ليست مصادفة هذا اللقاء مع التوليب، كنت أبحث عن استقرار لذاتي القلقة في ربوع الروح المهاجرة، ليست مصادفة، بل قصدت الذهاب، بعد ان اقترح علي صديق أتى من بلجيكا الى مهرجان الزهور هذا. في مثل هذه المدن لا تعرف ما يدفعك للاستقرار وما لا يدفعك، كل شيء فيها يتغير، ما تراه بالأمس لن تجده اليوم كما كان، ثمة تغيير يجري في روح الاشياء. حينما كنت هناك كنت تلجأ الى أبسط مكان لتستظل به، فإذا بالطبيعة حانية عليك، تمنحك أبسط ما عندها، ظل شجرة نخل فتكفيك مؤنة اليوم القلق. هنا في هذا الحقل الممتد على طول أرض هولندا، تجد نفسك في اخضرار الروح، واحمرار الوجنات، واصفرار الملابس، وبرتقالية الشعور، وابيضاض الألسن، وانت ايها القلق في هذه الصحراء ماذا بوسعك ان تفعل بكل هذا الحب؟ وماذا تقول لو انك لم تملك حتى كلمة صغيرة لتغازل بها امرأة اتت اليك متطوعة لتقول لك أهلا وسهلا في مهرجان التوليب في مدينة كوكينهوف وانت لا تعرف اللغة من كثرة ما يدهشك في الرؤية. على مساحة 32 هكتارا من الارض يتوسدها ست ملايين زهرة توليب أقيم صرح من الزهور يملأ الابصار والافكار. بعض الزهور تتجول معك، لا تغادر عينيك، وكأن في اصطحابها لك تمنحك روحا لما تزل طرية، فتزيد من عمر الشباب فيك، بعض الزهور تبتسم وهي تلوح لك بالايدي الخضراء، مرحبة ومودعة، بعض الزهور تنحني وكأنها تحييك انت ايها الطارق الجديد. ولأنك لا تستطيع ان تحيي ست ملايين زهرة دفعة واحدة، فقد قرر المشرفون على المهرجان الهولندي السنوي ان يستمر المهرجان شهرين، ليس من أجل الزوار الذين يفدون الى المهرجان سنويا والذين بلغ عددهم هذا العام 800 ألف سائح، إنما ليبرهنوا لك عمليا ان ورود التوليب تبقى أشهر اخرى محافظة على روحها الشعرية وهي تصافح عينيك ووجهك ولسانك وكأنها تضمر في احشائها حبا خاصا لك يمنحك مؤنة الرحيل الى مدن الاحلام الجديدة. ما كنت لأكتب عن هذا المهرجان لو لم انغمر كليا في باقات زهوره التي لا تعرف الابتداء أو الانتهاء، حقول من لغات الارض تنمو مع كل نغمة لمس ليديك أو بعينيك، واذا ما صاحب ذلك ابتسامة من فتاة، فالعالم كله يأتي الساعة على مائدتي ليقول كلمة شعر كبرى في حق الأرض والناس ونفسي. حقول هندسية البناء تعود لخمسين سنة مضت وهي تلازم هذه البقعة، و32 بستانيا متخصصا يلازمون أرض المدينة ليل نهار من أجل ان تبقى الزهور مشعة ألقا، ومعهم في الافتتاح وحتى نهاية المهرجان العشرات من فلاحي هولندا النظيفين جدا، وكأنهم افنديتنا وهم في أبهى أيام زفافهم. من أين جاءوا بكل هذه الضحكات التي تسمعها كما لو كانت موسيقى مرتبة لتدخل اذنك بلا استئذان، ولك الحرية في ان تسمع أو لا تسمع، لكنك لا تملك الحرية في ان تمنع زهرة التوليب من مهاجمة حواسك بالروائح العطرة! وحدها هي التي تملك حق المصادرة لمشاعرك، ووحدها هي التي تتكلم في الوقت الذي لا تتكلم أنت به، ووحدها القادرة على ايقاف زمانك والتلاعب به كي تطيله أو تقصره. ووحدها التي تقول طوال الشهرين مئات اللغات وتفهمها مئات الألسن. ووحدها التي تحافظ على لغتها اللونية المتعددة: الأبيض والأحمر والاصفر والبرتقالي. وعلى مدى السنوات الخمسين التي هي عمر المهرجان، بلغ عدد زواره 35 مليون انسان قد منحتهم الزهور فرصة لاطالة أعمارهم. أرى حجم الحب وهو يحط كالطائر فوق 32 هكتارا من الأرض وامام آلاف الناس الذين اتوا من مختلف مدن العالم. قال صديقي البلجيكي، جئنا بسيارات خصصت لهذه الغاية وبأسعار زهيدة جدا، فلقد عودتنا الشركات السياحية على مثل هذه الأيام، وها نحن كما ترى نقاوم العودة بالمرور بين حقول الازهار كما لو كنا ندرك اننا لا نراها الا في العام المقبل بل نقاوم ذاكرتنا التي تجد في كل عام ما هو مغاير للعام الماضي. لا فرق بين السماء والأرض، كلاهما ممتليء بما هو شعري، ألوان سمائية تحط على أرض وألوان أرضية في مرأى السماء، وانت ما بين حقلين: الورود والنساء، لا تمتلك الا قلبا لا يخفق الا للتوليب، حسنا قلت للصديق الذي اصطحبني بيده: هل تعي معنى ان نكون في بقعة مثل هذه؟ فرد غاضبا ولم لا نكون هنا.. اتستكثرها علينا؟ قلت ليس هذا الذي أعنيه، الذي أعنيه، هذا الورد من أين جيء به؟ هل جاء كما جئنا؟ وهل تلجأ الورود مثلنا عندما لا تجد تربة صالحة للانبات؟ في الطريق الى ذاكرة الاشياء لابد من التاريخ، هناك من يقول والقول مدون، ان التوليب جلبه البحارة الهولنديون من الصين، ولأن الصين حضارة وثقافة تهتم، بل وتقوم فكرتها في التصدير على تضمين الاشياء الصغيرة مفاهيم كبيرة، لذا حاولت من خلال الزهور ان تؤكد حضورها في مدن العالم كلها ومن بينها هولندا، ثقافة النمنمات الحاوية على لقى وطرز فن خاصة، ثقافة الزهور «كل المطاعم الصينية في هولندا تزين واجهاتها بالزهور الصينية الخاصة». ولأن الصين بلد الغرائب والعجائب، فقد حول الهولنديون تلك الزهور الى تجارة مربحة بعد ان أدخلوا عليها تحسينات في النسل، ومع ان في الرواية الصينية ما يثبت القول والرؤية، فإن التاريخ الهولندي ما يثبت روايات أخر. تقول رواية ثانية، ان مجيء التوليب الى هولندا كان نهبا وسرقة، فقد جلبه البحارة من تركيا في احدى جولات بواخر القراصنة، وكان الزهر تعويضا عن خسارة، لما كانت مثل هذه الرواية متداولة وتصاحب كل غزوة فاشلة فليس في استيطان التوليب في هولندا من خصوصية معينة. لكن الرواية الثالثة ربما تكون الأقرب الى الصواب، والهولنديون يقررون بها ويتعرفون، تقول الرواية: لا تعرف هولندا التوليب منذ قرون عدة لكن زيارة من زيارات البحارة الهولنديين الى تركيا ومدينة اسطنبول هي التي أتت بالتوليب. وكان ذلك بالتحديد قبل أربعة قرون ونصف، ولأن الهولنديين يمتلكون معلومات في البحر وفي التجارة، ولأنهم أتوا من بلاد الفرنجة، لأن تركيا تريد التقرب كان التوليب طريقا الى القلب مثلما هو طريق الى الأسواق، أو ان هولندا تريد توسيع رقعتها الجغرافية كما فعلت في سورينام واندونيسيا، فأحبت ان يكون لها موقع قدم في تركيا، ولكن ليس بالطريقة التي كانت عليها مع دول اخرى. ولما عرف السلطان التركي بالبحارة الهولنديين على شواطيء اسطنبول، استدعاهم الى داره وقدم لهم هدية عبارة عن باقات مزروعة على تربة تركية لورود التوليب وكانت باللون الاحمر فقط، ولما عاد الهولنديون البحارة منهم والتجار، بدأوا في انتاج الورود، فأدخلوا عليه ثقافتهم اللونية فعددوا أشكاله «ترى الآن في هولندا ألوانا من البشر مختلفة ألوانهم وكلهم هولنديون»، وأدخلوا عليه خبرتهم المعملية فعددوا أنواعه وحسنوا من قامته التي استطالت كقامتهم، ووسعوا الدراسة حوله فألفوا فيه الحكاية والمعلومة وجعلوه هولنديا بعد ان كانت جدته تركية. وتوسعوا في تصديره بعد انتاجه فأصبحت هولندا البلد الاوروبي الأول في تسويق التوليب الى العالم. هل هو نخيلهم؟ قلت لصاحبي. فالهولندي لا يعترف بتاريخ الآخرين اذا ما غير في تركيبة الاشياء القديمة، كل ما يعترف به هو الحاضر الذي يرى من خلاله غده. هو نخيلهم قال صاحبي واستذكرنا نخيلنا الذي أعدم بالقنابل والسرقات، فهناك مزرعتان للبرحي العراقي في العالم، في كاليفورنيا وفي اسرائيل. في الطريق الى التوليب، أو في المغادرة من حقول التوليب، لا تجد نفسك في فراغ أو امتلاء، ان ما تراه «يا لعينيك الجائعة» مهيأ لأن تفقده، وتبقى وانت تغادر ملتفتا الى «الأمام»، فما خلفته وراءك تجده في الطريق يتسرب الى الروح، كالروائح لا تعرف من تختار ومن تترك. تقول الكتب المصاحبة للمهرجان، ان كل عام يمر لا يشبه العام الذي مر، فالأيام هي الزمن المتراكم الخبرات، الزمن الذي يولد الجديد في الصناعة الزراعية للتوليب، هذا العام ثمة أصناف جديدة، وهذا العام ثمة بحيرات وممرات مائية وحدائق للأطفال ومماشي ليست ترابية جديدة، في هذا العام ثمة خطط لاستقبال مليون سائح للمهرجان وحده، في هذا العام ينمو الاحساس من جديد لمهرجان العام المقبل. وثمة من يصنع زوايا لاختباء العاشقين ـ التوليب البشري الذي تكاثر كالعشب البري في صحراء الروح ـ وهناك لوحة كبيرة لرامبرانت قد رسمت بورد التوليب، ألوان رامبرانت المضيئة تصافح أرض المهرجان المضيئة. تتجول اللوحة معك، تصافحك ألوانها الاصلية، وألوانها الوردية الجديدة، ولا بأس ان كنت ممن جبلوا على قول الشعر ان تستعيد بعض ترانيمك الليلية الخاصة، لتقول البيت والبيتين، لكنك تفاجأ ان أشعارك الساعة لا تجدي نفعا، فما حولك مليء بايقاعات التوليب الصاخبة. ولأول مرة أشعر بصخب الزهور، فأصواتها أعلى من أي صوت تسمعه، ربما لحاسة البصر أدواتها التي تقيس قوة الصخب وهدوءه، ولكنك لا تملك أية قدرة على منع صخب التوليب من اختراق مساماتك. يبتديء النهار بالبسمات السمائية الممطرة، فتبدو التوليب وكأنها مستعدة لذلك. تفتح أوراقها لتمتليء بالماء وكأنها تختزنه للغد، أو للمشتري في بلدان بعيدة. الشتاء لم يغادر أرض هولندا هذا العام برغم قلة الثلج فيه. أما الربيع فتصطدم فيه، تراه بين قدميك، وفوق رأسك، وفي طيات ملابسك، وعلى الشفاه، وفي تلك الاجسام المكتحلة بالشمس، وفي الممرات وعلى الاشجار وفي الكاميرات. ربيع ليس له أيام معينة وإن أرخ، وربيع مملوء بما لم نكن نتوقعه: الكرنفالات، الهدايا، الملاعب، الأنهار الصغيرة والفتيات. ياسين النصير