كتب هو: واخيراً صح ما رددته هي علي اكثر من مرة. قالته لي اكثر من مرة وصدقته انا، او اني قبلته انا منها في كل مرة. قالت لي اكثر من مرة: حين آتي الى دمشق سأنزل ضيفة عليك. لن انزل في فندق. قلت هذا لزوجتك فردت علي بقولها: يا اهلا بك، تكونين في دارك. هل تظنها قالت ذلك مجاملة وانها ستضيق بي اذا نزلت ضيفة عليكم؟ قلت لها: زوجتي لا تسرف في المجاملات. اذا كانت قالت لك ذلك فهي صادقة به. سألتني: هل تظن انها ستغار مني؟ ابتسمت انا وقلت: تغار؟ قبل ثلاثين عاما كان يمكن ان تغار علي منك. ولكن قبل ثلاثين عاماً، حين كنا انا وهي شبابا، كنت انت طفلة. بل لعلك كنت وليدة رضيعة. اما اليوم فأنت امرأة ذات بعل وانت ام. زوجتي، حتى في تلك الايام، واسعة الصدر قليلة الشكوك مطمئنة الى اني في علاقاتي النسائية لا اتجاوز حدودي. اذكر انها عقبت على ما ذكرته من قلة شكوك زوجتي بقولها بلهجة ماكرة: مسكينة هي، بل مسكينات نحن النساء! كلام دار بيني وبينها، كما قلت، اكثر من مرة. كانت تقوله لي في اعقاب المحاضرات التي كنت القيها في بلدها حين تجلس الى جانبي في غرفة ادارة النادي مع بعض المعارف والاصدقاء، وعندما تتلقى مني احد كتبي الذي احمله لها في هذه المناسبة، كما قالته لي مرة عندما اهدتني مجموعة شعرية لها كانت فخورة بها وفرحة بصدورها. مرات كثيرة قالت ذلك الكلام، وحققت كلامها في هذه المرة. طرق علينا الباب مساء، بعد صلاة العشاء، وكانت زوجتي تتهيأ لمغادرة الدار كي تنام تلك الليلة الى جانب ابنتنا عائشة في مستشفى التوليد. كانت هي قدمت الى دمشق، والينا، دون اخطار او انذار. تراجعت زوجتي، وكانت هي التي فتحت الباب، الى داخل الدار وادارت نظرها بيني وبينها دون ان تتوقف عن الترحيب بها. وعلى شفتيها ابتسامة واسعة: ـ اظنها مفاجأة لكما، وارجو الا تكون مفاجأة مزعجة. زيارتي لدمشق كانت كذلك مفاجأة، تقررت لي في آخر لحظة ولم املك الوقت للكتابة اليك يا استاذي. تذكرت اني انذرتكم اكثر من مرة بأني سأفرض نفسي ضيفة عليكم حين ازور مدينتكم العامرة. ومع ذلك.. قاطعتها زوجتي بقولها: يا اهلا بك. قلت لك مرة ان البيت بيتك. تابعت هي كلامها:... ومع ذلك فأنا اعذركم اذا ثقلت عليكم مفاجأتي. سأشرب فنجان قهوة واطلب منك يا استاذي ان تتصل بالفندق الذي تختاره لي. احجز لي فيه ليلتين. هتفت زوجتي مستنكرة: يا عيب الشوم. تنزلين في فندق ونحن هنا؟ ثم انك ستكونين سيدة البيت في غيابي. قالت هي في استغراب: في غيابك؟ تطلعت زوجتي الي قبل ان تستدير اليها وتقول: نعم يا حبيبتي. عائشة ابنتي في مستشفى التوليد، ويأمل طبيبها ان ييسر لها الله فتضع مولودها في هذه الليلة. لابد ان اكون الى جانبها. ابنها فايز نائم في غرفة جده، والخادمة ستعد لكما العشاء وتدلك على غرفة الضيوف. اما فنجان القهوة فأنت تعدينه بنفسك، لك ولاستاذك. هذا زمور سيارة احمد، صهري، يعلو عند الباب، يستدعيني. قالت زوجتي هذا وخرجت مهرولة وهي تشير الينا بيدها مودعة ثم تطبق الباب وراءها. تناولنا، انا وهي، عشاء خفيفاً. هي التي اصرت على ان يكون عشاءنا بالغ الخفة. قلت لها اننا اذا كنا متفقين على خفة الطعام فان بواعثنا اليها مختلفة. انت خائفة على قوامك الرشيق من البدانة وانا اخشى على معدتي الضعيفة من عسر الهضم وعلى ليلي من كوابيس التخمة. ضحكت هي وقالت: ما فكرت يوما بالريجيم الذي تتبعه صديقاتي حرصاً منهن على النحافة... انا انظم قصائدي في الليل، ووجدت طعام المساء يغلظ ذهني ويطير عني الالهام. قصائدها؟ الحقيقة اني لست شديد الاعجاب بالشعر الحديث الذي تنظمه. غير اني لا انكر اني اجد ما تقرأه هي بصوتها من هذه القصائد جميلا. الذي لا شك في جماله هو مشوق قدها الى جانب ملامح من تكوينها كانت تجذب نظري في لقاءاتنا المتباعدة. في كل مرة ملمح من هذه الملامح، كأني كنت اكتشف مجالي حسنها يوما بعد يوم. كنت اقول لها هذا بعفوية وببراءة، فكان وجهها يحمر في البداية، ثم لا تلبث ان تقول لي بمكر: افرح اكثر لو تكلمت عن ملامح الجمال في شعري الذي سمعته... انا، في رسائلي اليك، احرص على ان افصل في مواضع الجمال التي تستوقفني في كل ما تقع عليه عيني من كتاباتك. اضحك انا عند ذلك واقول لها: هذا يرضيني كل الرضى... لست طامعا بأن تتفضلي بإطراء محاسني الجسدية كما افعل انا معك. لو فعلت انت هذا لما صدقتك، ولما احببتك... اعدت لها فطمة غرفة الضيوف وانصرفت الى غرفتها في الجانب الآخر من المنزل. بقينا معا، انا وهي، امام التلفزيون الذي كانت صور شاشته تتابع امام اعيننا دون صوت يرتفع منه.. ومع ذلك قامت هي فاطفأته وهي تقول: ـ لا اريد صورة تشغلني عن التطلع اليك. اريد ان اسمع منك. بل لعلك تقبل ان تسمع مني فالليل لا يزال في اوله. رحلتها التي جاءت بها الينا طويلة، ولكن ما من شارة تعب كانت تبدو على محياها النضر، المورد من دون ان تمسه لمسة ماكياج. قلت لها: ـ لا تقولي انك آتية من بلدك البعيد كي تقرئي علي اشعارك. اذا كان ذلك، فأنا ارحب بسماعها. قلت لك اني افضل ان اسمع قصائدك منك شخصياً على قراءتها في الدوريات. هل تذكرين؟ قالت: وكيف لا اذكر واشكر. لا انسى انك دعوتني، منذ ثلاثة اعوام، الى المشاركة في امسيتك بعد ان اقترحت على النادي ان تكون الامسية «دراسة وشعر».. الدراسة لك والشعر لي اعدت لي يومها ثقتي بنفسي وقدتني الى المنابر لاعتليها. قلت انا: علي ان اعترف لك. اظن ان تقديري لمواصفاتك تغير في تلك المناسبة. قالت، في انزعاج: هل خيبت ظنك؟ قلت لها: لا تستعجلي. انك بما تسألين تعيدينني الى اول معرفتي بك. قالت: اذكرها. كنت حررت لك رسالة قلت لك فيها اني معجبة كثيراً بآخر كتاب صدر لك، واني قررت ان ازورك، واني انظم الشعر. اخبرتك في الرسالة بعمري وببرجي بين الابراج. ضحكت متذكراً رسالتها ورسالتي اليها بأني اقبل قرارها. وجاءت لزيارتي في تلك المرة، وجاءت معها بمصور ليلتقط لنا صورة تذكارية. سألت نفسي بعد ذلك: كيف تورطت ورضيت، على خلاف عادتي مع من يراسلني ومن يراسلونني، باستقبالها. الصورة لا تزال محفوظة عندي. قلت لها في هذه الليلة، بشأن تلك الصورة، موضحاً ما ازعجها من كلماتي: ـ ما ازال احتفظ بها. انها تسجل المواصفات التي انطبعت في ذهني في نظراتي الاولى اليك. استقرت تلك المواصفات في ذاكرتي ما يقارب ثلاث سنين الى ان تبدلت في الامسية التي القيت فيها اشعارك بعد قراءتي قصتي. قالت: انت تخيفني بهذا الكلام. والمواصفات التي استقرت ثلاث سنوات، ماذا كانت؟ قلت لها: ما من شيء مخيف يا عزيزتي. وكأنك نسيت انت. كنت تلبسين ثوباً احمر متوهجاً. حمرته القانية جديرة بأن تستأثر بالنظرة الاولى لمن يراك، ولا سيما حين يبرز توهجها سواد شعرك الطويل الذي احاط بجيدك وانسدل على كتفيك. تلك كانت النظرة الاولى. نظرتي الثانية كانت الى عينيك. اصابتني عيناك بشيء من الحيرة. الى جانب سوادهما الفاتن كانتا تتلألأن بنظرة غريبة. اجفانهما كانت متكسرة، كأن نعاسا كان يغشيهما في حين كان كل تكوينك يفيض نشاطاً وحيوية. قلت لنفسي يومها: هذه هي العيون النعس التي وصفها الشعراء القدامى. ولهذا كتبت لك تلك الابيات. هل تحفظينها؟ ضحكت هي هذه المرة قبل ان تقول: انت تملأ صدري نشوة بحديثك. اي غزل جميل هذا، وانت تصر دوما على القول انك لست شاعراً! ولكني مازلت خائفة من قولك ان مواصفاتي هذه التي اسكرتني بإطرائها قد تغيرت. قلت لها: احلمي علي. سألتك عما اذا كنت تحفظين تلك الابيات. ثلاثة ابيات. اعملي معروفاً واقرأيها لي. قالت: وكيف لا احفظها؟ كتبتها لي في الرسالة التي جاءتني منك جوابا على رسالتي اليك بعد تلك الامسية. احفظ الابيات وارددها لنفسي بين الحين والحين. ولكني ارجوك ان تتلوها انت لي بصوتك. لا اكتفي بقراءاتها في الورق. لم يكن لي بد من اجابتها. رحت اتلو لها الابيات التي كنت احفظها منذ ايام الصبا لذلك الشاعر العتيق الذي اسمه عدي بن الرقاع العاملي، وفيها يقول: لولا الحياء وان رأسي قد عسا فيه المشيب لزرت ام القاسم وكأنها بين النساء اعارها عينيه احور من جآذر جاسم وسنان اقصده النعاس فرنقت في عينيه سنة وليس بنائم قرأت انا لها الابيات ثم نهضت وقلت: اسمحي لي اسمع حركة في غرفة النوم. لعله فايز، حفيدي، قد استيقظ. اطعمته جدته عشاءه باكرا ونام. سأعود اليك. كتبت هي: احببته اقولها ببساطة وبصراحة. احببته بعد مرحلة اعجاب بأعماله الادبية التي بدأت بقراءتها منذ قدرت على تفهم ما يريد التعبير عنه بأسلوبه الواضح والجميل. وحين قبل قراري بزيارتي إياه في مدينته، في منزله، وبحضور زوجته وإحدى ابنتيه، ترسخ اعجابي واخذ بالتحول، يوما بعد يوم، الى حب. اتراني ضحكت على نفسي حين اكتشفت هذا في نفسي، ام ان نفسي هي التي ضحكت علي وضحكت مني؟ سألت نفسي عن هذا بعد عامين كثرت لقاءاتي إياه فيهما، وقلته له ايضاً. ضحك مني. قال لي: انت شاعرة، تحولين كل عاطفة جميلة تشعرين بها الى حب. الحب شيء آخر غير هذا الذي تتكلمين عنه. اسألي المجرب. قبلت منه هذا التعليق على اعترافي بحبه، كما قبل هو ذلك الاعتراف. هل اقول انه قبله جلدا، ام تراها كانت سخرية منه بي؟ لا بأس. ظللت انا على قناعتي، وظل هو على تشككه. كان يصف لي ما يعجبه من شكلي وتقاطيع تكويني بأسلوب لا اعرف، كذلك، اهو جد ام مزاح. كنت ارغب ان يصرف اعجابه على ما اقرأ عليه من شعري، ولكنه كان يتجاهل رغبتي ويظل يتغزل بمفاتني. يتغزل بها بأسلوب ابوي، اسلوب والد فخور بجمال ابنته. في كثير من المرات كان يشير إلى شيب شعره وإلى الصلع الذي اخذ يزحف من مقدمة رأسه نحو قمته، علق في غرفة مكتبه صورة قديمه له، مرسومة بالفحم، ترجع إلى أيام شبابه، شعره الاسود في الصورة يبدو كثيفا تنحدر منه على جبينه وصدغيه خصلات ثائره، كان يقول لي: هل تصدقين أنه كان لي شعر مثل هذا؟ ويروح يردد لنفسه، ولي، بيت شعر قديم هو هذا: وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا! ويتبع رواية البيت بقوله: أحفظ هذا البيت لاحتجاج النحويين به على أن «إلا» تنصب ما بعدها، وإلا فان معناه فاسد، ما الذي يمكن ان تنكر منه صاحبته اكثر من الشيب والصلع؟! هو يحفظ كثيرا من الشعر، ولكن شعري لا يعجبه، هذا ما كنت اتصوره وان لم يصرح هو لي به، وعلى الرغم من قناعتي بهذا فان تعلقي به لم يخف، واعجابي بما كنت اقرأه له لم ينقص، وسيري من محبته إلى حبه لم يتباطأ، بدا لي أن معرفته بمشاعري هذه، مثل نظرته إلى شعري، لم تعجبه، فلعل هذا هو ماجعله يذكرني دوما بأنه في سن أبي وبأني في سن ابنته المتزوجة عائشة، أثارتي معاودته تذكيري بهذا فقلت له في إحدى المرات: أنت شاب في عيني وفي أعين كل الذين يخالطونك ويتحدثون عنك، لماذا تصر على قولك إنك شيخ عجوز؟ أطلق يومها، حين قلت له هذه الكلمات، ضحكة عالية وقال: - لماذا؟ لعله خوفي من الموت القريب هو ما يجعلني أذكر نفسي بشيخوختي لأهيئها لذلك الموت. صرخت أنا عندها: بعد الشر، من يفكر بالموت الآن؟ ضحك هو مرة أخرى من كل قلبه لفزعي، وقال: - لا تخافي، ولا تصدقي أني اخاف الموت، بل بالعكس، لعلي احس بالاطمئنان عند التفكير به، إلا أن الاطمئنان لا يعني التجاهل، هناك نظرتان إلى الموت أحب ان أرويهما لك، نظرتان لشخصيتين مشهورتين في تاريخ السياسة والعلم، الكردينال مازاران، هل سمعت باسمه؟ قلت: مطلقا، من يكون حضرته؟ قال، ساخرا: لم تقرئي التاريخ، لا بأس، ولكن ألم تقرئي روايات الكسندر دوماس؟ الكردينال مازاران يا عزيزتي كان رئيس وزراء لويس الثالث عشر ثم الرابع عشر في فرنسا، وهو في النزع، حملوه على محفة لينقلوه من جناح في القصر إلى جناح آخر، فتح عينيه على ما كانت تفيض به اروقة القصر وابهائه من مظاهر البذخ والترف، وعلى نبلاء المملكة مصطفين على الجانبين بكل ابهتهم وهو يحنون رؤوسهم عند مرور محفته، فقال: يا حسرة.. كيف يموت الانسان ويترك كل هذا؟ قلت أنا: فليمت بحسرته! لم تحمه من القدر المحتوم دولته ولا صولته. تابع هو، غير ملتفت إلى كلمتي، قائلا: هذه نظرة، أما النظرة الثانية فهي لباستور، لا تقولي إنك لم تسمعي باسم باستور. قلت: ولا كل هذا يا أستاذي. كيف كانت نظرة ذلك الإنسان الطيب الى الموت، وهو الذي طالما كافحه في أجساد الآخرين؟ قال هو: لخص باستور نظرته بكلمة قالها في آخر لحظاته في الحياة وهو يرى منيته بعينيه. قال: لماذا يبكر الموت هكذا؟ لا يزال هناك أشياء كثيرة عليّ أن أنجزها! لم تكن هذه الأشياء، بلا شك، لمتعة باستور وللذته الشخصية، بل كانت لخير الانسان وخدمة الانسانية. نظرتي أنا يا عزيزتي، والقياس مع الفارق، أقرب الى نظرة باستور منها الى نظرة مازاران. فارقته سخريته وهو يقول جملته الأخيرة. قالها بجد حزين. فقلت له: ـ أرجوك. ابعدني عن حديث الموت. اما من حديث غيره عندك؟ عاد اليه انبساطه فقال لي بلهجة مرحة: كما تشائين. عندي لك سؤال. هل تستطيعين القدوم في منتصف الشهر المقبل الى دمشق؟ سألته أنا: ماذا سيجري هنا في منتصف الشهر المقبل؟ قال: سألقي محاضرة عن دراسة لي لكتاب مجهول ارسله الي أحد الأصدقاء الاوروبيين. الكتاب وصف لرحلة في الصحراء العربية قام بها مؤلفه في منتصف القرن الميلادي الخامس عشر. ستكون محاضرتي على شيء من الجفاف، ولذا فكرت بترطيبها بقراءة الشعر في أمسيتها. ما رأيك في ان تشاركيني بقراءة بعض قصائدك ليلتها؟ كدت أطير من الفرح. وثبت من كرسيي امامه واحتضنته، وطبعت قبلتين على وجنتيه. تخلص من عناقي وقال وهو يبتسم: ـ ولا كل هذا. هل تستطيعين؟ يسألني ولا يعرف ان أسفاري الى دمشق، تاركة ورائي ولدي الصغيرين وزوجي، كانت في أكثرها في هذه السنوات الثلاث لحضور أمسياته ثم لزيارته بعد ذلك الحضور. فكيف اذن وأنا سأقف تحت جناحه لألقي أشعاري على مستمعيه ومستمعي! كان فرحي الطافر ليس لاقتراحه وحده، بل لإدراكي انه يقدر أشعاري ويجدها جديرة بأن تواكب دراسته في الأمسية. ذلك تقدير لم يسعدني قبل اليوم بالإشارة اليه. قال لي بعد ذلك: ـ اسمعي. ما هو مستغرب اني في هذا السن ما زلت هدفا لإعجاب الآخرين، من الرجال والنساء. لا شك في أني لست وحدي الهدف لهذا الاعجاب. كثيرون ممن هم في منزلتي يصبحون عرضة له، وهو يرضيهم ويداعب غرورهم. ولكني شخصيا اتضايق منه وأنزعج. النساء بصورة خاصة يدفعنني الى مواقف حرجة. الاعجاب الفكري يقودهن في كثير من الأحيان الى اعجاب عاطفي يتعدى حدود احتمالي. أقول لمن تحرجني في هذا المجال انها أخطأت الهدف، وأن عمرا شب عن الطوق منذ سنين عديدة. ضحكت انا وقلت له: قصصك ورواياتك، وحتى الشائعات التي تدور حول حياتك، تقول غير هذا يا أستاذي. حرك يده امام وجهه كمن يطرد صورة أمام عينيه، وقال: انها قصص وروايات، وشائعات. ثم انها كانت في مكانها قبل أربعين عاما وثلاثين وعشرين، اما اليوم! قلت أنا، متخابثة: ولكنك تتحمل الحاحي وإصراري وقولي لك اني احبك. قال، وهو يبتسم: يبدو اني ضعفت امامك. قدّرت انك انسانة مختلفة عن النساء اللواتي اتحدث عنهن. هل تعتقدين اني غششت بك؟ تناولت يده وقبلتها، وقلت له انه يرفعني درجات الى السماء باقتراحه ان أقف معه على المنبر وألقي اشعاري. كل هذا الحديث دار بيننا في تلك المرة. سافرت في اليوم الثاني لأعود بعد نحو من شهر وأشاركه في أمسيته. لن أتحدث عنها، عن الأمسية. لو أردت أن أفعل لملأت بحديثها صفحات كثيرة. أريد ان أروي فقط حكاية زيارتي الاخيرة له حين فاجأته، وفاجأت زوجته، بها. ذكرته بأني أنذرته بمثل هذه الزيارة وبأنه قبلها مني. ومثل ما فوجيء هو في ذلك المساء فوجئت أنا بأن زوجته اللطيفة، أم عائشة، ستترك المنزل فور وصولي لتكون الى جانب ابنتها المشرفة على الوضع في مستشفى التوليد. ظللنا وحدنا في غرفة مكتبه بين صفوف المجلدات على رفوف الخزائن وأكوام الكتب على المنضدة ومقاعد الغرفة. جررته الى الحديث عني بطريقته التي ألفتها منه. إلا أني تبينت ان قدومي مفاجأة اليه أدخل تعديلا على تلك الطريقة. بل اني اضطررته الى أن يقرأ لي بصوته الرجولي الأجش، وبإلقائه المؤثر، الأبيات التي ضمنها اولى رسائله اليّ بعد اول لقاءاتنا. تلك الأبيات ليست له، وإنما هي لشاعر موغل في القدم، قال انه تذكرها برؤيته نظراتي الساجية في ذلك اللقاء. وقال ان عينيّ الناعستين ذكرتاه بما قاله الشعراء القدامى في العيون النعس. اما الأبيات فهي: لولا الحياء وأن رأسي قد عسا فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها بين النساء أعارها عينيه احور من جآذر جاسم وسنان، أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم أم القاسم؟ إنه اسم غير شعري. بل انه اسم غليظ في غير هذه المناسبة. ولكني وجدت الأبيات بخطه، ثم بإلقائه، قمة في الشاعرية، كما وجدت أم القاسم تحفة حسن وجمال. أما هو، فقد خيل الي أنه ندم على تلاوته تلك الأبيات عليّ بذلك الصوت وبتلك الحرارة. رأيته ينهض ويقول إنه سمع صوت حفيده النائم في غرفته، وإنه ذاهب ليتفقده. لا أظنه كان صادقا في هذا. أنا أحدّ سمعا منه ولم تصل الى أذني نأمة من غرفة النوم المجاورة. تيقنت من أن حرارة عاطفته التي تظاهرت في قراءته تلك الأبيات عليّ اخجلته، فهرب مني بحجة تفقد الحفيد.... كتب هو: ضعفت. لا شك في أني ضعفت. هذه الامرأة جنية استطاعت بعفويتها، وبفتنتها، ان تدخل الوهن الى قرارات أخذتها لنفسي والتزمت بها السنين العديدة. نقمت على ذاتي لضعفها. ولا أنكر ان شيئا من الزهو وشعاعا من الغبطة تسللا الى نقمتي على ذاتي. اكاد أقول: شيئا من السعادة. على أن النقمة كانت أقوى. تهدج صوتي وأنا أقرأ لها تلك الأبيات التي ذكرني بها نعاس عينيها في أول لقاء لنا، فكتبتها لها بخطي وأرسلتها اليها. ليس صوتي وحده الذي تهدج، فقد تسارع قلبي وراح يطرق أضلاعي بشدة. هربت من التهدج والوجيب الى غرفة النوم مدعيا أني سمعت تململ فايز، حفيدي، في فراشه. فايز لم يتململ، بل أنا الذي تململ. عاودتني وأنا أنحني على فايز في السرير تلك النخزة في جانب صدري. تذكرت ما يكرره عليّ الدكتور بديع: إياك والانفعال... أنت في صحة جيدة، ومن يراك لا يعطيك من العمر أكثر من ستين. ولكن قلبك، بعد خمسين سنة من إدمان التدخين، لا يعترف بما يقوله الآخرون... احذر من الانفعال العاطفي ثم يضيف ضاحكا: ولاسيما العاطفة التي تقود الى الجنس! الدكتور بديع، صديقي الصدوق، يعرف أني رجل مسح الجنس من قاموسه منذ.... منذ سنوات طويلة، مثل ما مسح التدخين. ولكن هذه النخزة! انفعلت ولا شك، ولكن يا عزيزي الدكتور بديع، اطمئنك على أنه ليس انفعالا جنسيا على الإطلاق. فوفر عليّ تحذيراتك، أرجوك... عدت الى مجلسي، وقد نفضت ذلك الضعف عن مشاعري، وفي عزمي ان اصرف حديثنا الى سؤال عما جاء بها فجأة الى مدينتنا. ولكن الجنية لم تترك لي المجال للسؤال. بادرتني بقولها: ـ لا تنس أنك اخفتني بما اكتشفت من تغير مواصفاتي. نظرة عينيّ الناعستين اعجبتك في ذلك اليوم، فماذا عدا مما بدا حتى خف اعجابك بها؟ قلت لها: انت جنية شيطانة، يا عزيزتي. كنت احدث نفسي بهذا. تغيرت مواصفاتك حقا، ولكني لم أقل انها ساءت. ربما كان التغير الى الأحسن. النعاس انتهى، اختفى، من عينيك. لعلك كنت طفلة غرة حين رأيتك في المرة الاولى، فكان الخجل والتردد والتخوف هي البواعث التي كسّرت اجفانك. اما في المرة الاخرى فقد رأيت في نظراتك ما يشبه القسوة. لعلها ليست قسوة بل الصلابة والجرأة والتحدي. قالت هي: يا أستاذي، يا أستاذي... تتحدث كما لو كنت تكتب مقطعا تصف به احدى بطلات قصصك. لست جنية. انا فتاة مسكينة. لا أظنني قادرة على ان أتحدى بعوضة. كل ما في الأمر أني مغرمة بك. انمحى كل أثر للضعف من نفسي وعدت الى قواعدي الراسخة التي منها استطيع ان احدثها عما يرضيني ويعجبني منها ويقربها اليّ، احدثها عنه بكل اطمئنان. قلت لها: ـ نعم، اختفى سحر العيون الناعسة من نظراتك فلم يعد هو الذي يفتنني منك. قالت: انت تؤلمني بهذا. اذن فقد فقدت فتنتي عندك. ابتسمت للهجة المسكنة التي قالت بها جملتها الاخيرة، فتابعت مستدركا: ـ لا تتألمي. لا تزالين فاتنة كل الفتنة، ولكن لمواصفات اخرى اكتشفتها فيك. هل تحتملين، بدون تفسير سييء لما أقول، ما أخبرك به عن بواعث فتنتك الجديدة؟ تلك التي اكتشفتها حين كنت اتطلع اليك وأنت تلقين قصائدك؟ قالت: احتمل، ولو قطّعتني اربا. تفضل واخبرني. قلت: حسنا. كنت أتطلع اليك. افتقدت في عينيك نظرتهما الناعسة، وكانت نظرة ساحرة حقا. ولكن بصري شد الى ثغرك وأنت تلقين الشعر. كانت شفتاك في انفراجهما وانطباقهما، وفي همسهما وتصريحهما، وفي انزوائهما وتلمظهما، ساحرتين. هذا السحر عوّض عن ذاك. تذكرت كلمة يقولونها عن المغنين في العادة. يقولون: لا تسمع الغناء إلا من شفتين تشتهي تقبيلهما! قلت في سري ليلتئذ: هذه كلمة يجب أن تقال عن الشعر الذي تتلوه شفتا هذه الشاعرة. يتمنى الانسان ان يلتقط مفرداته، درره، لا بمسامعه بل بشفتيه من شفتيها... كانت هي تستمع وتتطلع إليّ بعينين مأخوذتين بأقوالي. أدنت كرسيها الذي كانت تجلس عليه قبالتي من الكنبة التي كنت أجلس عليها، وقربت رأسها من رأسي حتى أحسست بلهب انفاسها يلفح وجهي. اصبحت شفتاها امام شفتي وأدنى منهما قليلا. لم أفطن الى نفسي الا وفمي يطبق على ثغرها. شفتان ممتلئتان، مكتنزتان، تتأججان لهبا، أطبقت عليهما شفتاي وتداخلتا هما بينهما. هل انا الذي قبلتها ام هي التي قبلتني؟ حقا انا لا ادري. وسمعتها تغمغم: أحبك! ابتعدت عنها، الصحيح أني دفعتها عني برفق. كنت مصمما على الا أضعف. قلت لها بصوت لم أملك التعمية على تهدجه: ـ دعينا من هذا. أنا، يا بنت، لا اريد، بل لا أستطيع، أن أحبك. نعم، صدقيني. أنا لا أقوى على أن أحبك... كتبت هي: لماذا هو لا يقوى على حبي، انا التي أصرخ بكل قوتي، وان كان صراخا بيني وبين نفسي، اني احبه؟ بعد تلك القبلة الهائلة، الرائعة، المسكرة، امسك بكتفي وأجلسني على الكرسي قبالته وعاد هو الى كنبته فجلس عليها متربعا، كما يجلس الشيخ في حلقة المسجد امام تلاميذه. انا تلميذته، ولكنه هو حبيبي. قال لي، بعد ان تنحنح كمن يريد ان يلقى عظة على السامعين: ـ هل أغضبك مني ان قلت لك يا بنت؟ انت لست بنتا. انت امرأة ناضجة. لم آخذ عليه مخاطبته إياي بهذه الكلمة. اخذت عليه أنه أبعدني عنه وأنا في نشوة الارتماء بين ذراعيه القويتين وعلى صدره العريض. قلت له: ـ نعم، لست بنتا. انا امرأة متزوجة منذ سنين كثيرة. ابتسم وهو يقول: وأعرف ان لك طفلين، صبي وبنت. قلت: نعم، اسماعيل وزهراء. وهذا لا يحول بيني وبين حبي لك. حتى تعلقي بصفوان، زوجي، لا يحول بيني وبين هذا الحب. سألني: ألا تحبين زوجك؟ قلت له: بصراحة، انه زوجي وأنا متعلقة به. ليس تعلقي حبا. انا ما عرفت الحب، له أو لغيره. لم احب احدا غيرك ولا احببت احدا قبلك. انت الحب الاول. قال: ما أشد عنادك يا فلانة! فلتعلمي ان الحب دواء لا يوجد في صيدلية استاذك. نفق من عنده منذ زمن بعيد. قلت له: انت العنيد. انت تحبني ولكنك لا تتنازل الى ان تعترف. حبي لا يكلفك كثيرا. احببني ارجوك. ابتسم. خيل الي ان ابتسامته كانت حزينة. قال: ـ انت ذكرت اسم زوجك. انه يليق بك، هو من عمرك، وقد اولدك طفلين. هذا يعني ان فحولته ترضيك. قلت أنا: انه زوجي وفحولته ترضيني، ولكنها لا تكفيني. لا أبحث عن الفحولة، أبحث عن الرجولة. أنت الرجل... الرجل الذي احبه. سكت. هل فوجيء بتعابيري ومفرداتها؟ ابتسم مرة اخرى وقال: ـ انت حقا ناضجة، انضج مما كنت اقدر. ما دمت هكذا فإني ابيح لنفسي ان أسألك: هل سمعت بألبرتو مورافيا؟ قلت: توجه انت الي دوما اسئلة ممتحن الى تلميذ. اعرفه يا سيدي. قرأت له روايتين: السأم، والاحتقار. اعجبتني كتابته ولم تعجبني. ماذا في اسمه مما يجعلك تتحرج من ذكره على مسمعي؟ قال: له كلمة يقول فيها: هناك جنس بلا حب، ولكن لا حب بدون جنس!... لعلك ادركت موضع الحرج في هذه الكلمة. سكت انا في هذه المرة. لم أصدم بكلمة جنس حين نطق بها، ولكني رحت أفكر في قصده من ايراد كلمة مورافيا هذه. أتراه يعرض علي ممارسة الجنس معه لقاء حبه لي؟ حين طال سكوتي تابع هو قائلا: ـ لا حب دون جنس، لذلك قلت لك إني لا أقوى على حبك. اسألي الدكتور بديع. انفجرت انا حين فهمت ما يعني. صرخت في وجهه: لا أعرف من دكتورك بديع هذا. يبدو أنه منعك من الحب خوفا على حياتك من ممارسة الجنس. هل الحياة اغلى عندك من الحب؟ اسمع مني... لا أصدق هذا منك. انا مؤمنة بأنك رجل، وبأنك الرجل الذي احب والذي يحبني. وليخرس هذا الدكتور بديع. اطلقها ضحكة عالية لثورتي عليه، وقام من مجلسه متقدما الي. انهضني من على الكرسي، واحتضنني، ثم راح يمرر اصابعه بين خصلات شعري ورأسي ملقى على كتفه، مرددا بيت شعر لم يسم لي قائله. استعدت منه بيت الشعر الى ان حفظته. يقول: لا تنفخي في رمادي، تحت هدأته جمر اخاف سعيرا من تلظيهِ رفعت رأسي اليه وقلت: لا يا سيدي. لا تستشهد لي بمورافيا او بغيره. سأظل انفخ في رمادك حتى يشتعل جمره فتحترق به... بل حتى نحترق بناره معا، انا وأنت. لم يرد علي. استمررت انا في عباراتي العصبية المتقطعة قائلة له: ـ نعم، حتى نحترق معا. أنت حبي الأول. صدقني فيما أقول. وأنت؟ أنا أعرف، والناس حولنا يعرفون، انك احببت كثيرا، لا تقطع صلتك بهذه العاطفة القدسية، بالحب اعني. احببني لنحترق معا، وليكن حبك لي حبك الأخير. ضمني برفق بين ساعديه وقال لي بصوت أبوي: ـ أنصحك بأن تذهبي لتنامي. انت قادمة من بلد بعيد. غدا نستأنف احاديثنا. أحسست فجأة بالتعب وأنا ملقية رأسي على صدره ومحيطة كتفيه بذراعي. رفعت اليه وجهي وقربت فمي من فمه حتى تماست شفاهنا. فجأة أطبق ساعداه بكل قوتهما على أعلى جذعي وهصر قدي بينما التقطت شفتاه شفتي في قبلة محمومة. شفتاه الممتلئتان اذابتا شفتي بينهما، بينما راحت كفاه تنحدران الى خصري ثم تجريان على أعطافي، على عنقي وظهري ثم ردفي. وسمعته يقول بصوت متهدج وأجش: ـ إذهبي ونامي. انا ذاهب الى سريري لأضطجع الى جانب فايز. انا كذلك متعب. ابتعدت والتفت متطلعة اليه. كان وجهه شاحبا وكانت شفتاه ترتجفان. تذكرت البيت الذي ردده علي، فقلت له وأنا ابتسم، وقد أدركني عليه مثل الاشفاق: ـ سأنام. ولكن ليكن في علمك أني سأظل انفخ في رمادك حتى يتوهج الجمر تحته. ما أحلى ان نحترق معا في حبين، حب اول وحب أخير!... انت حبيبي، وأنا ألف أحبك. ولتصبح على خير. واستدرت متجهة الى الغرفة التي اعدتها لي خادمته فطمة في أول المساء. ـ اديب سوري بارز ولد في الرقة عام 1918 وعمل في السياسة والطب وكان طبيباً في جيش الانقاذ عام 1948 كتب الشعر والقصة والرواية ابرزها باسمة بين الدموع عام 1958 وله ديوان الليالي والنجوم عام 1951 وله 39 كتاباً ادبياً ويعيش الان في مدينة الرقة بسوريا.