يعد هذا الكتاب واحداً من أهم المراجع التي لا غنى عنها لكل من يريد ان يعرف حقيقة نشأة الولايات المتحدة الأمريكية، منذ ان كانت أرضاً تستقبل الهاربين من أوروبا حتى صارت أقوى دولة على وجه الأرض، ويعود جانب من هذه الأهمية الفائقة التي يتمتع بها الكتاب إلى ان عدد المشاركين في تأليفه يصل إلى الثلاثين باحثاً ومؤلفاً. وربما تكون تلك احدى المرات النادرة التي يشارك فيها مثل هذا العدد الكبير في تأليف كتاب تاريخي يتناول قصة صعود دولة ما من هامش العالم إلى التربع على عرش الكرة الأرضية. وقد راح كل واحد من هؤلاء المؤلفين الثلاثين يتناول جانباً من جوانب الحياة الأمريكية بكل تفاصيلها بطريقة أقرب إلى التوثيق منها إلى السرد العادي، وبهذا المعنى فإننا نجد أنفسنا أمام كتاب يكشف الدور المهم والخطير الذي لعبته الشركات المساهمة المحدودة في تكوين الولايات المتعددة. ويصل الكتاب إلى ان معظم الولايات الأمريكية وأهمها كانت في الأصل شركات مساهمة تحمل الاسم نفسه الذي حملته هذه الولايات فيما بعد. ومن الحقائق المهمة التي أوردها الكتاب ان الولايات المتحدة لم تكن شيئاً قبل مئتي عام أو يزيد قليلاً، برزت بين سائر الدول الأخرى سواء في أوروبا أو آسيا أو أفريقيا، لكنها استطاعت في غضون سنوات قلائل من عمر الزمن أن تأخذ كل ما توصل إليه الجميع وتضيف إليه وتطوره وتسبق الجميع، وتسيطر على مقدرات معظم دول العالم وشعوبه. ويكتسب الكتاب أهمية مضاعفة عندما نجد كاتباً كبيراً في مثل قامة محمد حسنين هيكل الكاتب السياسي الأشهر في العالم العربي يستعين بهذا الكتاب المرجع ويعرض له ويتناول جميع جوانبه ويستعير بعض نصوصه في معرض محاولته لاعادة اكتشاف أمريكا خلال نصف قرن منذ أول مرة زار فيها نيويورك عام 1951 حتى آخر زيارة له هذا العام. وإذا كنا نعرض لهذا الكتاب في هذه المساحة المحدودة ونأخذ منه مجرد قطوف تكشف بعض جوانب الذات الأمريكية إلا انه يبقى صحيحا ان أهمية هذا الكتاب تظل أكبر وأعمق من ذلك بكثير. فهو شهادة من أهلها ووثيقة تاريخية تحولت فيها أمريكا من مجرد امتدادات طبيعية هائلة تبحث عن مستثمر يبعث فيها الحياة إلى قطب أوحد على وجه الأرض. ولذلك ليس بغريب ان تساند أمريكا دولاً قامت بالطريقة نفسها ونشأت النشأة ذاتها، حتى وان كانت بلا أي وجه حق، بل ومن الضروري ألا تكون بوجه حق. كانت الأعمال الكبرى هي الرافعة التي أحدثت التغيرات الكبرى في الحياة الأمريكية، فهي التي غيرت الاقتصاد والمجتمع والسياسة، كما أحدثت تغيرات مهمة في العمل والأخلاقيات واللغة والضمير، وفي المدارس شاهدنا نمط التغيير التي قادت فيها السياسة والحكومة والحركات الشعبية والقادة السياسيين والقوانين حركة التاريخ. كل هذا التغيير جاء نتيجة للأعمال الكبرى التي شهدتها الولايات المتحدة حتى ان الاقتصادي الأمريكي الشهير روبرت هيلبرونر أطلق على بلاده تعبيراً دالا هو «حضارة الأعمال». حضارة الأعمال يغوص هذا الكتاب في أعماق الماضي عن طريق الحاضر الذي تسيطر فيه شركة عملاقة على مجريات الاقتصاد وتشكل علاقات المجتمع، والواقع ان هناك 11 شركة الآن تمتلك أكثر من نصف الصحف اليومية في الولايات المتحدة، منذ ان كان عددها 46 صحيفة إلى ان أصبحت1983 صحيفة يومية الآن. وهناك شركتان الآن تستحوذان على أكثر من نصف عائدات المجلات، وهناك 5 شركات تسيطر تماماً على أكثر من نصف دور نشر الكتب. وفي عام 1946 كان 80% من الصحف اليومية مملوكاً للأفراد، أما اليوم فإن 80% من الصحف اليومية مملوك لسلسلة شركات، كما ان أكبر أربع شبكات تلفزيونية ملحقة بشكل أو بآخر بشركات عملاقة مثل جنرال اليكتريك وديزني. ان المكاسب الطائلة التي حصلت عليها هذه الشركات المساهمة يمكن حصرها، ولكن ليس هناك مؤشر مثل داو جونز نستطيع به قياس الخسائر التي أحدثتها هذه الشركات والمتمثلة في الاكتئاب والصراعات العائلية والشروخ التي حدثت في المجتمع، فهل تستطيع الشركات معالجة تلك المشكلات التي أحدثتها؟ وزير العمل الأمريكي السابق بي. ريتش يأخذ خطاً متشدداً تجاه هذا السؤال، فيقول: هل هذه الشركات التي اعتبرتها المحكمة العليا عام 1907 مخلوقات الدولة والتي من المفترض ان تكون في خدمة المجتمع، هل يمكن السماح لها بأن تنفق ـ على سبيل المثال ـ 100 مليون دولار من أجل تشكيل «لوبي» وان تعطي 350 رحلة مجانية لأعضاء في الكونجرس وان تنفق 60 مليون دولار لاحباط جهود الرئيس بيل كلينتون في عامي 93/1994 لتوفير التأمين الصحي لأكثر من 40 مليون أمريكي لا يشملهم هذا التأمين؟ ان الشركات لم تعد تتسلط أو تسيطر على المجتمع، لقد أصبحت هي المجتمع نفسه. ومن بين العبارات اللاذعة التي اطلقها المفكر الشهير كارل ماركس على الرأسمالية عبارة مفادها: «ان الرأسمالي هو رأس المال يمشي على قدمين» لقد جردت هذه العبارة الرأسمالي من الأخلاقيات، وأثبتت ان حريته وهم، وأكدت ان رأس المال هو سيده. هكذا فإن نشوء ملكية الشركات طرح بقوة السؤال التالي: هل هذه الشركات شركاتنا أيضاً؟ في البدء كانت الشركة! كانت بداية الولايات المتحدة نفسها شركة ما، شركة للتجارة في العبيد الذين نقلهم البريطانيون الذين كانوا أول من استوطن الولايات المتحدة من البيض من أجل استصلاح واعمار هذه المساحات الشاسعة. وهذه الشركة اسمها «فرجينيا» ساهم فيها 700 مغامر بريطاني من بينهم سير فرانسيس بيكون الذي اشترى سهماً في هذه الشركة، ومقرها الرئيسي لندن، والتي كان معظم رأسمالها يذهب في عمليات نقل العبيد من أفريقيا وآسيا إلى الولايات المتحدة، وبالتحديد في تلك البقعة منها والتي عرفت فيما بعد باسم «ولاية فرجينيا». كان أغلب هؤلاء العبيد من الهنود، ولم تكن الولايات المتحدة في ذلك الوقت المكان الأفضل أو الأمثل للاستثمار، فعلى مدى عشر سنوات مرت على انشاء الشركة تم انفاق اكثر من مائة الف جنيه استرليني، وهو مبلغ يفوق الخيال في بدايات القرن السابع عشر، من دون أي عائد ربحي، لكن في الوقت نفسه من دون عودة للأصول. كان هؤلاء المستثمرون بحق مغامرين ساروا خلف أموالهم إلى الولايات المتحدة، كانت أول شركة انشئت في الولايات المتحدة هي فرجينيا التي أصبحت ولاية من أهم الولايات الأمريكية، وكانت هناك شركة واحدة في بدايات القرن السابع عشر في الولايات المتحدة في عام 1990 بلغ عدد الشركات الأمريكية 20 مليون شركة مسجلة في سجلات الضرائب منها 16.3 مليون شركة خاصة لأفراد و3.7 ملايين شركة مساهمة، هذه الشركات المساهمة تستحوذ على 90% من اجمالي مبيعات كل المنتجات والخدمات وهناك حوالي 7 آلاف شركة تبلغ قيمة أصول كل منها ما يزيد على 250 مليون دولار. ويتعقب أحد المساهمين في مواد هذا الكتاب جذور ممثلي أول حكومة أمريكية، حيث وصل مصدر مفاجأة.. الشركات، فقد كانت زراعة أمريكا البريطانية (شركة فرجينيا البريطانية في الأراضي الأمريكية)، تتم في عصر كان الملوك فيه لا يزالون يحكمون بقانون «الحق الإلهي» لكن أمريكا المحظوظة كانت تسعى وراء شكل آخر بديل للحكومة. وتحت قيادة سيرادوين ساندايز قامت شركة فرجينيا التي عرفت فيما بعد باسم ولاية فرجينيا، بتشكيل جمعية عمومية أو مجلس تشريعي بتاريخ 30 يوليو 1619 في جيمستاون، وكان أول تشريع تم اقراره هو من يضبط وهو مخمور يسجن لمدة 12 ساعة، حدث ذلك في الوقت الذي ألقى فيه ساندايز ـ عضو مجلس العموم البريطاني ـ خطاباً تاريخياً أثار فيه الشكوك حول أية حكومة لم تأت إلى الحكم بموجب عقد بين الحاكم والمحكومين. أمريكا على الطريق في الخمسين عاماً الممتدة بين عامي1790 و 1840 تزايد عدد سكان الولايات المتحدة من ثلاثة ملايين و 900 ألف نسمة إلى 17 مليوناً، وفي عام 1840 كانت ولايات أوهايو وإلينوي وانديانا وميتشجان يبلغ مجموع سكانها ثلاثة ملايين نسمة، ونصيبها من خطوط السكك الحديدية 200 ميل فقط، وكان ذلك بسبب النقص في الاستثمارات في هذا المجال، وفي عام 1860 بلغ عدد الشركات الاستثمارية في مجال السكك الحديدية 18 في ولاية مين و 22 في هامبشير و 76 في ماساشوستس و 60 شركة في بنسلفانيا. وشهدت سنوات الاربعينيات من القرن التاسع عشر تطوراً هائلاً في السكك الحديدية الأمر الذي دفع شركات القطن وأصحاب مناجم الفحم إلى استخدامها كوسيلة مهمة لنقل منتجاتهم إلى الأسواق مباشرة وأصبح انشاء خطوط السكك الحديدية هو الاستثمار الرائج حتى خلال سنوات الكساد من 1830 إلى 1840 كل الأمريكيين حققوا مكاسب من تجارة العبيد الأفارقة التي ساهمت في تضخم الاقتصاد الأمريكي. قبل الحرب الأهلية، وقبل السكك الحديدية وقبل الأفلام الملونة كانت الولايات المتحدة دولة يقوم اقتصادها على القطن، وكان القطن هو رائد حركة التصدير، حيث كان يمثل 39% من قيمة كل الصادرات عام 1820 و63% عام 1840 ومن الناحية الاقتصادية كان الغرب يعتمد على قطن الشرق. وفي عام 1860 كان العبيد يمثلون رأسمالا قدره 2.7 مليار دولار وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف حجم الأموال المستثمرة في كل الأنظمة الصناعية في الولايات المتحدة في ذلك الوقت. دخل عالم مشروعات الأعمال عصراً جديداً باختراع التلغراف ثم التلفون وكان حجم الأعمال مساوياً لحجم أعمال السكك الحديدية، ومثلما امتدت خطوط السكك الحديدية في جميع انحاء القارة كذلك حال التلغراف. وسرعان ما أدرك مديرو السكك الحديدية ان التلغراف سيقطع الطريق عليهم، باعتبار ان السكك الحديدية كانت حتى قبل التلغراف تقدم الحقوق الملائمة للمرور. ولأن التلغراف كان أسهل وأرخص في بنائه مقارنة بالسكك الحديدية فقد وصل أولاً إلى الباسفيك عام 1861، ومع بداية العقد بلغت طول شبكة التلغراف 50 ألف ميل وبعد عقدين وفي عام 1880 بلغ عدد البرقيات المرسلة 31 مليوناً و 703 آلاف سنوياً مقابل 291 ألف ميل من الأسلاك. في ثمانينيات القرن التاسع عشر أصبح الهاتف تجارياً، كان في البداية ملحقاً بالتلغراف ثم أصبح للمكالمات المحلية فقط ثم تم تطويره لاجراء مكالمات طويلة في أواخر القرن التاسع عشر. وفي عام 1908 تنفس رؤساء شركة «ان دبليو اير للدعاية والإعلان» الصعداء عندما وقعوا عقداً مع احدى أكبر الشركات الأمريكية، وهي شركة الهاتف والبرق الأمريكية المعروفة عالمياً باسم «ايه تي اند تي» لتولي مهام القيام بحملات اعلانية تبرز فضائل احتكار القطاع الخاص. وان يحدث هذا وسط جو ملبد بفضائح القطاع الخاص من رشاوى وهدايا وخلافه، فإن ذلك يعد تهوراً أو طيشاً أحمق. لكن الشركتين (ايه تي اند تي واير) كانتا على استعداد لخوض غمار هذه المغامرة وقبول هذا التهور، فالأولى كانت غير راضية عن صورتها أمام الناس، والثانية كانت ترغب في اثبات ذاتها. وبدأت أولى الحملات الاعلانية أوائل القرن العشرين، وكان الهدف منها سياسيا وهو حماية الشركة من السمعة السيئة والعداء الشعبي، ومن بين الحملات الاعلانية حملات تؤكد على الخدمات الجديدة والمميزة التي تقدمها الشركة للعملاء. ونجحت هذه الحملات إلى حد كبير في تجميل وتحسين صورة الشركة خاصة عندما حملت الاعلانات طابع الولاء للخدمة العامة ورفعت شعار «الخدمة العالمية». كانت العلاقات العامة منذ أوائل القرن التاسع عشر ولا تزال لاعباً رئيسياً في كافة المعاملات التجارية والصناعية والخدمية حيث تساهم عن طريق الدعاية والاعلان في جميع وسائل الاعلام بزيادة الأرباح والمبيعات وتجميل الصورة لدى الرأي العام. تربعت الشركات الأمريكية على عرش الاقتصاد الأمريكي فترة طويلة من الزمن، إلى ان شهدت عصر التقهقر أو عصر العودة إلى الوراء، وهو العصر الذي شهد سنوات انخفاض الانتاجية والمنافسة وانخفاض الرواتب ومستويات المعيشة بعد عام 1973. فقد ساهم الحظر الذي فرضه العرب على النفط ضد الغرب خلال حرب اكتوبر 1973 في ارتفاع سعر الطاقة إلى أربعة أضعاف، وهو الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار كل شيء وانخفاض راتب كل شخص. حتى قبل ذلك وخلال الفترة من أغسطس 1972 وأغسطس 1973 شهدت الولايات المتحدة تضخماً هائلاً ناجماً عن تداعيات حرب فيتنام، حيث رفعت سعر اللحوم بنسبة 50%. وقد أدى ذلك إلى فقدان الثقة في الحكومة، بدأ انعدام الثقة في أعقاب حرب فيتنام ثم تعمقت بفضيحة ووتر جيت وازداد الأمر سوءًا عندما فشل كل من الرئيسين الجمهوريين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد والرئيس الديمقراطي جيمي كارتر في انهاء حالة التضخم المصحوبة بالركود الاقتصادي مع ارتفاع معدلات البطالة. وازاء هذا الوضع صرح رونالد ريجان قائلا في خطابه الافتتاحي عام 1981 «ان الحكومة ليست هي الحل» بل وزاد على ذلك قائلا: «ان الحكومة هي المشكلة». خلال السنوات الماضية، شهدت الحياة الاقتصادية الامريكية تدهوراً ومنافسة خاصة في الصحة والثقة، وكان مرجع التدهور في هذين الجانبين ـ كما يقول الاقتصاديون هو اصرار منظمة أوبك على رفع أسعار النفط والعجز في سياسات النقد والضرائب للحكومة الامريكية». لكن هذه المبررات لم تكن كافية في نظر مؤلف هذا الفصل من الكتاب، فهذه الأمثلة لا تفسر ـ على سبيل المثال ـ لماذا انخفض معدل نمو الانتاجية في الولايات المتحدة مقارنة بمعدل النمو الأوروبي والمعدل الياباني، وهي لا تفسر أيضاً لماذا فقدت الولايات المتحدة الريادة في بعض الصناعات ذات التقنية العالية. رأسمالية أخرى يتميز الاقتصاد الأمريكي بالرأسمالية، والرأسمالية ـ كما هو معروف ـ نظام اقتصادي يقوم على الملكية الفردية، لكنه في أمريكا أخذ طابعاً مختلفاً عما عرفه العالم في أوروبا. فقد كانت الرأسمالية الأمريكية جديدة في كل شيء، فهي تتميز بالشراسة والعدوانية وليست اقطاعية أو متوارثة، والرأسمالية الأمريكية حققت ثروات طائلة من أراضي الهنود الحمر التي حصلت عليها بالقوة وزرعتها. لكن الشيء الوحيد الذي اتسمت به الرأسمالية الأمريكية هو ادراكها لقيمة التعليم وأهميته على عكس الرأسمالية الأوروبية التي لم تبد اهتماماً بالتعليم بل قاومت انتشاره. وفي أمريكا يؤكدون أهمية التعليم من منطلق انتاجية العامل المتعلم اكبر كثيراً من انتاجية العامل الجاهل. وينقل أحد المساهمين في الكتاب صفحة من كتاب يدرسه تلاميذ المرحلة الابتدائية ضمن منهج بدأ تعميمه في ولاية نيو انجلاند عام 1833 والصفحة على شكل أسئلة وأجوبة على النحو التالي. سؤال: إذا حقق المستثمر الرأسمالي ارباحاً طائلة هل هذا يضر العالم؟ الاجابة: لا، على العكس، فإن ذلك يساعده على ان يدفع أجوراً أعلى للعمال. سؤال: ما هو الأفضل.. ان يدخل رجل غني أمواله ليستثمرها أم ينفقها على هواه؟ الاجابة: يدخر ويستثمر بالطبع. سؤال: هل تأسف إذا ما حقق شخص ما أرباحاً طائلة؟ الاجابة: بالعكس، سوف أكون سعيداً جداً؟ سؤال: ما الذي يجعل عاملاً يمكن ان يتحول إلى رأسمالي؟ الاجابة: عن طريق الادخار. هذه الأسئلة والأجوبة ان دلت على شيء فإنما تدل على تكريس النزعة الرأسمالية لدى الانسان الأمريكي، وهو في بدايات حياته الأولى. وقد حققت الرأسمالية الأمريكية كل ما حققته من انجازات عن طريق حصولها على المكتشفات الأوروبية، وطورتها مثلما حدث في اختراعات السيارة والطائرة والكهرباء والطاقة النووية والتلفون والكمبيوتر وغيرها من المخترعات. ففي حالة السيارة مثلاً، كانت أوروبا هي التي بدأت صناعة السيارام، لكن صنع سيارة واحدة كان يستغرق ثلاثة أيام كاملة، ثم توصل هنري فورد إلى فكرة خط التجميع، فاختصر زمن صناعة السيارة من ثلاثة أيام إلى ثلاث ساعات. وكانت فكرة خطوط التجميع التي جعلت من أمريكا أقوى دولة صناعية في العالم. الشيء نفسه حدث للتلفون والتلفزيون والغسالة الكهربائية وأجهزة التكييف والكمبيوتر، وبذلك أصبح الترف الذي كان حلماً بالنسبة للأغنياء سلعاً جاهزة تحت تصرف الفقراء. وعندما عادت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية إلى أوروبا وبقيت على أرضها تنتظر ارث امبراطوريتها السابقة في آسيا وافريقيا وكانت الولايات المتحدة واثقة في ان هناك حدوداً لمقاومة الآخرين، لأنهم جميعاً ينتظرون اشاراتها ويحتاجون مساعدتها في مهمة اعادة تعمير ما خربته الحرب. حاولت الولايات المتحدة تجنب محاربة الاتحاد السوفييتي وتصرف جميع رؤسائها من روزفلت إلى ريجان بمنطق لن أحاربكم لأن الحرب في زمن الأسلحة النووية خطرة لكنني سوف أستنزفكم في سباق تسلح لا تستطيعون الخروج منه!! بعد ذلك راحت الولايات المتحدة تبشر وتدعو إلى اقتصاد السوق الذي تحول إلى ما اصطلح على تسميته بالعولمة الذي بلغ عدد الشركات العابرة للقارات فيه أكثر من ألف شركة أغلبها شركات أمريكية تسيطر على أكثر من نصف اقتصاد العالم انتاجاً وتوزيعاً خصوصاً في قطاعات المال وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاعلام ليصبح القرن الحادي والعشرين في بدايته قرناً أمريكياً لحين اشعار آخر. المرأة في عالم الرجل لقد كانت شركة «أمريكو» التي تضم 500 شركة أصغر حلماً للجميع للعمل فيها نتيجة للامتيازات والتسهيلات والخدمات التي تقدمها لموظفيها، فالمرأة والأم العاملة تطلق عليها انها احدى أهم عشر شركات «صديقة للأسرة» فهي تقدم للموظفين اجازة عائلية وتوفر لهم فرصة اختيار الوقت المناسب للعمل، ومشاركة الوظيفة بين الزوجين. وانتشر هذا النوع من الشركات فيما بعد حتى خرجت المرأة إلى العمل وتكسب مثله بل وأكثر منه لكي تهرول وراءها شركات مساحيق التجميل والعناية بالبشرة والموضة بكل أشكالها وألوانها. هذا باختصار بعض جوانب كتاب «العملاق» الذي يشرح الجسد الأمريكي، ويتتبع جذوره وأعماقه وميلاده بين العمالقة، حتى صار هو العملاق الأوحد في العالم، ولكن يبقى من المهم ان يلقي القارئ بنفسه نظرة عليه، ومن هنا تأتي أهمية المبادرة ـ التي نرجو ان تكون قريبة ـ بترجمته إلى العربية.