كان ابو زياد من اعلام الكوميديا، في مدينة ادلب، وأقولها، على مسئولتي : لو كان للكوميديين الشعبيين تصنيفات وسجلات، لبرز بوصفه واحدا من الكوميديين العرب القلائل في القرن العشرين. والكوميديا، كما تعلمون، لها ركائز، كان ابو زياد يمتلكها جميعها. فقد كان ذكيا، حاضر البديهة، طليق اللسان، واما الشكل الخارجي (الكاراكتر) فمدهش: انه قصير ونحيف، رأسه صغير، شعره خفيف اشقر، عيناه صغيرتان وزرقاوان. باختصار، ملامحه كلها موجزة عدا انفه الطويل المستقيم، وكان لا يضحك حتى ولو انقلب الحاضرون امامه على اقفيتهم من شدة الضحك! في الخمسينيات كان محسوبا على الحزب الشيوعي (العوام يلفظونها: الشوعي)، وقد علق معظم رفاقه في السجن، وبقي هو في الخارج يمثل ما يمكن ان نسميه (العنصر الاعلامي)! وكان في البلد سوق شهير يدعى سوق القندرجية (صناع الاحذية)، وهو عبارة عن زاروب طويل، مسقوف بصفائح من التنك، فيه صفان متقابلان من الدكاكين المتلاصقة، يعبره الناس جيئة وذهابا منهمكين بانجاز أعمالهم المتعلقة بشراء او اصلاح او ترقيع احذيتهم واحذية عيالهم. وذات يوم تخت قندرة ابي زياد، فما عاد ينفع معها تغيير كعبين او درز او دق مسامير، فذهب الى ذلك السوق واوصى القندرجي ابا سمعو على قندرة جديدة بحسب نمرة قدمه البالغة 39، ولكن ابا سمعو، على مايبدو، اخطأ في القياس فصنعها على قالب 37، الاقرب الى القياس الولادي، ابو زياد لبس القندرة فطلعت روحه من الالم، وصار يمشي مثل اللقلق الذي يعرف في بلدنا باسم (الحاج لكلك)! حمل ابو زياد القندرة واعادها الى ابو سمعو وقال له: ـ انها تعص على رجلي يا ابو سمعو. فقال ابو سمعو بلا مبالاة: شيء طبيعي تعص، جديدة، فلتتحملها يومين او ثلاثة وانظر كيف انها ستتمدد وترخي! وعرض عليه اثار الجروح والعقور في قدميه، ولكن ابا سمعو شخط فيه قائلا: ـ أخي هذه قندرتك، خذها وافرقني برائحة طيبة. قال ابو زياد مهددا: انت الذي بدأت الحرب يا ابا سمعو! قال ابو سمعو باستهتار: حرب! وهل انت قادر على خوض الحروب؟ رح، بلط البحر! قال ابو زياد: على كل حال سوف ترى. بعد مضي اقل من نصف ساعة على هذه الملاسنة، مر ثلاثة رجال امام دكان ابي سمعو، توقفوا قليلا، انفلتوا بالضحك، وتابعوا مسيرهم، بعد قليل مرت امرأتان محجبتان، التفتتا نحو دكان أبي سمعو، ضحكتا وتابعتا طريقهما، ثم شرعت الحركة تزداد وتتواتر، .. دواليك حتى اصبح السوق كله يضحك. اصحاب الدكاكين والصناع والزبائن العابرون، والكل يضحك وينظر الى دكان ابي سمعو الذي كادت تصرعه الدهشة. اخيرا عرف ابو سمعو حقيقة ماحدث: فلقد خرج ابو زياد الى الباب الغربي من السوق، ووقف، وصار يقول لكل من يمر به: ـ يا أخي، رجال المباحث في بلادنا غشيمون وعديمو الحيلة. انهم يعتقلون الرجل ويكمون فمه وعينيه ويصعدونه الى السيارة باللكم والرفس، ثم ينزلونه الى القبو، ويضعونه ضمن الدولاب ويضربونه فلقا قد يصل الى مئتي عصا طالبين منه الاعتراف بانه (شوعي). وفي المحصلة يوجد اناس عنيدون لايعترفون. انا أرى ان القضية لا تحتاج الى كل هذا التعب ووجع القلب. احضروا المتهم الى دكان ابي سمعو القندرجي وفصلوا له قندرة وارغموه على ان يرتديها بقدميه، يعترف. لايعترف لكم ـ فقط ـ بأنه شوعي، بل يعترف بكل شيء. انتم تكتبون التهمة التي تطلع من خاطركم وهو يمضي لكم عليها، طبعا، ام انكم تظنون لبس حذاء من شغل ابي سمعو القندرجي امرا سهلا؟!