من الموضوعات التي لا أحب الكتابة عنها - وهي كثيرة - الفيران أو الفئران أو الجرذان، وإن كانت العرب تقول ان الجرذ هو الفأر الكبير. وهو تخصيص غريب. فالاصطلاح العلمي مفروض ان يرتبط بالفرع وليس بالحجم.. واذا مارجعت الى أية دائرة معارف أو إلى برامج التلفزيون التي تتحدث عن الحيوانات ستجد أنواعا من الفيران ماأنزل الله بها من سلطان. وربما لا تحتاج لسؤالي لماذا لا أحب الكتابة عن الفيران، فإذا كانت هناك الزهور والروائح الجميلة والبطولات وقصص الحب والابداع والموسيقى وغير ذلك من الأشياء الجميلة فلماذا يختار الكاتب الأشياء السيئة؟ وليس في هذا محاصرة لحرية الكاتب. فرغم انني اتجنب الكتابة عن الاشياء البشعة مثل الفئران. الا ان الكثير يلومونني على انني لا أرى من الحياة الا وجهها القبيح. ولقد حاولت طويلا أن ألف وأدور حول الحياة لأرى وجهها الجميل، ولكن العيب ربما كان في صانع النظارات الذي حرم البصر من حدة الرؤية. وبالطبع لم تمنع كراهيتي للفيران الكتابة عنها. وأذكر عملين واضحين الأول مسرحية بعنوان «كوكب الفيران» وعندما كاد الأستاذ جلال الشرقاوي أن يخرجها طلب مني أن أغير كلمتين في العنوان الاولى هي كوكب والثانية الفيران! والعمل الثاني «احذروا» ويتناول انهيار سد مأرب من منظار ميثولوجي وبالتالي يركز على الجرذان التي تسير على قوائمها، وتلميح الى حد التصريح انها كانت مسئولة عن انهيار السد. ولقد شاهدت ناقدة كبيرة المسرحيتين في وقت متقارب فقالت: هذا انسان تطارده الفيران في أحلامه، أنه يحتاج الى طبيب نفسي! وفسر أصدقائي الذين لا يطيقون أن أنتقد من أي شخص أنها ترد الى مافعلته بها عندما جعلتها شخصية في مسرحية سرية بعنوان «نادي الحقيقة في مصر الجديدة» واسميتها آنئذ نعيمة الحلبسة. وقد استعرت الاسم من التراث الشعبي، وعدت به الى احدى شخصيات مسلسل «أم كلثوم» وهي شخصية بين الواقع والخيال. فعندما ضاعت سلطانة الطرب منيرة المهدية بمنافستها الجديدة أم كلثوم أعلنت على خارج الملهي الذي تغني فيه أنه تشاركها في الغناء المطربة الجديدة أم كلثوم، ووضعت صورتها. ولم يكن الناس يعرفون صورة أم كلثوم لأن أباها اعتبر أنه عار مابعده عار أن توضع صورة ابنته على واجهة ملهى حتى لو كانت ستغني فيه أمام الناس. وبالطبع لم تكن منيرة المهدية تقدم منافستها بل كانت تقدم خادمة لها حتى تحقر من شأن منافستها الخطرة. وتوهمت ولا حدود لخيال الكتاب أن هذه الخادمة صدقت أنها مشروع مطربة كبيرة. ولولا أنني كنت حبيس اطار تاريخي لتخيلت الخادمة وقد احترفت الغناء وانها تحمل ورقتين رابحتين الأولى توصية منيرة المهدية والثانية اسم أم كلثوم. المهم أن الدكتورة نعيمة الحلبسة طلبت أن أذهب الى طبيب نفسي، وأن هذا ضايق أصدقائي، لكنه لم يضايقني لم أذهب طبعا الى طبيب نفسي، لم المكر في ذلك، فأنا من أنصار هذا العالم الكبير الذي لا أذكر الا أنه قال: الإنسان طبيب نفسه! ولذلك قررت أن أقوم بجلسة تحليل نفسي لشخصي المتواضع. وأن أكون أنا الطبيب والمريض في وقت واحد. أول عقبة قابلتها هي «الشيزلونج» وهو كرسي طويل مريح يرقد عليه المريض. وعدد من الكلمات التي استعصت على الترجمة. وكنت أقرأها في الروايات القديمة المترجمة، فكنت أحس بالغضب لأنه ليس في بيتنا شيزلونج واحد. وأصبح هذا النوع من الكراسي دليلا على الثراء مع المارون جلاسيه الذي كرهته عندما تذوقته بعد أعوام طويلة، ومع الكافيار الذي ابتلعته بصعوبة. واكتفيت باريكة مريحة اتكأت عليها. وسألت نفسي: لماذا تكره ياهذا الفئران كل هذه الكراهية؟ قلت: وهل هناك من يحب الفئران؟ انه حيوان قبيح، ينقل الأمراض، وفي التراث الأوروبي يرتبط بالطاعون. قلت أيضا.. ولا تتوقع أن أقول قال: ولكن الدكتورة نعيمة الحلبسة طلبت تحليلك نفسي! وها انذا أفعل! واستعدت تاريخي مع الحشرات والحيوانات فوجدتني أكره معظمها ولا أحب بعضها الا على الشاشة! ومع ذلك فأنا لا أكره الفيران كراهية بلا حدود. فهي على أي حال كائنات تستحق الوجود، وتصنع مع بقية الكائنات منظومة هي الدنيا. والدليل على حسن نيتي انه شغلني طوال الأسبوع الماضي الفأر الافغاني. أنا لم أذهب في حياتي إلى افغانستان، ولم أر فأرا افغانيا، وان كان لابد أن يوجد هذا الفأر الافغاني. وفي غالب الأمر هو فأر مثل بقية فئران الدنيا. وفي غالب الامر هو فأر صغير مثل فيران العالم الثالث الا اذا اثبت تيسير علواني انني مخطئ في حدسي هذا، ولا أظنه يستطيع أن يثبت هذا. الفأر الافغاني عاش قرونا يعاني الجوع حتى بدا نحيلا الى حد الرشاقة، ومع ذلك لم تتزاحم عليه دور الازياء الفرنسية والايطالية تطلبه أن يشارك في عروض أزيائها. وربما جعله الجوع بطيئا لا يستطيع الحركة. لكن ربما أيضا جعله خفيفا اذا شم رائحة الطعام. وربما كان الفأر الافغاني هو الفأر الوحيد في العالم الذي لا يعرف ماهو السمك اذ أن افغانستان بلاد بلا بحر. ودون مقدمات فالفأر الافغاني لا يقرأ الصحف ولا يسمع الراديو ولا يعرف التلفزيون وجد نفسه لا يجد قوت يومه ولا أي قوت. كلما وجد كسرة خبز وجد الأيدي البشرية تتخاطفها. ماذا حدث؟ هل تحول البشر الى وحوش؟ وربما سرت الفكرة بين الفئران. وربما قالت نعيمة الحلبسة الفأرة لهن أنهن يحتجن الى أطباء نفسيين. فذهبوا فعلا الى أطباء نفسيين من الفيران. وسألوهم: ماسبب عقدتكم من الأوروبيين؟ ولا أدري ماذا ستقول الفيران الافغانية ولكنني خشيت أن تكون عقدتها الفيران الأمريكية. فإذا كانت هناك فيران افغانية فلابد أن هناك جرذاناً أمريكية. ولابد أن هذه الجرذان كبيرة وضخمة وانها تأكل الهامبورجر والتشكن، وانها تلعب البيسبول. وأحسست بالقلق على فيران افغانستان رغم كل اتهامات الدكتورة نعيمة الحلبسة. ولكنني وأنا بين اليقظة والمنام خطر على بالي ان هذا قد يكون حل الفيران الافغانية، فأنها اذ رأت الفيران الأمريكية السمينة قفزت اليها وأكلتها. وهكذا تحل القضية. مجرد أوهام! أليس كذلك؟