ستقول ما يلي لنفسك وانت تدخل بوابة ذيبان «جنوب محافظة مأدبا»: إن قرية «ما» مازالت عذراء على هذه الأرض، باشجارها ومبانيها وناسها.. كل شيء يوحي بذلك.. ويؤكد أن شيئا من فوضى وضجيج العالم لم يغزو هذه المنطقة.. ولكنك لن تقوم باخفاء نفسك عن أهل ذيبان فالكل سيعرف بأنك غريب، أو سائح أو عابر سبيل.. لا فرق المهم انك دخلت البلدة وان شبابا في عمر المراهقة سينظرون اليك وكأنك قادم من كوكب آخر. ذلك ليس لأنهم لم يعتادوا على مشهدك أو مشهد السياح من حولهم بل هو الشعور بالرغبة إلى الخروج أو السفر وانت وحدك ستكون مادة يمكن رؤيتها عن ذاك الطموح.. السفر ولكن ليس بالطائرة إلى البلاد النائية، ولكن السفر إلى العاصمة حلم الريفي الأردني. هناك فرق شاسع بين أن تسير في إحدى أسواق عمان، وتسير في الشارع «الحيوي» الوحيد في ذيبان، حيث تجمع المدرسة الثانوية بالباعة الذين يتاجرون ببضاعة ليست ذات بال ولكنه مهمة نظرا لأنها ببساطة البضاعة الوحيدة، وإلا فان عليك أن تسير بالسيارة ساعة كاملة من اجل أن «تختار». شامخة على تلة لم تنس أن تتزين لزوارها بلذة العيون، وذيبان التي يرتادها آلالف السائحين القادمين من العاصمة عمان مخزن اثري وجمالي وسياحي هائل. إلا أن ما ستتأكد منه أن أهلها لا يشعرون بكل هذا الجمال الذين احيطوا به، نظرا لأنهم مشغولون بفقرهم وقلة حالهم وهمومهم اليومية. فالفقر والبطالة والضنك قاسم مشترك لجميع قرى ذيبان. ومن المتعارف عليه رجال المنطقة في الغالب قد امتهنوا العمل في الوظائف الحكومية والعسكرية إضافة إلى رعي الاغنام. وإذ ذاك فان الفقر واسع في ذيبان يضاف اليه حسب ما يؤكده اهالي تلك المنطقة من اهمال وتدني في مستوى الخدمات المقدمة من الحكومة لهم، وبالرغم من توفير الماء والكهرباء والهاتف لهذه القرى الا ان هذه الخدمات ذات مستوى متدن. ويشير ابناء المنطقة إلى ان شبكة المياه في هذه القرى مهترئة مما يؤدي لازدياد نسبة المفقود منها ويؤثر على سلامة المياه، ويضاف لذلك بان سلطة المياه لا تلزم ببرنامج توزيع المياه وتصل مشكلة المياه في هذه القرى حد الشح مما يؤدي لاضافة اعباء جديدة على سكانها من حيث اضطرارهم لشراء مياه الصهاريج في كثير من الاحيان اما بالنسبة للشوارع في هذه القرى فالامر غاية في المأساوية حيث ان الطريق الرئيسي الواصل بين هذه القرى ومأدبا ضيق للغاية ولا يتسع سوى لسيارة واحدة اما في حال وجود سيارتين فالامر يتطلب ان تنزل احداهما عن الشارع لافساح المجال للسيارة الاخرى. ويقول طالب جامعي عن النشاطات الشبابية في المنطقة بانها غائبة تماما فالنادي الوحيد لابناء المنطقة معطل تماما ولا يقدم نشاطا لابناء القرى، الى جانب نادي الجبل هناك مركز للتنمية تقتصر نشاطاته على تنظيم دورات عادية للخياطة والتريكو وخلافه. وتفتقر القرى لتواجد مكتبة عامة وعندما طالب شباب هذه القرى بلديتهم بضرورة انشاء هذه المكتبة كانت الاجابة «لا يمكن اقامة مكتبة لأن مبنى البلدية مستأجر وميزانيته تعاني من عجز مزمن». اما في مجال التعليم فالامر معقول حيث يوجد في كل تجمع كبير مدرسة ثانوية شاملة للذكور واخرى للاناث هذا بالاضافة لتواجد مدرسة اساسية في كل قرية من قرى الجبل. إلا أن الظاهرة التي ستلمسها لو قدر لك أن تستقل راكبة عمومية ظاهرة التنقل بالدين حيث يحمل «كونترول» الباص دفتراً خاصاً بالديون، حيث يصل الامر عند معظم اهالي المنطقة انهم لا يملكون حتى اجرة مواصلاتهم وهذا الامر يدل على مدى تدني الدخل لسكان هذه القرى، ولكن بالمقابل فان شكوى سكان القرى تركزت حول عدم التزام الباصات العاملة بالوصول لنهاية الخط الخاص بها، ويشير احد اصحاب البقالات الى ان سكان القرى باتوا عاجزين عن الشراء وقاموا باحضار دفتر الديون وقال: بعض الزبائن منذ ثلاث سنوات لم يستطيعوا سداد مبالغ تافهة لا تزيد على ثلاثة او اربعة دنانير وهذا خير دليل على وضع السكان المادي السيء. ومن الامور المضحكة المبكية ملاحظة وجود احدى حاويات القمامة وقد قلبت رأسا على عقب امام منزل أحد رؤساء البلديات الذي يفترض انه المعني بمواقع وتحريك العمال للعناية بهذه الحاويات ويعلق احد القاطنين بالقرب من بيت رئيس البلدية لقد مضى اكثر من ثلاثة ايام على انقلاب هذه الحاوية. وهنا تدخل مواطنون من منطقة الشوبكية وعراعر ليشيروا الى ان اكثر من 20 منزلا ومزرعة في منطقتهم لم تصلها خدمة الكهرباء. واذا اردت حمل رحالك والانتقال إلى الجنوب اكثر فانك ستجد امامك مدينة الكرك التي من المناطق وثيقة الصلة بتاريخ الامة الاسلامية منذ ما قبل البعثة المحمدية وحتى العصر الحاضر فمنها مر الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم -في رحلته التجارية الى الشام وعلى مقربة منها وقعت معركة مؤتة المعركة الاولى بين العرب والبيزنطيين وأولى الغزوات النبوية خارج الجزيرة العربية. ولمزيد من الاهتمام بالمنطقة فان وزارة السياحة والآثار باشرت بتنفيذ مشروع الكرك السياحي المشتمل على تبليط الشارع الرئيسي في الكرك وترميم قلعة الكرك الاثرية نهاية الشهر الحالي بكلفة اجمالية تبلغ 5ر1 مليون دينار. ويعتبر محافظ الكرك عبد الستار الخرابشة المشروع ذا اهمية كبيرة كونه سيسهم في تجميل المدينة ويضفي عليها طابعا جماليا يشكل عنصر جذب للسائح ويطيل مدة اقامته في المدينة. ويتضمن مراحل المشروع تقسيم العمل في الشارع المذكور الى ثلاث مراحل بهدف تسهيل الحركة التجارية والمرورية في المدينة، وعدم التأثير على البنية التحتية من مياه وكهرباء واتصالات بالتنسيق مع الجهات المعنية بهذه الخدمات التي تعتبر ضرورية لابناء المجتمع. ويشتمل المشروع على تطوير وترميم الممرات الداخلية للقلعة وصيانة المتحف الاثري داخلها ، وصيانة القاعة التي تم اكتشافها مؤخرا لعرض المقتنيات الأثرية التي اكتشفت داخل القلعة ، اضافة الى انشاء قناة جديدة لتصريف المياه ومقاعد مطلة على الجهة الغربية من القلعة ، وبناء أدراج حديدية تتناسب والمكانة التاريخية والأثرية للقلعة. ورغم أن مدينة الكرك لا تزدحم بالسكان كما باقي مدن المملكة إلا انها إحدى ابرز المدن الأردنية التي خرجت الكثير من قيادات المملكة الأردنية الهاشمية. ويذكر التاريخ عن منطقة الكرك انها كانت من جند فلسطين ابان الفتح الاسلامي للقدس واصبحت من ثغور الشام ومدائنه وكان لها دور مميز في العهد الراشدي والاموي والعباسي لوقوعها على طريق الحجاج والطريق الذي يصل بيت المقدس بالاراضي الحجازية المقدسة لذا منحها الخلفاء المسلمون عنايتهم ويظهر ذلك من العمائر الاسلامية والمساجد والحصون والكتابات العربية والاسلامية التي عثر عليها. وبرزت اهمية الكرك وموقعها الاستراتيجي في فترة الصراع العربي الاسلامي مع الافرنج فأقام الافرنج فيها بارونية وحصنوها باعتبارها موقعا دفاعيا وهجوميا للحيلولة دون اتصال القوى العربية بمصر والشام ومنع القبائل العربية من الاعتداء على حدود المملكة اللاتينية في القدس اضافة الى الدافع الاقتصادي في نهب الخيرات الزراعية وغيرها. وبعد انتصار صلاح الدين الايوبي في معركة حطين دخلت الكرك تحت السيطرة الايوبية زمن الملك الناصر وعرفت بامارة الكرك الايوبية واصبحت المقر الثاني للملك بعد دمشق منارة من منارات العلم وموطنا لكثير من العلماء ومركزا مهما للجيوش الاسلامية والقوافل التجارية الى ما يقرب من القرن. وبسطت امارة الكرك نفوذها على الاراضي الواقعة شرقي نهر الاردن وغربه ومثلت لونا من الوحدة بين ابناء الشعب الواحد والدفاع عن ارض العروبة والاسلام. وواصلت الكرك دورها المميز في العهد المملوكي واصبحت تعرف باسم مملكة الكرك او نيابة السلطنة بالكرك وبسطت نفوذها على المنطقة الواقعة بين العقبة جنوبا وزيزيا «الجيزه حاليا» شمالا وباير والازرق شرقا الى البحر الميت ووادي عربة غربا. وشهدت الكرك في العهد المملوكي اربع ثورات كان اولها ثورة ابناء الظاهر بيبرس السعيد والمسعود وثورة الناصر محمد بن قلاوون وثورة السلطان برقوق واهم هذه الثورات كانت ثورة الناصر محمد بن قلاوون التي اتسمت بنقل عاصمة الدولة المملوكية من القاهرة الى الكرك واصبحت مراسيم السلطان تخرج من الكرك إلى بقية انحاء السلطنة. إلا أن ازهى فترات تاريخها كان في العهد المملوكي فازدهرت اقتصاديا وتجاريا وعلميا وديمغرافيا فبلغ عدد القرى التابعة لمملكة الكرك (440) قرية، ولعبت دورا بارزا في اوقات القحط والجفاف اذ كانت اراضيها المغروسة انذاك بالزيتون والعنب واللوز والفاكهة توفر ارزاق العساكر الاسلامية وتوزع على المجاورين في البلاد المصرية والشامية. عمان ـ «البيان»: