرب من المنزل. وهي من المهن التي ينال العاملون فيها الكثير من الانتقاد والقليل من المديح، فاذا ما اكتمل المشروع وانتهى على خير مايرام لن تجد من يبادر الى شكرهم، ولكن اذا سار اي شيء على غير ما يرام فسيواجهون سيلاً من الانتقادات على ذلك. وعلى الرغم من هذه المكانة المتدهورة للمهندس المدني وهذه الصعاب التي يواجهها في تايوان الا انه لا يزال يواصل عمله بكل اخلاص وجد ويرى المكافأة في انجاز العمل نفسه بصورة متقنة وسليمة. ضرار عمير