لماذا يزداد الاغنياء غنى والفقراء فقراً؟ لا نقصد بهذا السؤال الافراد، بل الدول، ويبدو ان الاجابة عليه لها علاقة بالصقيع، كما اشار بحث جديد عن مناخ العالم. ربطت مجموعة من الباحثين بجامعتي بوردو وتافتس وخبراء اقتصاد بين الصقيع وثروات الدول، وقالت ان الصقيع يلعب دورين هامين، اولاً لانه يساعد المزارعين على زيادة الانتاجية الزراعية، كما يساعد في علاج الامراض وعدم انتشارها، خاصة الملاريا. وتعد هذه المرة الاولى التي تثبت فيها علاقة بين المناخ والثروات القومية. وكان المراقبون قد لاحظوا منذ قديم الزمن الاختلاف بين الشعوب التي تعيش في المناطق المدارية وتلك التي تعيش في المناطق المعتدلة، وقال الفيلسوف اليوناني ارسطو منذ عام 350 قبل الميلاد ان الشعوب التي تعيش في المناطق الباردة مليئة بالحيوية. ويبحث الباحثون منذ صدور كتاب آدم سميث عام 1776 بعنوان «ثروة الامم» في كتاب جيرد دياموند بعنوان «مدافع وجراثيم وصلب» في عام 1998، في سبب غنى بعض مناطق العالم والفقر المدقع في مناطق اخرى. ويقول الباحثون لماذا تقع الدول الفقيرة في المناطق المدارية وغالبية الدول الغنية في مناطق اخرى. مع العلم ان هناك بعض الاستثناءات البسيطة لهذه القاعدة. يقول الباحثون ان كوريا الشمالية ومنغوليا تقعان في مناطق معتدلة مع انهما دولتان فقيرتان، لكنهما تحكمهما انظمة شمولية وتعيشان في عزلة. من ناحية اخرى بعض الدول مثل سنغافورة ومنطقة هونج كونج تقعان في مناطق مدارية، لكنهما من الاغنياء. لكن هذا يرجع الى انهما مركزي تجارة لا تعتمدان على الموارد المحلية في تراكم الثروة. ويقول الباحثان ويليام ماسترز ومارجريت مكميلان من الجامعتين المذكورتين انهما استعانا ببيانات مناخية جديدة لبحث مسألة قديمة. ويقولان انه لأول مرة يستطيعان تحويل البيانات المناخية الى نماذج اقتصادية لفهم تأثير المناخ والجغرافيا على الاداء الاقتصادي دون الخوض في قضايا الحتميات الاقتصادية. ويقول ماسترز ان التعرف على اسباب الفقر يمكن ان يساعد في التغلب عليه. ولاحظ الباحثان ان اهم العوامل المناخية التي تميز الدول الفقيرة عن الغنية هو الصقيع وان هذه النتائج لم تكن متوقعة. وتقول مكميلان ان جيلا من خبراء الاقتصاد وركزوا على المؤسسات على انها وجه الاختلاف بين المجتمعات، لكن كثيراً منهم يندهشون الان لأن عوامل طبيعية مثل المناخ لها تأثير كبير. المناخ البارد له اثران مهمان، اولاً ان الامراض لا تنتشر بصورة كبيرة في المناطق الباردة والمعتدلة، ثانياً تجود فيها الزراعة، على الاقل منذ تعلم سكان هذه المناطق الاستفادة من دول الصقيع. ويقول ماسترز عندما يأتي الصقيع تدخل الحشرات في بيات شتوي، مما يجعل من الاسهل السيطرة على الامراض. ويقول انه كانت توجد ملاريا في الولايات المتحدة وامراض اخرى ايضاً لكنهم استطاعوا القضاء عليها اسرع من دول اخرى، لان الحشرات تضطر للبيات الشتوي في كل سنة. لكن الربط بين الصقيع ونجاح الزراعة ليس سليماً في كل الاحوال. يقول ماسترز الناس يعتقدون ان العروض المدارية الخالية من الصقيع هي جنة من التنوع الاحيائي ويوجد اعداد اكبر من الانواع هناك غير ان كثرة التنوع الاحيائي قد يمثل مشكلة. ويأخذ سكان المناطق المعتدلة محاصيل ومزروعات من المناطق المدارية ويزرعوها عندهم في مناطقهم المعتدلة نبلى بلاء افضل، وامثلة ذلك الذرة والبطاطا والقمح وجميع المحاصيل المدارية تقريباً، التي ظهرت اولاً في مناطق حارة، لكنها تزرع لتصديرها الان الى دول المناطق المعتدلة، احد اسباب ذلك ان الصقيع يساعد في بناء المادة العضوية التي تساهم في رفع خصوبة التربة. هذا العامل يغيب في تربه المناطق المدارية بسبب الحشرات والميكروبات، كما يتبخر النتروجين، والكربون من النباتات الميتة في الهواء او ينجرف من التربة بسبب مياه الامطار الغزيرة. لكن هذا النتروجين والكربون في المناطق المعتدلة يتراكم ويتزايد ويظل في التربة ليكون مادة عضوية تزيد من خصوبتها. كما يفيد الصقيع في انه يحافظ على رطوبة التربة لتستقبل محصول الربيع ويتراكم الجليد في التربة خلال فصل الشتاء ثم ينطلق كمياه في فصل الربيع. ولا يقلق المزارعون في المناطق المعتدلة بشأن الامطار الموسمية، على عكس زملائهم في المناطق الحارة. ورغم ان اقتصاديات اغنى الدول لا تقوم على الزراعة الان، يقول الباحثون ان النجاح السابق في مجال الزراعة له صدى تاريخي واثر متراكم جعل هذه الدول تراكم الثروة ورأس المال. ويمكن مساعدة الدول الواقعة في المناطق المدارية على النمو من خلال التجارة فضلاً عن التغيرات في الاساليب التقنية من الاستثمار السريع في الصحة العامة والابحاث الزراعية. غير ان ما سترز يقول ان مساعدة هذه الدول يتطلب اكثر من مجرد التقدم العلمي، لأن الامرله علاقة بالسياسات.