تلتف الطريق الى بلدة اوساكي حول خليج آسو اسفل تلال مغطاة بغابات خضراء. وشأن معظم مناطق جزيرة تسوشيما اليابانية النائية، فان المنطقة رائعة الجمال ويمتد هذا الجمال حتى يفضي الخط الساحلي المتموج الى موقع بناء يقع تحت بلدة الصيد مباشرة. وعلى الرغم من ان المنطقة هذه غير كثيفة السكان ولا تنقصها المساحات المفتوحة «الفضاء»، الا ان الحكومة تنفق الملايين لاقتطاع اراض جديدة من البحر. ويحتوي جدار اسمنتي في البحر منطقة استصلاح تساوي مساحتها مساحة خمسة ملاعب لكرة القدم وجميعها مملوءة الى مستوى ثلاثة امتار فوق خط المد. وسرعان ما ستبدأ طواقم البناء بالعمل على هذه الرقعة الجديدة من العقارات، من اجل تشييد مركز للرعاية وملعب للمسنين. وتبلغ تكلفة هذا المشروع 5 ملايين دولار. ويبلغ عدد سكان اوساكي 282 شخصاً وهم في طريقهم الى الانخفاض. ان قصة هذه المنشأة المكلفة التي تطل على الخليج تعتبر اكثر من مجرد مثال استثنائي عن الهدر المالي الذي يتم في اليابان. وبتضاعفها الاف المرات، فانها تمثل سخافة طرق التسوية والانشاءات في اليابان يهدف الى انعاش الاقتصاد. ومنذ بداية التسعينيات حاول الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم اخراج اليابان من اطول ركود اقتصادي لها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال انشاء سدود وجسور وسكك حديدية عظيمة، على حساب دافع الضرائب، بالاضافة الى عدد لا حصر له من مشروعات الاشغال العامة الصغيرة. ولتعمير مضخات الامة الاقتصادية، قامت الادارات المتعاقبة للحزب الديمقراطي الليبرالي بضخ مليارات الدولارات لشركات البناء والمؤسسات العامة. وكانت النتائج المشكوك بها هي انتشار واسع للتدهور البيئي ودين عام تتجاوز ديون المانيا ايام ويمار في عظمتها. وبحلول عام 2005، فإن اليابان ستكون مدينة لدائنيها بمبلغ 9 ترليونات دولار او ضعف الناتج المحلي الاجمالي السنوي للبلاد بشكل عام. وعلى الرغم من هذا الانغماس المفرط في البناء، الا ان طوكيو ليست باقرب الى الانبعاث الاقتصادي مما كانت عليه قبل عقد من الآن، واذا ما سمح لهذه الظاهرة بالاستمرار، كما يقول الخبراء، فان فورة الانفاق اليابانية ستنتهي حتما بازمة سواء اتخذت شكل الركود او التضخم المفرط، وهنا يدخل الى الصورة الزعيم الياباني الجديد جونيشيرو كويزومي، الذي بدأ يكسر ادمان بلاده على الاسمنت. وبعد قيادة الحزب الحاكم (الحزب الديمقراطي الليبرالي) الى نصر مقنع في انتخابات يوليو البرلمانية، فان رئيس الوزراء يلوح بمطرقة التدمير على ما يسمى دولة الانشاءات اليابانية، وهدف كويزومي هو خفض الانفاق على الاشغال العامة وخصخصة الشركات الاحتكارية الحكومية التي تبني معظم هذه الطرق والجسور والسدود، ويأمل كوزيومي في النهاية بان يتمكن من لجم الشركات العامة المشاركة في كل شيء من الانشاءات الى الاعمال المائية الى المطارات، وتكلف هذه الشركات التي يبلغ عددها 163 شركة دافعي الضرائب قرابة 50 مليار دولار في السنة. والمشكلة في المشروعات التي تنفذها هذه الشركات هي انها مشروعات غير ضرورية ولا تهدف خدمة السكان وانما هي سياسة اقتصادية بالدرجة الاولى، والادهى من ذلك هو انها تأتي على حساب البيئة التي باتت مهددة بالدمار في اليابان. ففي جزيرة شيكوكو، اصغر الجزر الاربع الرئيسية في اليابان، يتخذ هذا السخاء في الانفاق شكل جسر معلق يتسم بالضخامة يمتد الى هونشو على الرغم من ان الجسرين الاولين لا يستخدمان كثيرا. وفي مقاطعة ناجازاكي، قام المهندسون باغلاق خلية ايساهايا، اكبر سبخة مساحة في اليابان مما ادى الى قتل اعداد هائلة من حيوان البطلينوس البحري الذي ينتمي لعائلة الرخويات، والى تدمير صناعة الاعشاب البحرية المحلية. وفي هوكايدو، الجزيرة الرئيسية في اقصى شمال اليابان، قامت وزارة الاسكان ببناء سد عمل على اغراق اماكن اثرية مقدسة لدى سكان اينو الاصليين. والى ان اعتبرت المحكمة المشروع غير قانوني في عام 1997، كان قد اكتمل بناؤه منذ فترة طويلة. ويقول احد الناشطين البيئيين ويدعى توموسوكي نودا: ان ماشاهدته من قاربي خلال الاعوام الـ 35 الماضية هو سياسة المال اليابانية وكيف تدمر الطبيعة. يصف الكاتب اليكس كير في كتابه «كلاب وشياطين» اليابان كأرض ملعونة بادمانها المنظم على النباء، الذي يزحف فيه المطورون مثل الروبوتات المبرمجة على رصف وتعبيد الريف. لم يكن الانفاق الحكومي اكثر سخاء مما كان عليه في ناجانو، التي استضافت الالعاب الاولمبية الشتوية في عام 1998، ففي اطار استعدادها للالعاب قامت اليابان بتنزين هذه المدينة الجبلية الشاهقة ذات الجو الحميمي بفنادق جديدة ومدرجات رياضية وطرق ومسارح نائية وقطارا سريعا يقلص زمن السفر من طوكيو الى النصف بحيث يستغرق ساعة ونصف فقط، وبعد انتهاء الالعاب، وجدت ناجانو نفسها غارقة في ديون تزيد عن 6 مليارات دولار، وعلى ضوء ما جرى في ناجانو شن الكاتب الروائي ياسوتاناكا حملة مناهضة للاشغال العامة وخاض الانتخابات لمنصب الحاكم وتمكن من هزيمة مرشح الحزب الديمقراطي الليبرالي. وبانتخاب تاناكا بدأت ما تسمى بـ «ثورة ناجانو» حيث جلب تاناكا معه الى الحكم انفتاحا نادرا، وشن حربا على الصفقات التي تتم في الخفاء في صناعة الانشاءات، ثم اصدر مرسوما يقضي بعدم بناء المزيد من السدود بهدف وقف تخطيط او بناء تسعة مشاريع مائية، وقال ان المقاطعات المحلية تحب بناء السدود لان 80% من التكلفة تتحملها الحكومة المركزية، كما هاجم الغباء في بناء السدود فقط لان اعانة مالية وطنية يمكن الحصول عليها من اجل انشائها. وعلى الرغم من ترحيب المزارعين بسياسة بناء السدود، الا انهم يبدون مخاوف مبررة في الكثير من الاحيان من ان يؤدي بناء السدود على الانهار الى اغراق واتلاف بساتينهم ومزروعاتهم.