«وحلب.. من بين جميع المدن السورية لها التأثير الأعمق في الزائر. إنها بمنائرها التي تعلو غابة المنازل قصيدة من الحجر، رمادية في النهار، ومذهبة في المساء. تظهر لأول وهلة من كل جوانبها شبيهة بالانطباعات الرومانتيكية القديمة. لها مظهر عمراني رائع مغلف بالضباب ومسحوق بالشمس..» «جان هيرو» صاحب كتاب (سوريا اليوم). شاعت في مدينة حلب مؤخراً ظاهرة إحياء القديم وبعث الروح فيه. الأمر الذي استقطب السياح ولفت انتباه الكثيرين إلى آثار المدينة فأزالوا عنها وشاحها المغبر، وأعادوا إليها بهاءها الساحر، ورونقها الجميل. مما ساعد على تذوق الجمال القديم من جديد. يعد حي الجديدة بدوره القديمة وأزقته الضيقة من أكثر الأماكن التي يرتادها الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم نظراً لأصالة الأجواء الشرقية القديمة التي توفرها لزائريها. أما عن تاريخ الحي فيحدثنا المهندس عبدالله حجار فيقول: «لجأ من تمكن من الهرب من سكان حلب إلى الأرياف المجاورة خوفاً من طغيان تيمورلنك الذي قام بتدمير المباني والدور داخل المدينة حين مروره بها عام 1400م. وحين عاد الأهالي إلى مدينتهم إثر رحيل تيمور لنك ورأوا الدمار الحاصل في الدور اختار المسيحيون بناء منازلهم وكنائسهم خارج الأسوار في المنطقة الشمالية الغربية في محلة جديدة سميت (الجديدة) وقد ازدهرت المحلة الجديدة بسكانها العريقين في أعمال التجارة الناجحة بين الهند وأوروبا، مما جعلهم يبنون الدور الجميلة الواسعة التي كانت تدل على غنى ساكنيها». ولقد انتشرت في هذا الحي بالذات ظاهرة إعادة إحياء المباني الأثرية القديمة، إذ تنبه أصحابها إلى جمالها وقيمتها الأثرية فعملوا على استغلالها وتوظيفها سياحياً. من أهم هذه الدور بيت وكيل الذي بات السياح يفضلون الإقامة فيه على الإقامة في الفنادق الأكثر شهرة في المدينة كالبولمان والشهباء (الميريديان) وأمير بالاس و.. تقع هذه الدار «بيت وكيل» في حارة السيسي في الجديدة. وهي عبارة عن دارين متصلتين كما يقول المهندس حجار، إحداهما وهي الغربية أحدث من الأخرى، وهي محفوظة بشكل جيد، وتمتاز ببركتها الجميلة ونقوش إيوانها الصغيرة، وزخرفة خشبيات الغرفتين المجاورتين للإيوان. أما الدار الأخرى فقد جدد بناؤها وكانت إحدى قاعاتها الرئيسة (لم يبق في القاعة حالياً سوى بركة ماء) تحتوي على الجدران الخشبية الشهيرة التي تم شراؤها من عائلة شكري وكيل عام 1912 بواسطة السيدة مارتا كوخ الألمانية التي أرسلتها إلى متحف برلين حيث تعرض حالياً باسم الغرفة الحلبية في جناح الآثار الإسلامية من متحف برغامون. وتبين دراسة الجدران الخشبية المذكورة انه تم صنعها عام 1012هـ ـ 1603م. وكان مالكها الحاج عيسى ابن بدروس. وقام بإيداع نقوشها وزخارفها وتصاوير أشخاصها وكتاباتها فنان إيراني حيث نرى الطراز الفارسي في ملامح وجوه الأشخاص المرسومة بإبداع كبير كالعذراء مريم أو السيد المسيح وتلاميذه و... وقد نتألم لفقدان هذا الأثر الرائع، ولكن ما يعزينا هو معرفتنا أن هناك الآلاف من زوار متحف برلين يستمتعون بالتحفة الآتية من مدينة حلب. ويعد بيت وكيل بمثابة مثال نموذجي أصيل عن بيوت أثرياء حلب القدماء. يعود تاريخ بنائه إلى القرن السادس عشر، وقد حافظ البيت على جماله ورونقه السابق، وهو بيت عريق وأصيل في باحاته الواسعة المخضرة المليئة بالأزهار، وبركه المنعشة وليوانه المميز بأحجاره المزخرفة بأحلى المنقوشات الهندسية العربية. كما للدار مغر عميقة ودهاليز متشعبة لم يقدر تاريخ تأسيسها. تتصل هذه المغر المحفورة في الصخر بقلعة حلب مباشرة عبر سراديب ضيقة. يقول السيد حبيب باصوص مدير البيت: يعد بيت وكيل أشهر بيت نموذجي قديم ليس في حلب فقط، وإنما في سوريا، وذلك لأن البيت مازال محافظاً على طرازه المعماري الفني القديم كما هو تماماً. وعندما قمنا بترميمه حرصنا على ألا نغير في ملامحه أي شيء.. أي انه رمم بإخلاص ومحبة، محاولين الحفاظ على طبيعة البيت الحلبي القديم دون أن ندخل عليه لمسات العصر الحديث، إلا فيما يخص بعض الخدمات التي لا تسيء إلى بناء الدار وجماليته. حيث قمنا بتوفير نظام تدفئة وتبريد مركزيين وزودنا كل غرفة بحمام مستقل، بالاضافة إلى الهواتف والقنوات الفضائية والموسيقية.. إلى جانب ميني بار. يستقبل بيت وكيل زبائنه مع كافة وسائل الراحة التي يحتاجها المسافر المعاصر في فنادق الأربعة نجوم. كما يتذوق زواره في مطعميه الصيفي والشتوي أطيب المأكولات العربية الحلبية ذات الشهرة العالمية مع برامج ترفيهية كالموسيقى والرقص الشرقي التي تنقل الزوار إلى أجواء ألف ليلة وليلة. كا يتم تقديم حفلات شرقية مع طرب حلبي أصيل، وقدود حلبية، بالاضافة إلى رقص المولوية وحلقات الذكر ولوحات الدراويش والعراضات الحلبية. وللجو الغربي مكانه في التافيرنا حيث الموسيقى الغربية المنوعة ذات الطابع الرومانسي مع وجبات وأطباق من أغلب بلدان العالم. وقد جهز البار ليستقبل رواده طوال اليوم ويقدم جميع أنواع المشروبات والكوكتيلات العالمية. معظم رواد البيت من الأجانب السائحين حيث يتم الحجز عادة عن طريق المكاتب السياحية أو عن طريق شبكة الانترنت. وفي الدار 16 غرفة فقط للمبيت الأمر الذي يسبب بعض الإحراج لإدارة الفندق، حيث ان طلبات الحجز تفوق امكانية الفندق بكثير ولذلك فإن تأمين الحجز يتطلب حوالي ستة أشهر مسبقة. ولدى سؤالنا مدير الفندق عن إمكانية توسيع الدار وزيادة عدد الغرف فيها قال: انه بإمكاننا بناء طابقين أو أكثر ومضاعفة عدد الغرف محققين بذلك حجوزات أكثر للسياح، وبالتالي مكاسب مادية أكبر.. إلا أننا لم ولن نفعل ذلك على الاطلاق حرصا منا على إبقاء الدار بشكله القديم وعدم العبث بأصالته، فإضافة أي تعديل على البيت يعني خسارة أكيدة لقيمة الدار.. فالمواطن الحلبي لم يكن ليرفع طوابق بيته بحيث تعلو من حوله من البيوت لئلا يسبب إزعاجاً لجيرانه. وفي زقاق (أبي عجور) المقابل لزقاق السيسي الذي يضم بيت وكيل توجد دار زمريا التي انهضت منذ القرن السابع عشر في حي الجديدة قلب مدينة حلب القديمة وبوابة الشرق.. حيث بنى الأهالي قصورهم الأصيلة التي تعبر عن رقيهم وازدهار تجارتهم. وفي هذا الزقاق تحديدا عرفت اللغة العربية حروفها الأولى من أول آلة طباعة عام 1705 على يدي البطريق دباس، والشماس زاخر. وفي عام 1997 انتهت أعمال الصيانة والترقيم لدار زمريا حيث نفض الغبار عن هذا البناء الجميل، وأعيد ترتيبه ليستقبل الزائر بالأثاث الأثري القديم نفسه، وبالذكرى ذاتها، وقد أضيفت إلى غرفه كل الخدمات العصرية الممكنة من حمام وتدفئة وقنوات موسيقية وتلفزيونية وهاتف دولي وصندوق الأمانات والمصبغة وإمكانية التسديد بواسطة بطاقات الائتمان و... تقدم الدار ألذ الأصناف الشرقية المطعمة بتوابل الشرق، مع أشهر أطباق المطابخ الغربية في قاعات السفرة، العاشق، المعشوق وفي الحوش (أرض الدار) وفي التراس الصيفي المطل على قلعة حلب بالاضافة إلى البار والكافتيريا. ولقد عثر في الدار على النص التالي بالفرنسية بين أوراق مبعثرة: «كيف توقظ هذه الحجارة الخرس؟ كل هذه الأسئلة، من يرسل الصوت إلى داخلك؟ من يدخل هذا الارتياح إلى قلبك؟ مشاعر الحب.. الأمان.. الثقة.. ما الذي يبعثها فيك دفعة واحدة؟ تعامل برفق مع كل هذا الغموض الذي مازال بلا حل.. حاول أن تحب الأسئلة نفسها.. ولا تبحث الآن عن الأجوبة.. لأنك لن تتمكن من إيجادها.. دعها تلج أعماقك بصدق، فلربما يأتي يوم، بعد زمان، وفي غفلة منك، وربما بعد الرحيل تنبع الأجوبة من عمق كيانك...». حلب 1864م. كما لجأ بعض المستثمرين مؤخرا إلى إعادة توظيف بعض الدور القديمة في الجديدة على شكل مطاعم مثل دار الياسمين وبيت السيسي والقنطرة والمشربية و... يقول المهندس محمد تقي قدسي صاحب دار الياسمين: لقد خطرت لي هذه الفكرة إثر عودتي إلى الوطن بعد غربة طويلة. لمست خلالها افتتان الغرب بالأجواء الشرقية القديمة وتعطشهم لأصالة الشرق.. فعزمت على ترميم الدار وتجهيزها كمطم شرقي تقدم فيه أشهر المأكولات الحلبية. ولقد لاقى المطعم نجاحاً كبيراً وإقبالاً مدهشاً من قبل السياح وأبناء المدينة على حد سواء. تمثل هذه الدار العمارة الحلبية الأصيلة، وقد تم بناؤها في بداية القرن الثامن عشر. تتوسط الدار حديقة داخلية فيها بركة ماء يحيط بها الإيوان والغرف، وتقع تحتها مغارة حفرت يدويا يبلغ عمقها حوالي 11م، يعود تاريخها إلى أكثر من 1400 سنة، كانت تستعمل كملجأ وبيت للمؤونة وأغراض أخرى. تضم الدار غرف عدة للطعام، تحمل كل منها اسماً خاصاً، فقاعة الحفر، وقاعة الأشعار، والقاعة الشرقية والتراس الصيفي و... قاعة الحفر تتميز بسقفها الحجري المحفور على شكل أقواس جميلة.. أما قاعة الأشعار الحكمية فتمتاز بأقواس سقفها المكحل وجدرانها المزينة بالأشعار الحكمية الجميلة، من هذه الأشعار المكتوبة على الجدران والمؤرخة بيد كاتبها عام 1147هـ نقتطف الأبيات التالية: كل أمر يشبهه فعله ويرشح الظرف بما فيه وفي مكان آخر كتب: من أطلع الناس على سره أصبح في أسر عاديه يكفيك من عقل الفتى نصفه وتركه ما ليس يعنيه.. حلب ـ صباح فاروق كيالي: